كشفت نتائج «مؤشر إيدلمان للثقة» لعام 2026 عن ترسيخ دولة الإمارات لمكانتها العالمية كواحدة من أكثر الدول تمتعاً بالثقة في مؤسساتها وحكومتها. وتقاسمت الإمارات الصدارة مع الصين بتحقيقها 80 نقطة في المؤشر العام للثقة، متفوقة بذلك بفارق كبير على المعدل العالمي البالغ 56 نقطة.
ويعكس هذا الإنجاز نجاح النموذج الإماراتي في تعزيز الشراكة بين الحكومة وقطاعات الأعمال والمجتمع، حيث أظهرت البيانات ارتفاعاً ملحوظاً في مستويات الثقة عبر كافة المؤسسات الرئيسية مقارنة بالعام السابق، وهو ما يبرز استقراراً استثنائياً في وقت تعاني فيه العديد من الديمقراطيات الغربية من تآكل الثقة المؤسسية واتساع الفجوة بين الشعوب وحكوماتها.
وحصلت الإمارات على 80 نقطة على مدرج مكون من 100 نقطة، صعوداً من 72 نقطة العام الماضي.
وأظهر الاستطلاع السنوي الذي تجريه «إيدلمان»، الشركة الأمريكية في مجال العلاقات العامة والاستشارات التسويقية، أن الإمارات شهدت أكبر زيادة في الثقة بالحكومات وقادة الأعمال ووسائل الإعلام من العام الماضي في مؤشر 2026. فيما تقدمت الصين، التي تصدرت القائمة مع الإمارات، من 77 نقطة العام الماضي إلى 80 نقطة هذا العام؛ أي بقفزة أقل من الإمارات.
وتتصدر المؤشر: الإمارات (80)، الصين (80)، الهند (74)، إندونيسيا (73)، السعودية (73)، نيجيريا (72).
وتراجعت الدول المتقدمة للعام الثاني على التوالي: الولايات المتحدة (47 نقطة)- كوريا الجنوبية (46)- إسبانيا (45)- ألمانيا (44)- المملكة المتحدة (44)- فرنسا (42)- اليابان (38).
وعلقت الشركة على نتائج استطلاعها، والتي صدرت قبيل انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» في سويسرا؛ قائلة «إن الإمارات حققت هذا التقدم في وقت أصبح فيه الناس في جميع أنحاء العالم أكثر حذراً من الحكومات والمؤسسات في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تغذي النزعة القومية وتزايد المخاوف الاقتصادية».
وشمل الاستطلاع، 37500 مشارك في 28 دولة، وحدد تراجع الثقة في المؤسسات وقادتها مما يدفع الناس إلى البحث عن الطمأنينة داخل أماكن عملهم.
وفي تفاصيل الأداء المؤسسي، سجلت الحكومة الإماراتية واحداً من أعلى معدلات الثقة عالمياً بنسبة 86%، محققة زيادة قدرها 4 نقاط مئوية عن عام 2025.
ولم يقتصر النمو على القطاع الحكومي فحسب، بل شهد قطاع الإعلام في الإمارات قفزة نوعية غير مسبوقة، حيث ارتفعت الثقة فيه بمقدار 15 نقطة لتصل إلى 74%، مما يجعله من أكثر قطاعات الإعلام موثوقية على مستوى العالم.
كما حافظ قطاع الأعمال على مكانته المرموقة بثقة بلغت 84%، بزيادة قدرها 8 نقاط، مما يعكس بيئة استثمارية وتشريعية مستقرة تدعم النمو الاقتصادي وتجذب الاستثمارات.
ويتزامن هذا الصعود في مؤشرات الثقة مع تفاؤل شعبي واسع بالمستقبل الاقتصادي، حيث أعرب 63% من سكان الإمارات عن اعتقادهم بأنهم وأسرهم سيكونون في حال أفضل خلال السنوات الخمس المقبلة، بزيادة قدرها 3 نقاط عن العام السابق.
ويضع هذا التفاؤل الإمارات في المرتبة الثانية عالمياً من حيث النظرة الإيجابية للمستقبل، في تناقض صارخ مع التشاؤم السائد في الدول المتقدمة مثل اليابان وفرنسا وألمانيا، حيث لا تتجاوز نسبة المتفائلين فيها حاجز 15%، ولا يعد هذا التفاؤل ليس مجرد شعور عابر، بل يستند إلى حقائق اقتصادية ملموسة تعزز الشعور بالأمان الوظيفي والازدهار المعيشي لدى السكان.
