حرب خارج التوقعات .. حين فاجأ الجميع الجميع

آراء

   خاص لـ هات بوست:

      خلال أسبوعين من هذه الحرب بدا وكأن الجميع فاجأ الجميع. فالتوقعات التي بُنيت في الأيام الأولى لم تصمد طويلا أمام واقع أكثر تعقيدا وتشابكا مما ظنه كثيرون.

     هذه الحرب كانت وشيكة ومتوقعة.. لكنها فاجأت الجميع بسرعة وتيرة تصعيد أحداثها.. ونتائجها.. فالرقعة هذه المرة كانت أكبر وشملت أطرافا أكثر.

     ضربة مفاجئة من واشنطن لطهران تلاها استهداف إيراني مباشر لدول الخليج.. باستهداف هو الأول من نوعه وصادم، خاصة في ظل علاقات جيدة وودية بين الطرفين.. كما جاءت في وقت لعبت فيه دول الخليج دورا مهما سابقا ومؤخرا ..إذ سعت طويلا لتجنيب طهران أي ضربات أميركية أو إسرائيلية، وحاولت احتواء الموقف قبل أن يصل إلى حد الانفجار.

     في المقابل، فاجأت دول الخليج بدورها كثيرين، وربما إيران أولهم، بقدرتها على التعامل مع الأزمة بدرجة عالية من الجاهزية الأمنية والعسكرية واللوجستية، فضلا عن قدرتها على الحفاظ على سير الحياة اليومية بدرجة من السلاسة، رغم حجم التصعيد وخطورته.

     بدا وكأن دول الخليج كانت تضع في حساباتها احتمال وقوع سيناريو كهذا، حتى وإن لم يكن أحد يتوقع أن يصل التصعيد إلى هذا المستوى بهذه السرعة منذ اليوم الأول. فالأزمات الكبرى في المنطقة غالبا ما كانت تُدار ببطء نسبي، بينما انفجرت هذه الجولة من الصراع بوتيرة متسارعة أربكت الحسابات لدى معظم الأطراف.

     غير أن مهاجمة إيران لبعض دول الخليج القريبة من حدودها عقدت المشهد أكثر. فطهران تقول إنها تستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة، لكن طبيعة بعض الضربات وكثافتها أوحت أحيانا بأن الرسالة تتجاوز مجرد الضغط على واشنطن. وربما كان الهدف الأوسع هو ممارسة ضغط مركب على الولايات المتحدة، وعلى اقتصاد المنطقة، وعلى دولها نفسها في محاولة لدفعها إلى الضغط على واشنطن وتل أبيب لإنهاء الحرب.

     ومع ذلك، تبدو دول الخليج حتى الآن قادرة على امتصاص جزء مهم من الصدمة. فالحياة ما زالت تسير بشكل طبيعي، والمؤشرات توحي بقدرة على احتواء جزء من التداعيات وتعويض بعض الخسائر.

     أما إيران، التي راهنت الولايات المتحدة وإسرائيل على انهيارها السريع تحت الضربات، خيّبت توقعاتهما بعدم سقوطها أو تفكك بنيتها السياسية والعسكرية حتى الآن. والمفاجأة أن بعد أسبوعين من الحرب ما زال النظام قائما.

     أما واشنطن فقد فاجأت كثيرين بحالة من التوتر والتخبط في التصريحات. فبينما صدرت أحيانا رسائل توحي بأن الحرب وصلت إلى نهايتها، ظهرت في أحيان أخرى مواقف تدفع نحو استمرارها. وتشير تقارير عديدة إلى وجود انقسام داخل الدائرة القريبة من دونالد ترامب، بين من يرى أن الوقت مناسب لإعلان النصر وإنهاء المواجهة، وبين من يدفع باتجاه تصعيد أكبر قد يقود إلى حرب أوسع.

     هذه الازدواجية في الموقف الأمريكي تركت أثرا واضحا في صورة واشنطن الدولية. فالولايات المتحدة التي لطالما قدمت نفسها بوصفها القوة العالمية القادرة على حسم الصراعات، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيدا. فعدم سقوط إيران يعيد طرح أسئلة كثيرة حول موازين القوة في النظام الدولي.. هل سيتعامل العالم بعد اليوم مع واشنطن كقوة قاهرة؟ أم أن النظام العالمي الذي حاولت واشنطن رسمه بريشتها ربما اهتز .. بسبب خطوة غير مدروسة منها بإشعال الحرب في الشرق الأوسط التي ارتدت سلبا عليها وعلى إدارة ترامب؟

