خاص لـ هات بوست:
في زمنٍ تُقاس فيه المجتمعات بمعدلات النمو، وتُختزل فيه فكرة التقدم في جداول الإحصاء ومنحنيات الناتج المحلي، بات السؤال الجوهري غائباً أو مُهملاً فيما تعنيه التنمية، وكيف بالتالي يقاس تحققها؟ إن هذا الاختزال التقني للتنمية حوّلها من مشروع حضاري إلى عملية حسابية، ومن رؤية إنسانية إلى سباق مؤشرات، تُراكم الثروة أحياناً، لكنها تُفرغ المعنى، وتُهمّش القيم، وتُضعف الإنسان بوصفه غاية التنمية لا وسيلتها. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بما يُنتَج، بل بما يُصان. لا تُختبر بكمّ الطرق والمباني، بل بنوعية العلاقات، وعدالة الفرص، وانتاجية العمل،ونزاهة القرار ،وكرامة الإنسان. هنا تتقدّم الأخلاق لا بوصفها خطاباً وعظياً أو ترفاً فكرياً، بل باعتبارها البنية العميقة التي تمنح التنمية معناها واستدامتها. فحيث تغيب الأخلاق، تتحول التنمية إلى قشرة براقة تخفي هشاشة الداخل، وتصبح الأرقام بديلاً مضللاً عن العدالة، ويغدو النمو الاقتصادي مصحوباً بتآكل الثقة، واتساع الفجوات، وضمور الشعور بالمسؤولية العامة. إن الأخلاق ليست إضافة خارجية لمسار التنمية، بل شرطها البنيوي. فهي التي تضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين السوق والإنسان، وبين القانون والضمير. ومن دونها، تفقد السياسات فعاليتها مهما بدت محكمة، وتتعطل المؤسسات مهما بلغت كفاءتها الشكلية. فالتنمية التي لا تُؤسَّس على قيم النزاهة، والإنصاف، والعمل العام، سرعان ما تنتج اختلالات أخطر من الفقر ذاته، لأنها تُطبع الظلم، وتُشرعن اللامساواة، وتُفرغ فكرة النهضة من بعدها الأخلاقي. من هنا، تأتي أهمية إعادة طرح سؤال التنمية من زاوية أخلاقية، لا بوصفه نقيضاً للاقتصاد، بل باعتباره بوصلة له. فالأخلاق هي التي تجعل التنمية إنسانية، والنهضة شاملة، والتقدم مستداماً. وكل مشروع تنموي لا ينطلق من هذا الأساس، قد ينجح مرحلياً، لكنه يعجز تاريخياً عن بناء مجتمع متماسك، واثق، وقادر على الاستمرار.
المحور الأول: وهم الأرقام وحدود القياس الكمي للتنمية
شهد مفهوم التنمية، خلال العقود الأخيرة، انحيازاً واضحاً نحو القياس الكمي بوصفه الأداة الرئيسة للحكم على نجاح الدول والمجتمعات. فقد تحولت معدلات النمو، ونسب الدخل، ومؤشرات التنافسية، إلى مرجعيات شبه مطلقة في تقييم الأداء التنموي، حتى باتت التنمية تُختزل في أرقام تُعلن، لا في أوضاع تُعاش. هذا التحول لم يكن بريئاً، بل عكس هيمنة رؤية اقتصادية تقنية تنظر إلى المجتمع بوصفه وحدة إنتاج، وتتعامل مع الإنسان كعنصر ضمن معادلة حسابية، لا ككائن أخلاقي واجتماعي مركزي في مشروع النهضة.
تكمن إشكالية هذا المنظور في أنه يفصل بين ما هو قابل للقياس وما هو جوهري في حياة المجتمعات. فالأرقام قادرة على رصد حجم الناتج، لكنها عاجزة عن قياس جودة العدالة. تستطيع حساب متوسط الدخل، لكنها لا تكشف عمق التفاوت. ترصد نسب التوظيف، لكنها لا تُظهر كرامة العمل ولا شروطه الأخلاقية. وهنا يتشكل وهم التنمية، حيث تبدو المؤشرات إيجابية في ظاهرها، بينما يتآكل النسيج الاجتماعي في العمق، وتتراجع الثقة العامة، ويزداد الإحساس بالإقصاء واللامساواة.
