بالحكمة.. لا بإغراءات القوة

آراء

في اللحظات المفصلية من تاريخ الأزمات، لا تبحث الدول الواثقة عن التصفيق، بل عن القرار الصحيح.. وهنا تتجلى قيمة القرار الإماراتي حيال التطورات الأخيرة جنوب اليمن.

إنه قرارٌ كتب بلغة السيادة، وبمداد الحكمة، ويحفظه الإماراتيون في ذاكرة الإنجاز الوطني، وينظر إليه العالم باعتباره أحد ملامح حكمتنا وواقعيتنا.

إنه قرار يُجسِّد خلاصة مسارنا الناضج، ويعكس نهجنا الثابت، الذي اتخذ من اختيار التوقيت وحسن التقدير عنواناً للقوة، لا موضعاً للتبرير.

قرار يستمدّ وزنه من سجلّ مشهود، لا من ردودٍ عابرة، ويُقرأ بوصفه امتداداً طبيعياً لحضورٍ أدّى واجبه كاملاً، ثم أنهى دوره بثباتٍ واتزان.

فبعد سنوات طوال، جاء سحب القوات الإماراتية القليلة المتبقية في اليمن، استجابة لطلب رسمي، وفي توقيت دقيق، وبعد حضور مشرف.. حضور لم يكن عابراً ولا هامشياً، بل فاعلاً وحاسماً ومسؤولاً، تحمّل الكلفة، وأدّى الواجب كاملاً.

حضورٌ ترك أثره، ثم أنهى دوره بثقة نابعة من عقيدة دولة تعرف إلى أين تذهب، ومتى تتقدّم، ومتى تقف.. كل ذلك دون ضجيج أو تردد.

إن ما تحقّق خلال سنوات الحضور الإماراتي في اليمن مآثرُ وطنٍ لا تُطوى صفحاته بالعواصف، ولا تُمحى سطوره بحملاتٍ عابرة، لأنه كُتب بصدق الفعل لا بزخرف القول، ورُسِّخ بالإنجازات لا بضجيج الشعارات.

رصيدٌ ثابت الأركان ترسَّخ بالتضحية حين اشتدّ الامتحان، وبالحكمة والمسؤولية حين اتسعت البدائل، فبقي شاهداً على حضورٍ أدّى الأمانة كاملة، ومضى وقد ترك في الوقائع أثراً لا يبلغه افتراء، ولا تطاله يد التشويه.

فالإمارات ليست دولة انفعالات، ولا تُدير سياستها تحت ضغط اللحظة أو صخب الحملات.. إنها دولة تقرأ المشهد كاملاً، لا جزئياً، وتُقدِّم مصلحة الاستقرار على إغراء القوة، وتختار الحكمة حين يختار غيرها التصعيد.

وحين تصاعدت الأحداث على الساحة الجنوبية من مواجهات دامية وقصف جوي بين أطراف كانت حتى وقت قريب في خندق واحد، ظل الموقف الإماراتي ثابتاً في جوهره.

ومن هنا، واصلنا الدعوة إلى خفض التصعيد، وإلى معالجة الخلافات عبر الحوار بين الحلفاء ورفاق السلاح، إدراكاً بأن السلاح لا يحسم خلافات الرؤى، بل يُعمِّقها، وإيماناً بأن ما جرى لا يعكس فقط خسائر في الأرواح والبنية التحتية، بل يكشف أيضاً تجاهلاً مؤلماً لتاريخ طويل من النضال المشترك في مواجهة عدو واحد.

القرار الإماراتي بتفادي أي مواجهة، هو تعبير صريح عن قوة سياسية هادئة، تدرك أن الانخراط في صراع داخلي بين شركاء الأمس لا يصنع نصراً، بل يؤسس لفوضى ممتدة.

إن ما يميز هذا الموقف ليس فقط مضمونه، بل الثقة التي صدر بها.. ثقة دولة تعرف وزنها، ولا تحتاج إلى إثباته بالصدام.. ثقة دولة تدرك أن قوتها الحقيقية في قدرتها على الخروج المدروس، تماماً كقدرتها على الحضور الفاعل.

ومن هنا، فإن محاولات تحميل الإمارات إخفاقات الآخرين، أو تعليق الغضب السياسي على قرارها السيادي، لا تعدو كونها محاولات مكشوفة للهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة اليمنية، شمالاً وجنوباً.

ولا يمكن عزل قرار بلادنا عن السياق الإقليمي الأشمل، ولا عن المسار الذي اختارته الإمارات لنفسها.. مسار الاستقرار، والتنمية، وبناء الدولة الحديثة.. فكلما نجح هذا النموذج، ازدادت محاولات استهدافه، وتشويه مواقفه، وربطها بسرديات لا تصمد أمام الوقائع.

لكن الإمارات، في كل محطة، تُثبت أنها لا تُدار بردّ الفعل، ولا تُربكها الحملات، لأنها تعمل وفق رؤية طويلة النفس، ترى الأمن الإقليمي كمنظومة مترابطة، لا كساحات تصفية حسابات.

كما أن قرارنا تجاه الأحداث في اليمن يضاف إلى سجل طويل من قراراتنا التي تُشبهنا، والتي جاءت واثقة، وهادئة، ومسؤولة.. فبلادنا لا تبحث عن النفوذ، بل عن الاستقرار، ولا تُقايض الحكمة بالقوة، بل تتعامل بأعلى درجات الحكمة.

وفي زمن يخلط فيه كثيرون بين الصخب والقرار، يظل هذا النوع من الخيارات هو ما يصنع الفارق، ويمنح الدول مكانتها الحقيقية.. بهدوء.

المصدر: الاتحاد