خاص لـ هات بوست:
هناك عناوين تُكتب بالحبر، وأخرى تُكتب بالذاكرة، وهناك محطات في التاريخ تُسجَّل في الأرشيف، وأخرى تُختزن في وجدان الشعوب. والعلاقة بين الإمارات واليمن خلال السنوات الماضية ليست مجرد فصل عسكري في كتاب السياسة، بل تجربة إنسانية وسياسية تشكّلت في لحظة إقليمية شديدة القسوة، حين كان الانهيار يهدد دولةً عريقة بتاريخها وهويتها.
عندما حضرت الإمارات إلى اليمن، لم يكن المشهد طبيعيًا ولا الحسابات بسيطة. كانت مؤسسات الدولة تتآكل، وكانت مدنٌ بأكملها مهددة بأن تتحول إلى فراغ أمني مفتوح على كل الاحتمالات. في تلك اللحظة، لم يكن السؤال عن مكسبٍ سياسي، بل عن كيفية منع السقوط الكامل. فجاء الدور الإماراتي بوصفه مساهمة في تثبيت التوازن، ودعمًا لجهود استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الذي تحتاجه أي دولة لتقف على قدميها.
لم يكن الحضور الإماراتي عنوانًا عسكريًا فحسب، بل كان مشهدًا متعدد الأبعاد. أمنيًا، ساهمت في دعم مواجهة التنظيمات المتطرفة التي وجدت في الفوضى بيئة خصبة. وإنسانيًا، كانت حاضرة عبر قوافل الإغاثة، وإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات، وتشغيل محطات الكهرباء والمياه. وفي البنية التحتية، أعيد فتح مرافق حيوية أعادت نبض الحياة إلى مدنٍ أنهكها الانقطاع والعزلة.
في عدن والمكلا وأبين وشبوة، ومناطق عديدة في اليمن، لم تكن المسألة شعارات سياسية، بل تفاصيل يومية تمس حياة الناس مباشرة: عودة الكهرباء بعد ظلام طويل، مطار يُفتح بعد إغلاق، مستشفى يستقبل مرضاه من جديد، وأجهزة أمنية تبدأ في استعادة انتظامها. كانت تلك التفاصيل الصغيرة هي الفارق بين القلق والطمأنينة، بين الفوضى وإحساس الدولة.
وعندما أعلنت الإمارات إنهاء دورها العسكري، اختزل البعض المشهد في كلمة “انسحاب”. غير أن السياسة ليست موقفًا جامدًا، بل إدارة لمراحل تتبدل أدواتها وفق تغير الظروف. لكل مهمة إطارها الزمني، ولكل مرحلة مقتضياتها. إنهاء الدور العسكري لم يكن قطيعة، بل انتقالًا من صيغة ميدانية مباشرة إلى مقاربة مختلفة تحكمها حسابات الاستدامة وتطور المشهد الإقليمي.
الكثير من اليمنيين يسأل عن سبب المغادرة مفهوم في بعده العاطفي، لكنه يحتاج إلى قراءة أعمق. الإمارات لم تدخل لتبقى إلى ما لا نهاية، بل لتؤدي دورًا محددًا في ظرف استثنائي. وعندما تتغير طبيعة المرحلة، تتغير طبيعة الحضور. هذه ليست نهاية علاقة، بل إعادة تعريف لمسارها.
الأهم من ذلك أن العلاقة التي تشكّلت خلال تلك السنوات لم تكن علاقة مصلحة باردة، بل علاقة موقف ومسؤولية. وقد دفعت الإمارات ثمنًا بشريًا وماديًا ومعنويًا في بيئة معقدة ومتشابكة، انطلاقًا من قناعة بأن استقرار اليمن جزء من استقرار المنطقة.
اليمن، في ذاكرة كثير من أبنائه، لم يكن ينظر إلى تلك المرحلة بوصفها معادلة سياسية فحسب، بل كوقفة في زمن الحاجة. قد تتباين التقييمات، وتختلف القراءات، لكن أثر التجربة يبقى حاضرًا في الوعي الجمعي، حيث تُقاس المواقف بصدقها في لحظة الاختبار.
في العلاقات بين الدول، قد تنتهي الأدوار المباشرة، لكن يبقى الأثر الإنساني والسياسي شاهدًا على المرحلة. قد تعيد السياسة رسم خطوطها، لكن ما يُحسم في الميدان يظل جزءًا من التاريخ. ولهذا يمكن القول إن الدور العسكري انتهى، لكن البعد الإنساني والروابط الأخوية لم تنقطع، فالعلاقات الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء، بل بعمق الحضور حين تشتد الحاجة. وبين الإمارات واليمن، كانت تلك السنوات عنوانًا لحضورٍ جاء في لحظة صعبة، وترك أثرًا يتجاوز حدود السياسة إلى مساحة أوسع… مساحة الذاكرة والإنسان.