     أما إسرائيل، التي بالغت خلال العامين الماضيين في إبراز قدراتها العسكرية بعد سلسلة من الحروب والمواجهات، والتي كانت متطرفة بانتقامها من الجميع .. فقد بدت في هذه الجولة وكأنها تبحث عن صورة انتصار بين ركام توقعات لم تتحقق بالكامل. فتح الجبهات المتعددة لم يقد بالضرورة إلى حسم سريع، بل إلى مشهد أكثر تعقيدا واستنزافا. ففي خضم الحرب مع إيران، لماذا يقوم الجيش الإسرائيلي بمهمة إنزال في بلدة لبنانية للبحث عن رفات إسرائيلي عاف الدهر على جثته؟

     لأن بنيامين نتنياهو يبحث عن صورة انتصار أضاعها في هذه الجولة. نتنياهو الذي تنازل في آخر خطاب له عن هدف الحرب بإسقاط النظام، بعدما بدا واضحا أن إيران ببنية نظامها أكثر تعقيدا بكثير من فكرة انهيارها السريع. فالنظام الإيراني لا يقوم على شخص واحد، بل على شبكة مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية متداخلة، وعلى بنية فكرية وتنظيمية متشابكة. ولهذا بدت فرضية إسقاطه عبر ضربات عسكرية محدودة أقرب إلى التبسيط المفرط للواقع الإيراني.

     لكن المفاجأة الأبرز ربما كانت في موقف الشارع الإيراني. فقد راهن البعض على خروج احتجاجات واسعة ضد النظام تحت ضغط الحرب، غير أن ذلك لم يحدث. ويعود ذلك جزئيا إلى القبضة الأمنية المشددة داخل البلاد، لكن هناك عاملا آخر لا يقل أهمية برأيي

     .. فمن غير المنطقي أن تتعرض دولة لقصف خارجي مستمر، ثم يُتوقع من سكانها أن يخرجوا في تلك اللحظة تحديدا للتظاهر ضد نظامهم، بينما الصواريخ لا تفرق بين مؤيد ومعارض.

     بعد أسبوعين من المواجهة، يبدو أن الحرب دخلت مرحلة كسر العظم. فالمعركة لم تعد فقط عسكرية، بل تحولت أيضا إلى استنزاف اقتصادي وإعلامي ونفسي، وكل طرف يحاول الصمود أطول وقت ممكن بانتظار اللحظة التي يقرر فيها الطرف الآخر أنه اكتفى.

     كل الأطراف تعلم أن مثل هذه الجولة مهمة في تحديد تموضعها على الخريطة الإقليمية والدولية. لذلك تمارس الأطراف الثلاثة قدرا كبيرا من التعتيم الإعلامي. فكل طرف يحاول فرض روايته الخاصة وإظهار نفسه في موقع الصمود أو التفوق، بينما تبقى الصورة الحقيقية لما يجري ميدانيا ضبابية إلى حد كبير.

     وفي الخلفية، لا يمكن تجاهل دور القوى الكبرى الأخرى. فالصين وروسيا، بوصفهما قوتين دوليتين بارزتين، ليس من مصلحتهما بالضرورة سقوط إيران أو خسارتها بالكامل. ولذلك تبقى احتمالات الدعم غير المباشر، السياسي أو الاقتصادي، أو ربما العسكري لطهران واردة ولو بشكل غير معلن. فوجود إيران كان دائما يمثل عامل إزعاج استراتيجي للولايات المتحدة، وهو أمر لا يبدو بعيدا عن حسابات موسكو وبكين.

     كما أن تداعيات الحرب على أسواق الطاقة تفتح بدورها حسابات جديدة. فارتفاع أسعار النفط والغاز، أو حتى التهديد بإغلاق مضيق هرمز، يمكن أن يخلق فرصا اقتصادية لبعض الأطراف الدولية، وفي مقدمتها روسيا في سياق تنافسها الاقتصادي مع أوروبا. لذا هل كانت هذه الحرب في مصلحة الحلف الأميركي الأوروبي؟

     في المحصلة، تبدو هذه الحرب أقرب إلى جولة جديدة في صراع طويل أكثر من كونها نهاية له. فالعلاقات في المنطقة تعرضت لضرر كبير، خاصة بين إيران ودول الخليج، وهي علاقات كانت خلال السنوات الأخيرة تحاول استعادة قدر من التوازن.

     وربما يكون التحدي الأكبر في المرحلة القادمة هو محاولة ترميم هذا التوازن الهش، والحفاظ على ما يمكن تسميته بشعرة معاوية التي تمنع المنطقة من الانزلاق إلى صراع مفتوح لا نهاية واضحة له.

     ففي السياسة كثيرا ما ترتفع درجات التوتر ثم تنخفض.. وفي السياسة الخلاف والوفاق وارد جدا دائما.. لكن الخطر الحقيقي يكمن في لحظات الانفلات التي قد تتحول فيها الحروب من جولات محدودة إلى مسارات استنزاف طويلة.

     وفيما يستمر كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في البحث عن صورة انتصار إعلامي لتبرير هذه الحرب ونتائجها أمام شعوبها، يبقى الواقع الأوضح أن أحدا لن يخرج منتصرا بالكامل من حرب كهذه.