إن الاعتماد المفرط على القياس الكمي يُنتج مفارقة خطيرة، تتمثل في تحقيق نمو اقتصادي متزامن مع تراجع شعور المواطنين بالإنصاف والانتماء. فحين تُصاغ السياسات العامة على أساس تحسين المؤشرات فقط، تتحول التنمية إلى هدف بيروقراطي، وتُدار الدولة بعقلية التقرير لا بعقلية الأثر. وتصبح الأولوية لما يمكن عرضه في التقارير الدولية، لا لما يُصلح حياة الناس فعلياً. في هذا السياق، تفقد التنمية بعدها الأخلاقي، ويجري تطبيع الفجوات الاجتماعية باعتبارها ثمناً لا بد منه للنمو. كما أن القياس الكمي يفترض، ضمناً، أن ما لا يُقاس لا يُعتد به. وهو افتراض يُقصي قيماً مركزية مثل الثقة، والتكافل، والشفافية، والعدالة الإجرائية، لأنها عصية على التحويل إلى أرقام دقيقة. غير أن هذه القيم هي التي تحدد، في الواقع، قدرة المجتمعات على الصمود، والاستقرار، والاستمرار. فمجتمع يرتفع فيه الناتج المحلي، لكنه يعاني من ضعف الثقة بالمؤسسات، هو مجتمع مهدد بالتآكل من الداخل، مهما بدت أرقامه واعدة. ولا يعني هذا النقد رفض القياس أو التقليل من أهمية المؤشرات، بل إعادة وضعها في سياقها الصحيح. فالأرقام أدوات، وليست غايات. وهي وسائل للتشخيص، لا بدائل عن الرؤية القيمية. إن تحويل التنمية إلى معادلة حسابية خالصة يُفقدها بعدها الإنساني، ويُنتج نماذج نمو غير متوازنة، تُراكم الإنجاز المادي، لكنها تعجز عن بناء شعور جماعي بالعدالة والكرامة. ومن هنا، يصبح من الضروري تجاوز الأرقام، والاعتراف بحدود القياس الكمي، والانطلاق نحو فهم أشمل للتنمية، يدمج بين المؤشرات المادية والمعايير الأخلاقية. فالتنمية التي تُقاس فقط بما يُنتَج، قد تنجح اقتصادياً، لكنها تفشل مجتمعياً. أما التنمية التي تُوازن بين الرقم والقيمة، فهي وحدها القادرة على بناء نهضة حقيقية، لا تُختزل في تقارير، بل تُترجَم في حياة الناس اليومية.
المحور الثاني: الأخلاق بوصفها البنية العميقة للتنمية المستدامة
إذا كان القياس الكمي قد كشف محدوديته في تفسير واقع التنمية، فإن الانتقال إلى البعد الأخلاقي لا يُعد ترفاً نظرياً، بل ضرورة تفسيرية وبنيوية. فالأخلاق ليست خطاباً موازياً للتنمية، ولا قيمة تجميلية تُضاف إلى السياسات بعد اكتمالها، بل هي الإطار الذي يحدد اتجاهها، ويضبط إيقاعها، ويمنحها القدرة على الاستمرار. من دون هذا الإطار، تتحول التنمية إلى عملية تقنية فاقدة للروح، قادرة على الإنتاج، لكنها عاجزة عن بناء الثقة والمعنى.
تتمثل مركزية الأخلاق في كونها تنظّم العلاقة بين الفاعلين داخل المجتمع. فهي التي تضبط ممارسة السلطة، وتحدّد حدود السوق، وتؤسس لعلاقة متوازنة بين الفرد والمؤسسة. وعندما تكون الأخلاق حاضرة في بنية القرار العام، تتحول القوانين من نصوص جامدة إلى تعاقدات اجتماعية تحظى بالقبول والاحترام. أما حين تُغيَّب القيم، فإن أفضل السياسات تصبح عرضة للتآكل، لأن تنفيذها يتم في بيئة لا تثق بذاتها ولا بمؤسساتها. فالتنمية المستدامة، في جوهرها، ليست استدامة الموارد فحسب، بل استدامة الثقة. فالمجتمعات التي تنجح في تحقيق معدلات نمو متقدمة دون ترسيخ قيم النزاهة والإنصاف، غالباً ما تواجه أزمات لاحقة أشد كلفة من أزمات الفقر. إذ يتراجع الالتزام بالقانون، وتضعف المسؤولية العامة، ويتحول السلوك الانتهازي إلى نمط مقبول ضمنياً. هنا لا تكون المشكلة في نقص الموارد، بل في غياب البوصلة الأخلاقية التي تنظّم استخدامها. كما أن الأخلاق تؤدي دوراً حاسماً في توجيه أولويات التنمية. فهي التي تحدد ما إذا كان الاستثمار موجهاً لخدمة الصالح العام أم لتعظيم مكاسب فئوية. وهي التي تميّز بين التنمية التي توسّع الخيارات أمام الجميع، وتلك التي تُراكم الامتيازات لفئات محدودة. ومن دون هذا التمييز القيمي، تفقد التنمية عدالتها، وتتحول إلى مصدر توتر اجتماعي بدلاً من أن تكون أداة اندماج وتماسك.
إن إدماج الأخلاق في صلب التنمية لا يعني فرض نموذج مثالي أو أخلاقيات وعظية، بل ترسيخ معايير عملية تحكم السلوك العام، مثل الشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص. هذه المعايير ليست شعارات، بل شروط تشغيل لأي مشروع تنموي يرغب في الاستمرار. فالتنمية التي تُبنى على أساس أخلاقي متين، تكون أقدر على الصمود أمام الأزمات، وأكثر قدرة على تصحيح مسارها عند الخطأ. من هنا، يمكن القول إن الأخلاق تمثل البنية العميقة للتنمية المستدامة، لأنها تمنحها الاتساق الداخلي، وتحوّلها من إنجاز مؤقت إلى مسار حضاري طويل الأمد. فحيثما استقرت القيم، استقرت التنمية، وحيثما تآكلت الأخلاق، انهارت الإنجازات مهما بدت صلبة في ظاهرها.
