خاص لـ هات بوست:
إن الاتحاد لا يعني التماثل، و التنوع لا يناقض التماسك، بل إن الوحدة حين تستوعب الاختلاف و تديره برؤية مشتركة، تصبح أكثر قوة ومرونة واستدامة، هذا ما تؤكده تجربة الإمارات العربية المتحدة، فحين نتأمل التجربة لا يمكن الاكتفاء بوصفها اتحاداً سياسياً نشأ عام 1971، بل ينبغي النظر إليها كنموذج حضاري متكامل يمكن التعبير عنه بمفهوم (التنوع الوحدوي)، هذا المفهوم لا يشير فقط إلى تعدد الإمارات ضمن دولة واحدة، بل إلى صيغة توازن دقيقة بين وحدة القرار السيادي وتنوع المسارات التنموية والثقافية لكل إمارة.
منذ قيام الإمارات العربية المتحدة، تأسست الدولة على رؤية اتحادية مرنة، تحترم الخصوصيات المحلية ولا تذيبها في مركز واحد، وقد كان للدور القيادي الذي اضطلع به الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله) أثر مهم و حاسم في ترسيخ هذا النهج، إذ قام الاتحاد على الثقة والشراكة والتكامل، لا على الإلغاء أو الهيمنة.
يتجلى التنوع في اختلاف التوجهات الاقتصادية والحضارية بين الإمارات، فلكل إمارة مسارها الذي يعكس خصوصيتها الجغرافية والاجتماعية والتاريخية، هناك من ركز على الطاقة والصناعة، ومن انطلق نحو التجارة العالمية والخدمات، ومن جعل الثقافة والتراث والتعليم محور مشروعه التنموي، ومع ذلك فإن هذه المسارات لا تتحرك في اتجاهات متضادة، بل ضمن إطار وطني جامع يحدد الرؤية الكبرى ويترك هامش للاجتهاد المحلي.
أما الوحدة فتتجسد في منظومة دستورية اتحادية تنظم العلاقات بين السلطات، وفي رمزية وطنية تعزز الانتماء المشترك، وفي سياسة خارجية موحدة تعكس حضور الدولة على الساحة الدولية، لقد استطاعت الإمارات أن تحافظ على هذا التوازن، بحيث لا يطغى المركز على الأطراف، ولا تتحول الخصوصيات المحلية إلى نزعات انفصالية.
التنوع الوحدوي في الحالة الإماراتية ليس حالة عفوية، بل هو نتاج إدارة واعية للاختلاف، فبدلاً من النظر إلى التعدد بوصفه مصدر تناقض، تم تحويله إلى مصدر تكامل، وبدلاً من فرض نموذج اقتصادي أو ثقافي واحد، أُتيح لكل إمارة أن تطور رؤيتها ضمن الإطار الاتحادي، مما أسهم في خلق شبكة تنموية متعددة الأبعاد تعزز استدامة الدولة ككل.
وفي زمن تتعرض فيه كثير من التجارب الاتحادية لتحديات الانقسام أو التمركز الشديد، تقدم الإمارات مثالاً على إمكانية الجمع بين الاستقرار السياسي والمرونة الحركية الاقتصادية، وبين الهوية الوطنية الجامعة والتعدد المحلي المشروع، إن (التنوع الوحدوي) هنا ليس مجرد وصف بلاغي، بل فلسفة عمل أثبتت قدرتها على بناء دولة حديثة دون أن تفقد جذورها.
غير أن جمال التجربة الإماراتية لا يكمن في هندستها الدستورية وحدها، ولا في تنوعها الاقتصادي فحسب، بل في روحها الإنسانية التي سكنت تفاصيلها منذ اللحظة الأولى، لقد وُلد الاتحاد من إيمان عميق بأن المصير المشترك أقوى من الحسابات الضيقة، وأن المستقبل لا يُصنع إلا بتكاتف القلوب قبل تلاقي الوجوه، ومن هنا كان الاتحاد في الإمارات مشروع ثقة قبل أن يكون مشروع دولة.
لقد أدرك الآباء المؤسسون، وفي مقدمتهم المغفور له الشيخ زايد، أن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن صون الكرامة الإنسانية هو الأساس الحقيقي للاستقرار، لذلك لم يكن الاتحاد اندماجاً شكلياً، بل تعبيراً عن رؤية أخلاقية ترى في التنوع ثراءً، وفي الاختلاف تكاملاً، وفي التعاون طريقاً إلى المجد المشترك.
وتتجلى فرادة التجربة الإماراتية في قدرتها على الجمع بين الحداثة و الأصالة، بين ناطحات السحاب التي تعانق السماء والمجالس التي تحفظ دفء اللقاء، بين اقتصاد عالمي منفتح وقيم أصيلة تضرب جذورها في البحر و الصحراء، في الإمارات لا يبدو التراث عبئاً على التقدم، ولا تبدو الحداثة خصماً للأصالة، بل كلاهما يسير في انسجام يعبّر عن هوية واثقة بنفسها، قادرة على التجدد دون أن تفقد ملامحها.
إن الاتحاد هنا ليس حدوداً جغرافية فحسب، بل شعور يومي بالانتماء يتجلى في احتفالات الوطن، وفي بساطة الانتقال بين الإمارات، وفي الاعتزاز الجماعي بكل إنجاز يتحقق في أي بقعة من أرضه، فنجاح إمارة هو نجاح للاتحاد، وتقدم قطاع هو مكسب للوطن بأسره، هذه الروح التضامنية هي السر الخفي الذي يمنح التجربة جمالها واستدامتها.
ولعل أكثر ما يميز هذا النموذج أنه لم يتوقف عند لحظة التأسيس، بل ظل مشروعاً مفتوحاً على المستقبل، يستثمر في الإنسان، ويؤمن بأن التنمية الحقيقية هي تلك التي تصنع وعياً وثقافة قبل أن تصنع أرقاماً وإحصاءات، وهكذا أصبحت التجربة الإماراتية مثالاً على أن الوحدة حين تُبنى على الثقة والاحترام المتبادل، تتحول إلى طاقة خلاقة، قادرة على احتضان التنوع وتوجيهه نحو غاية مشتركة.
بهذا المعنى، فإن (التنوع الوحدوي) في الإمارات ليس مجرد توصيف سياسي، بل حكاية إنسانية عن إرادة مشتركة آمنت بأن الاتحاد قيمة، وأن المستقبل يُصاغ حين تتكامل الرؤى وتتآلف القلوب.