وفي الوقت الذي يواجه فيه العالم ظاهرة «الانعزالية» وتآكل الثقة بالآخر، تقدم الإمارات نموذجاً مغايراً يتميز بالانفتاح، حيث أظهر التقرير أن الإمارات سجلت واحدة من أدنى نسب «الانعزالية» عالمياً بنسبة 48% فقط، مقارنة بالمعدل العالمي البالغ 70%، ومعدلات مرتفعة جداً في دول مثل اليابان (90%) وألمانيا (81%).
وتعني هذه النسبة أن أغلبية السكان في الإمارات منفتحون على الثقة بالأشخاص الذين يختلفون عنهم في الخلفيات الثقافية أو وجهات النظر، مما يعزز من مكانة الدولة كحاضنة عالمية للتسامح والتعايش، وبيئة جاذبة للمواهب والشركات من مختلف أنحاء العالم.
وبالانتقال إلى المشهد الدولي الأوسع، يرسم تقرير «إيدلمان» لعام 2026 صورة قاتمة لواقع الثقة العالمي تحت عنوان «الثقة وسط الانعزالية»، حيث يشير إلى أن العالم يمر بمرحلة تراجع حاد في الشعور بالأمان الاقتصادي والاجتماعي.
وتراجع التفاؤل الاقتصادي عالمياً ليصل إلى مستويات قياسية متدنية، حيث يرى 32% فقط من المشاركين حول العالم أن الجيل القادم سيكون أفضل حالاً، مع تسجيل انخفاضات حادة في الاقتصادات النامية الكبرى مثل الصين والهند وتايلاند.
ويعزو التقرير هذا التشاؤم إلى مخاوف متزايدة من فقدان الوظائف وتأثيرات التوترات التجارية، حيث أبدى 66% من الموظفين عالمياً قلقهم من تضرر شركاتهم جراء النزاعات التجارية والتعريفات الجمركية، وهو أعلى مستوى لهذا القلق تم تسجيله على الإطلاق.
وتبرز ظاهرة «الانعزالية» كأحد أخطر التحديات التي تهدد النسيج الاجتماعي العالمي، حيث أفاد 70% من المستطلعين عالمياً بأنهم مترددون أو غير راغبين في الثقة بأشخاص يختلفون عنهم في القيم الأساسية أو الخلفيات الثقافية أو وجهات النظر السياسية.
وقد أدت هذه النزعة الانعزالية إلى عواقب وخيمة في بيئة العمل والمجتمع، إذ أشار التقرير إلى أن 42% من الموظفين يفضلون تغيير أقسامهم بدلاً من العمل تحت إدارة شخص يحمل قيماً مختلفة، بينما قال 34% إنهم سيبذلون جهداً أقل في العمل إذا كان قائد الفريق يختلف معهم سياسياً.
وعلاوة على ذلك، أبدى 34% استعدادهم لدعم تقليص عدد الشركات الأجنبية في بلدانهم حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار، مما يعكس تصاعد النزعة القومية والحمائية الاقتصادية.
وفي ظل هذا التشرذم، تظل مؤسسة الأعمال (الشركات) هي المؤسسة الوحيدة التي تحظى بالثقة والمصداقية والكفاءة في نظر الجمهور العالمي، حيث سجلت معدل ثقة بلغ 64%، متفوقة على المنظمات غير الحكومية (58%)، والحكومات (53%)، والإعلام (54%).
ويظهر التقرير أن أصحاب العمل يتمتعون بمكانة خاصة كأكثر الجهات موثوقية بنسبة 78% عالمياً، مما يلقي على عاتقهم مسؤولية كبيرة في لعب دور «وسيط الثقة».
ويرى المشاركون أن الشركات وأصحاب العمل هم الأقدر والأكثر التزاماً بجسر الهوة بين الفئات المختلفة، حيث يُتوقع منهم توفير مساحات للتفاعل البناء والتدريب على حل النزاعات لكسر حواجز الانعزالية.
كما سلط التقرير الضوء على الفجوة الطبقية العميقة في مستويات الثقة، حيث اتسعت الفجوة بين الفئات ذات الدخل المرتفع والمنخفض لتصل إلى 15 نقطة مئوية عالمياً؛ فبينما يتمتع الأثرياء بمستويات ثقة أعلى في المؤسسات (63%)، تقبع الفئات الأقل دخلاً في منطقة “عدم الثقة” بمعدل 48%.
المصدر: البيان




