كاتب وأستاذ جامعي موريتاني، له كتب ودراسات عديدة منشورة في ميادين الفلسفة المعاصرة وإشكالات التحول الديمقراطي.
عندما احتل صدام حسين الكويت عام 1990، وقف بعض المثقفين العرب مع المعتدي، في حرب حولوها زوراً إلى مواجهة كبرى مع الهيمنة الغربية والأطماع الأجنبية إلى حد أني سمعت أحد أهم المفكرين العرب يربط وقتها ما حدث بأنه أشبه بتضحية من أجل المصلحة القومية العليا!
وهكذا تم تقنيع المشكل الحقيقي الذي هو عدوان ظالم على دولة مستقلة ذات سيادة، كان دورها ريادياً في احتضان النهضة الثقافية العربية الحديثة ودعم الجهود التنموية للدول العربية الأخرى.بعد نهاية الحرب، عادت الدول الخليجية إلى دورها التقليدي، وتحملت العبء الأكبر في مسؤوليات النظام الإقليمي، خصوصاً بعد الهزات العنيفة التي عرفها هذا النظام بعد ما سمي بحركية «الربيع العربي».
ولا شك أن دولة الإمارات تحملت الجانب الأساسي من هذا العبء، فأصبحت عاصمة دائمة للثقافة العربية بمؤسساتها الرائدة ومبادراتها المتميزة، وغدت القلب النابض للمنظومة الإقليمية والدعامة المكينة للقوى الفاعلة في المنطقة. واليوم إذ تعرف دول الخليج العربية اعتداءات إيرانية آثمة متواصلة، تحملت الإمارات الجزء الأكبر منها، يتكرر المشهد ذاته، فيقف جانب من المثقفين العرب في الموقع الخطأ، منحازاً للقوة المعتدية بذريعة الهجوم الأميركي- الإسرائيلي الذي حاولت حكومات الإقليم منعه وحرصت على عدم الدخول فيه.
لا أتحدث هنا عن حركات الإسلام المؤدلج والمجموعات المتطرفة، فعلاقتها معروفة بالمعتدي، فكرياً وسياسياً، وإنما أوجه حديثي لمن يرفعون الشعار القومي العروبي ولا يترددون في الانحياز للعدوان، ولم يراجعوا موقفهم التقليدي المناوئ لدول الخليج العربية. في عدة بلدان عربية، خرجت علينا بعض الوجوه السياسية القومية واليسارية المعروفة متعاطفة مع إيران، صادرة عن المنطق المختل المعروف، المتمثل في التمييز بين التناقض الرئيسي (مع التدخل الغربي) والتناقض الثانوي (ما بين إيران وجوارها العربي).
إن هذه المقاربة تتناسى حقائق ثلاثاً أساسية هي: – أن النظام الإقليمي العربي بمفهومه للأمن القومي كلٌ لا يتجزأ، ولا شك أن المجموعة الخليجية هي اليوم قلب هذا النظام، ومن يتعرض لها يستهدف القلعة الحصينة والمستقرة للوجود الاستراتيجي العربي. – أن الخلايا والمليشيات الإيرانية شكلت في العقدين الأخيرين خطراً رئيساً على استقرار وتماسك الدول العربية، بدءاً من لبنان الذي سيطر عليه عسكرياً تنظيم «حزب الله» إلى دول المشرق العربي الأخرى، انتهاء باليمن، بالإضافة إلى الدور الإيراني السلبي في السودان. – أن إيران، رغم الشعارات الثورية المرفوعة، لم تحقق أي مكاسب للقضية الفلسطينية، في الوقت الذي عملت الدول الخليجية- وفي مقدمتها الامارات- على الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في المنتديات الدولية، كما قدمت للفلسطينيين في أوقات المحنة مختلف أوجه الدعم الاقتصادي والاجتماعي. حدثني المرحوم هاني الحسن القيادي الفلسطيني، الذي كان أول سفير لـ«منظمة التحرير» في طهران بعد سقوط الشاه، أن أحد كبار المسؤولين الإيرانيين صارحه بالقول: «من الوهم أن يعتقد العرب أن المشروع القومي الإيراني تغير مع الثورة الإسلامية، وهذا المشروع هدفه واضح هو السيطرة على الشرق الأوسط وليس تحرير فلسطين».
لقد دفع هذا التصريح هاني الحسن إلى الانفتاح على شخصيات إيرانية معارضة للنظام الإيراني، مثل الرئيس الأول لإيران أبو الحسن بني صدر وحزب «مجاهدي خلق» اليساري، بحثاً عن أطراف حليفة بعد أن أدرك طبيعة الموقف الحقيقي في طهران. خلاصة الأمر هنا هي أن الموقف العدواني الإيراني الحالي ليس مجرد خطوة تكتيكية في الحرب الدائرة، بل يندرج في صلب الرؤية الاستراتيجية الإيرانية للمنطقة العربية وقلبها الخليجي الراهن. ما يغيظ المعتدي هو أن دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، استطاعت كسب معركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبنت نموذجاً حداثياً ناجعاً مفتوحاً على العالم، وحققت التلاحم الضروري بين القيادة الحاكمة والقاعدة الشعبية العريضة.
إن هذه المكاسب هي التي يجب أن يحتفي بها المثقف العربي، ويعتز بها من حيث هي نقطة ضوء ساطعة في سياق متهدم، بدل الانحياز للعدوان أو الحياد الصامت تجاه حدث محوري حاسم له أثره المكين على الوضع الإقليمي برمته. في أبوظبي، سمعنا خطاب الطمأنينة، ووثقنا بأن البلد سيخرج من الوضع الحالي قوياً متألقاً ومؤهلاً لقيادة المنطقة إلى مزيد من النجاح والظفر. ومن المثلج للصدر أن استراتيجية الإمارات الدفاعية كانت ناجعة وفاعلة، ونجحت في حماية المواطنين والمقيمين والزوار دون خلل أو خطل. وعلى المثقف العربي أن يلتقط هذه الرسالة ويقدرها التقدير الصحيح.
المصدر: الاتحاد