المحور الثالث: من السياسات إلى السلوك العام: إعادة تأسيس النهضة على أساس قيمي
لا تكتمل العلاقة بين الأخلاق والتنمية عند حدود التنظير أو صياغة السياسات، بل تتجسد حقيقتها في السلوك العام اليومي، وفي الطريقة التي تتحول بها القيم المعلنة إلى ممارسات فعلية داخل المؤسسات والمجتمع. فالتنمية التي تبقى حبيسة الوثائق والاستراتيجيات، دون أن تنعكس على أنماط الفعل والسلوك، تظل تنمية منقوصة، قابلة للتآكل مع أول اختبار جدي. ومن هنا، تبرز أهمية الانتقال من أخلاقيات النص إلى أخلاقيات الممارسة.
إن السياسات العامة، مهما بلغت دقتها، لا تُنتج أثراً تنموياً مستداماً ما لم تستند إلى ثقافة أخلاقية حاضنة. فالقانون وحده لا يكفي لضبط السلوك، ما لم يُدعَم بقناعة داخلية بأهميته وعدالته. وعندما يشعر الأفراد بأن القيم التي تُرفع كشعارات لا تُطبَّق فعلياً، تتراجع الثقة، ويتحول الالتزام إلى عبء، وتصبح المخالفة سلوكاً مبرَّراً اجتماعياً. في هذه اللحظة، تفقد التنمية رافعتها الأخلاقية، ويتحوّل الإنجاز المؤسسي إلى أداء شكلي. وبالتالي تتطلب إعادة تأسيس النهضة على أساس قيمي تفاعلاً متكاملاً بين الدولة والمجتمع. فالدولة مسؤولة عن بناء إطار تشريعي عادل، ومؤسسات شفافة، ونماذج قيادية تحتذي بالقيم في الممارسة لا في الخطاب. وفي المقابل، يتحمل المجتمع مسؤولية تحويل هذه القيم إلى سلوك يومي، من خلال احترام القانون، وصون المال العام، والمشاركة الإيجابية في الشأن العام. فالأخلاق لا تُفرض من أعلى ، بل تُبنى من الداخل، عبر تراكم الممارسة والقدوة. كما تلعب التربية والتعليم دوراً محورياً في هذا التحول، بوصفهما الحاضنة الأولى لتشكيل الوعي القيمي. فحين تُقدَّم الأخلاق بوصفها جزءاً من المهارة الحياتية، لا مادة منفصلة أو خطاباً مثالياً، تصبح جزءاً من هوية الفرد وسلوكه المهني والاجتماعي. وهنا تتحول التنمية إلى تجربة معيشة، لا إلى هدف بعيد أو رقم في تقرير.
إن النهضة الحقيقية لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على التخطيط، بل بقدرة المجتمع على الالتزام. وحين تتطابق السياسات مع السلوك، وتتحوّل القيم إلى ممارسة يومية، تصبح الأخلاق رافعة فعلية للتنمية، لا شعاراً موازياً لها. عندئذ فقط، يمكن الحديث عن تنمية تُنتج إنساناً مسؤولاً، ومجتمعاً متماسكاً، ونهضة قابلة للاستمرار.
الخاتمة
تُظهر هذه القراءة أن التنمية، حين تُختزل في الأرقام والمؤشرات، تفقد قدرتها على تفسير الواقع، وتتعطل عن أداء دورها بوصفها مشروعاً نهضوياً متكاملاً. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس فقط بما يتحقق من نمو اقتصادي، بل بما يُبنى من إنسان، وما يُرسَّخ من قيم، وما يُصان من كرامة وعدالة وثقة عامة. وعندما تنفصل التنمية عن بعدها الأخلاقي، تتحول إلى إنجاز مؤقت، قابل للاهتزاز، مهما بدا صلباً في ظاهره. إن الأخلاق ليست عنصراً مكملاً لمسار التنمية، بل شرطها العميق الذي يمنحها الاتساق والاستدامة. فهي التي تضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتوجّه السياسات نحو الصالح العام، وتحوّل القانون من نص إلزامي إلى ممارسة طوعية قائمة على القناعة والمسؤولية. كما أن تحويل القيم إلى سلوك يومي، داخل المؤسسات وفي الفضاء العام، هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع تنموي يدّعي الشمول والعدالة. ومن هنا أقول، أن النهضة الحقيقية لا تُبنى بالقرارات الحكيمة وحدها، ولا تُختصر في الاستراتيجيات محكمة الصياغة، بل تتجذر في تكامل الأخلاق مع الفعل، والقيم مع السياسات، والوعي مع الممارسة. عندها فقط، تصبح التنمية مساراً إنسانياً طويل الأمد، قادراً على الصمود أمام الأزمات، وعلى إعادة إنتاج ذاته بثقة واتزان.
وسلام عليكِ يا إمارات الخير أينما كنتِ، لأنك فكرة أوسع من حدود الجغرافيا، فأنت تتخطين حدود الزمان والمكان.
