الإمارات في مواجهة العدوان: حين تُختبر الدول بمقدار ثباتها لا بضجيج خصومها

آراء

خاص لـ هات بوست:

     في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الدول بحجم مواردها أو اتساع عمرانها فحسب، بل تُقاس بقدرتها على الصمود حين تُستهدف، وبحكمة قيادتها حين تُستفز، وبتماسك مجتمعها حين تُختبر. وما تتعرض له دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم من اعتداءات إيرانية تستهدف منشآتها المدنية ومرافقها الحيوية، ليس مجرد حادث عابر في سياق توترات إقليمية، بل هو اختبار صريح لمنظومة الاستقرار في المنطقة، ولمعادلة الأمن التي طالما سعت الإمارات إلى ترسيخها عبر نهج الاعتدال والتنمية والانفتاح.

     إن استهداف المدن الآمنة، والمراكز الاقتصادية، والبنى التحتية المدنية، لا يمكن تفسيره إلا بوصفه خروجاً صارخاً على قواعد القانون الدولي، وانتهاكاً لمبدأ سيادة الدول، ومحاولة مكشوفة لفرض منطق الفوضى على حساب منطق الدولة. وهو في جوهره اعتداء على نموذج ناجح، استطاع أن يثبت أن التنمية ليست نقيض الأمن، بل امتداداً له، وأن الاستثمار في الإنسان هو أعظم حصانة في وجه الأزمات.

     لقد بنت الإمارات، خلال عقود قليلة، تجربة تنموية فريدة في بيئة إقليمية معقدة، تقوم على تنويع الاقتصاد، وتعزيز التسامح، واستقطاب العقول، وتكريس موقعها كمركز عالمي للتجارة والابتكار. وهذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية عميقة، وإدارة رشيدة، وإيمان راسخ بأن الاستقرار هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية. ومن هنا، فإن استهداف الإمارات لا يمكن فصله عن محاولة تقويض هذا النموذج، وإرسال رسائل سلبية لكل مشروع عربي يسعى إلى البناء بدل الصراع.

     غير أن التاريخ يعلمنا أن الدول التي تُبنى على أسس راسخة لا تهتز أمام الأزمات، بل تزداد تماسكاً وصلابة. والإمارات، بقيادتها الحكيمة وشعبها المتماسك، أثبتت مراراً أنها قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وأنها تمتلك من أدوات القوة الناعمة والصلبة ما يمكّنها من حماية مكتسباتها والدفاع عن أمنها وسيادتها.

     وفي هذا السياق، فإن الوقوف إلى جانب الإمارات ليس موقفاً تضامنياً عاطفياً فحسب، بل هو موقف استراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن العربي، وأن أي استهداف لدولة مستقرة ومنفتحة هو استهداف لفكرة الاستقرار ذاتها. ومن هنا، فإن الموقف الأردني، الرسمي والشعبي، يأتي امتداداً لعلاقات تاريخية راسخة، ورؤية مشتركة تؤمن بأن التضامن العربي ليس شعاراً، بل ضرورة وجودية في عالم مضطرب.

     إن مواجهة هذا العدوان تتطلب موقفاً دولياً واضحاً، لا يكتفي بالإدانة اللفظية، بل يسعى إلى محاسبة المعتدي، وردع أي محاولات مستقبلية لتهديد أمن الدول واستقرارها. كما تتطلب تعزيز منظومات الأمن الإقليمي، وتكثيف التعاون العربي في مجالات الدفاع والسياسة والاقتصاد، بما يضمن حماية المكتسبات التنموية وصون سيادة الدول.

     وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الإمارات، بما تمثله من نموذج حضاري وتنموي، ليست مجرد دولة تواجه اعتداء، بل هي فكرة تواجه محاولة إضعاف. وفكرة الاستقرار، حين تتجذر في الوعي الجمعي، لا يمكن أن تُهزم بالقصف، ولا أن تُقوّض بالتهديد. بل على العكس، قد تكون هذه اللحظات الصعبة هي التي تعيد تعريف القوة، وتؤكد أن البناء أعمق أثراً من الهدم، وأن المستقبل، مهما تعثر، ينحاز دائماً لمن يصنعه لا لمن يحاول تعطيله.

وسلام عليك يا إمارات الخير، أينما كنتِ، وكيفما كنتِ، لأنك رمزاً للشموخ، وحصناً يمثل صلابة القيادة والشعب.