إيران… هل سينقلب السحر على الساحر؟

آراء

خاص لـ هات بوست:

     ليست الأحداث التي تشهدها إيران اليوم الأولى من نوعها، فقد عرف الشارع الإيراني على مدى عقود موجات متكررة من الاحتجاجات والاضطرابات، إلا أن ما يميز المرحلة الراهنة هو حدّتها واتساع رقعتها، والأهم عمق أسبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في وقت تبدو فيه قدرة النظام على الاحتواء أضعف من أي وقت مضى.

     منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تبنّى النظام سياسة قائمة على تصدير أيديولوجيته خارج حدوده، ليس بهدف التنمية أو بناء الشراكات الإقليمية، بل عبر دعم جماعات مسلحة وميليشيات في عدد من الدول العربية، تحت شعارات دينية وطائفية، كانت نتائجها الفعلية تخريب الدول، وإضعاف مؤسساتها، وإطالة أمد الصراعات. العراق، اليمن، لبنان، وسوريا، شواهد حيّة على هذا النهج، حيث تحوّلت هذه الدول إلى ساحات نفوذ وصراع بالوكالة، يدفع ثمنها المواطن العربي قبل غيره.

     في المقابل، كان الثمن الأكبر داخل إيران نفسها. فقد حُرم الشعب الإيراني من أبسط حقوقه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لصالح مشروع توسّعي يستنزف الموارد، ويغذّي صراعات خارجية لا تعود على الداخل إلا بمزيد من العقوبات والعزلة الدولية. وبينما كانت طهران تنفق المليارات على أذرعها في الخارج، كان المواطن الإيراني يواجه تضخمًا خانقًا، وبطالة متزايدة، وتراجعًا في مستوى المعيشة، وانسدادًا في الأفق السياسي.

     الأكثر خطورة أن الدول التي وثقت بإيران كحليف، وجدت نفسها تشرب من الكأس ذاته، حصار دولي، عقوبات اقتصادية، وتصنيفات سياسية وأمنية جعلتها أضعف من مفهوم الدولة، وأسيرة لقرارات ميليشياوية مرتبطة بالعاصمة الإيرانية أكثر من ارتباطها بمصالح شعوبها. وهكذا لم تعد إيران فقط مصدرًا للأزمات، بل أصبحت مركز استنزاف دائم لاستقرار المنطقة.

     اليوم، ومع تصاعد الغضب الشعبي داخل إيران، يتكرّس سؤال لم يعد ترفًا سياسيًا، هل تبدأ ثورات الشعوب التي غذّتها طهران في الخارج بالارتداد إلى الداخل الإيراني؟ وهل ينقلب السحر على الساحر، فيجد النظام نفسه محاصرًا بما صنعته سياساته، بعدما حوّل إيران من دولة ذات إمكانات اقتصادية وبشرية هائلة إلى ساحة صراع مفتوحة مع العالم؟

     إن ما تشهده إيران اليوم ليس أزمة عابرة، بل نتيجة تراكمات طويلة لسياسات قامت على منطق القوة والهيمنة بدل التنمية، وعلى تصدير الأزمات بدل معالجتها داخليًا. وإذا استمر النظام في تجاهل مطالب شعبه، فإن السؤال لم يعد إن كانت الاحتجاجات ستتكرر، بل إلى أي مدى يمكن أن تذهب من امتداد، وهل ستصل إلى لحظة مفصلية تعيد رسم مستقبل إيران ونظامها السياسي. قد تكون إيران أمام مفترق طرق تاريخي إما مراجعة جذرية تعيد الدولة إلى شعبها، أو استمرار النهج ذاته، مع ما يحمله من احتمالات انفجار داخلي قد يجعل النظام يواجه المصير الذي ساهم طويلاً في صناعته للآخرين.