ايران تنتحر

آراء

خاص لـ هات بوست:

     تمرّ إيران اليوم بمرحلة يمكن وصفها بمرحلة الاحتضار الاستراتيجي، بعد الهجوم الإسرائيلي الأمريكي عليها وعملية قتل الخامنئي بالإضافة لأبرز القيادات الإيرانية. حيث لم يعد سلوكها الإقليمي يعكس قدرة على المناورة بقدر ما يكشف حالة من الاندفاع غير المحسوب نحو حافة الانهيار. فالعدوان الذي استهدف دولة الإمارات ودول الخليج العربي مؤخراً لا يمكن قراءته بوصفه تصعيداً عسكرياً محدوداً، بل باعتباره مؤشراً واضحاً على أزمة عميقة يعيشها المشروع الإيراني الذي قام منذ أربعة عقود على فكرة تصدير الثورة وبناء النفوذ عبر الوكلاء.

     اليوم، ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية، واتساع الفجوة بين النظام والمجتمع داخل إيران، وتراجع فعالية أدواتها الإقليمية، اختارت طهران أن تلجأ إلى استراتيجية الهروب إلى الأمام، عبر استهداف بيئة الاستقرار في الخليج ومحاولة زعزعة أمن الطاقة العالمي.

     تعتمد المقاربة الإيرانية الراهنة على منطق سياسة حافة الهاوية؛ أي رفع مستوى التوتر إلى أقصى حد ممكن على أمل إجبار القوى الدولية والإقليمية على تقديم تنازلات سياسية أو تخفيف الضغوط. غير أن هذه المقاربة تكشف في حقيقتها عن اختلال عميق في الحسابات الاستراتيجية. فاستهداف المنشآت المدنية والاقتصادية في الخليج لم يؤدِّ إلى تغيير موازين القوى، بل كشف حجم العزلة التي بات النظام الإيراني يعيشها على الساحة الدولية.

     لقد أظهرت منظومات الدفاع الجوي الخليجية مستوى عالياً من الجاهزية والقدرة على تحييد التهديدات، بينما تزايدت الإدانات الدولية التي تنظر إلى هذه الهجمات بوصفها تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الطاقة. وهكذا وجدت طهران نفسها لا تعزز موقعها التفاوضي، بل تعمّق صورتها كفاعل مقلق للنظام الدولي.

     يمثل هذا التصعيد نقطة تحول نوعية في معادلة الأمن الإقليمي في الخليج، إذ لم تعد الاستراتيجية الخليجية قائمة على الاكتفاء بسياسة الصبر الاستراتيجي أو إدارة التوتر عبر الاحتواء المؤقت، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر نضجاً تقوم على الحزم الاستراتيجي وبناء منظومات ردع متعددة الأبعاد. هذا التحول لا يعكس مجرد رد فعل على تهديدات آنية، بل يعبر عن إعادة صياغة عميقة لمفهوم الأمن الخليجي، بحيث لم يعد مقتصراً على حماية الحدود الجغرافية، بل بات يشمل حماية الاستقرار الاقتصادي وسلاسل الطاقة والبنية التحتية الحيوية التي ترتبط بها الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، عملت دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات، على تطوير مقاربة شاملة للأمن تقوم على تكامل القدرات الدفاعية المتقدمة، وتعزيز الشراكات والتحالفات الدولية، وتحصين الاقتصاد الوطني ضد الصدمات الجيوسياسية، إلى جانب تقويض أدوات النفوذ غير النظامية التي تعتمد عليها طهران في المنطقة عبر أدوات سياسية وقانونية ومالية. وبهذا المعنى، لم يعد أمن الخليج ملفاً إقليمياً محدوداً، بل تحول إلى ركيزة أساسية في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي، الأمر الذي يفسر حساسية المجتمع الدولي تجاه أي تهديد يستهدف استقرار هذه المنطقة الحيوية.

     ما يجري اليوم لا يعكس صراع نفوذ تقليدياً بقدر ما يكشف عن مأزق بنيوي في المشروع الإيراني ذاته. فالنظام الذي بنى حضوره الخارجي عبر شبكات الميليشيات والفاعلين غير الدولتيين يجد نفسه أمام بيئة إقليمية ودولية تتجه تدريجياً نحو إعادة الاعتبار لمنطق الدولة ومؤسساتها الشرعية.

     إن استهداف دول الخليج لا يعزز موقع إيران، بل يسرّع عملية تآكل شرعيتها الدولية ويكشف حدود قدرتها على الاستمرار في إدارة شبكة نفوذ مترامية في ظل أزمات داخلية متراكمة. وفي المقابل، تخرج دول الخليج من هذه المرحلة أكثر إدراكاً لطبيعة التحديات وأكثر قدرة على صياغة منظومة أمنية تقوم على الاستقرار والتنمية والتكامل الدولي.

     اختارت إيران، بدلاً من إعادة تقييم سياساتها الإقليمية، أن تدخل في مسار تصعيدي يحمل في طياته مخاطر كبيرة عليها قبل غيرها. فالتاريخ يثبت أن الأنظمة التي تتعامل مع الجغرافيا بمنطق الصراع الدائم تنتهي غالباً إلى الاصطدام بحدودها الاستراتيجية.

     وفي لحظة التحول التي تعيشها المنطقة اليوم، يتقدم نموذج الدولة المستقرة القادرة على بناء الاقتصاد والتحالفات، بينما يتراجع منطق الفوضى والميليشيا. وبين هذين المسارين، يبدو أن إيران اختارت طريقاً لا يقود إلا إلى مزيد من العزلة والتآكل الداخلي، في وقت تتجه فيه دول الخليج إلى ترسيخ موقعها كركيزة للاستقرار الإقليمي والنظام الاقتصادي العالمي.