خاص لـ هات بوست:
من كان يصدّق هذه الخاتمة لتحالفٍ كنا نتغنّى بقوّته وصلابة عوده، وبتماسكه وصموده أمام محاولات التفكيك وبث الفرقة؟!
لكن .. حدث ما حدث!
ولست هنا في معرض التحليل أو الدفاع، فثمّة من هم خيرٌ وأجدر بذلك على المستوى الرسمي، لكنني أنظر لتبعات ما يحدث في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، ويزداد يقيني بأننا شعوبٌ عاطفية تفتقد الحكمة والرويّة أشدّ ما يكون الافتقاد! وأن هذه المنصات بيئةٌ خصبة لكل نافخٍ كير، ومرتعٌ لكل مزوّرٍ للحقائق، وحاشدٍ للغوغاء!
انقلبت المواقف فجأة؛ فأُشهِرت سيوف الألسن، وانطلق رصاص الكلمات، وأصبح شعار المرحلة هو: العداء والتخوين!
وبات أغلب روّاد مواقع التواصل الاجتماعي يتفننون في رصد المستجدات وتحليل الوقائع وتوزيع الاتهامات على وجه الجزم، وكأنهم يجلسون في غرفة العمليات! يستوي في هذا أصحاب الهوية الوهمية والهوية الحقيقية!
حتى بعض العقلاء انحرفت بوصلتهم، ووقعوا في فخ هذا الهياج!
ووسط كل هذه الفوضى تضيع الحقائق؛ فلا أحد يبحث، ولا أحد يتثبّت، والغالبية يتشبثون بالرواية التي تخدم سرديتهم وتدغدغ عواطفهم وتريح ضمائرهم! إن ما يحدث ليس إلا دليلًا على أن الإنسان لا يبحث عن الحقيقة، بل على ما يدعم اعتقاده بأنه على حق.
وبموازاة ضياع الحقائق ضاعت الأخلاق، وأطلَّ سوء الخُلق وفُحش القول واختلاق الأكاذيب بأقبح صوره!
حتى المسلّمات التاريخية المثبَتَة لم تسلم من العبث، في تزييفٍ ممنهجٍ للوعي، وفي جرأةٍ عجيبة للاستيلاء على الجهود الصادقة والمشاريع الناجحة التي ننظر لها بعين الاعتزاز، وينظر لها العالم بعين التقدير.
وتأبى بعض المنصات الإعلامية الرسمية إلا أن تنزلق في هذا المُنزَلَق، دون اعتبارٍ، لن أقول للحياد، بل لأبجديات الحرفية المهنية والأمانة الأخلاقية! وكأنها ارتضت أن تكون إحدى أدوات الإثارة والتجييش!
وفي غمرة كل هذه الضوضاء، يحاول الصوت الأمين والقلم الموضوعي أن يجدا لهما مكانًا، وأن يصمدا أمام الردود العدائية التي تصادر المواقف وتشكِّك في النوايا والمقاصد، وتلاحق الجميع بسياط إثبات الولاء والاصطفاف، حيث يصبح الصمت – حذرَ الانحدار والإشعال – تهمة، والتأنّي – اتّقاءَ الإساءة والظلم – خيانة، واللغة الهادئة – رجاءَ الحل والإصلاح – انبطاحًا!
أما نحن فلم يعد لنا إلا أن نتمنى ألا تضيع أصوات العقلاء في زحام هذا الجنون!
وآخِر القول:
العداوات ليست شرًّا بالضرورة، إن كانت ثمن التزامنا بقيمنا ومبادئنا.
