حضور الشرعية… وصمت التفاوض: ماذا أراد مجتبى خامنئي من خطابه الأول؟

آراء

خاص لـ هات بوست:

     في اللحظات الانتقالية داخل الأنظمة الثورية، لا تكون البيانات السياسية مجرد مواقف ظرفية، بل تتحول إلى أدوات لإعادة ترتيب معادلات الشرعية والسلطة وتثبيت التوازن بين الرمزية المؤسِّسة ومتطلبات الواقع الأمني والعسكري. وفي هذا الإطار يمكن قراءة البيان الأول لمجتبى خامنئي بوصفه خطاب مرحلة حرب موجَّهًا أساسًا إلى الداخل الإيراني أكثر منه إعلانًا لمسار تسوية أو فتحًا لباب التفاوض في المدى القريب.

     أول ما يلفت الانتباه في هذا البيان ليس فقط مضمونه، بل أيضًا شكله وطريقة تقديمه. فقد جاء عبر قراءة إعلامية من مذيع في التلفزيون الرسمي دون ظهور مباشر لصاحب الرسالة. وهذا الاختيار يعكس معادلة دقيقة بين الحاجة إلى إعلان حضور القيادة الجديدة ومنع أي فراغ رمزي في مركز القرار، وبين الإبقاء على منطق التحفظ الأمني الصارم في ظل ظروف مواجهة مفتوحة. فالظهور عبر وسيط إعلامي يحقق وظيفة سياسية مزدوجة: تأكيد الاستمرارية وإدارة المخاطر في آن واحد، كما يمنح القيادة مساحة لاختبار ردود الفعل الداخلية والخارجية قبل الانتقال إلى حضور شخصي كامل.

     أما من حيث المضمون، فقد بدا الخطاب واضحًا في تركيزه على الاستمرارية العقائدية والسياسية للجمهورية الإسلامية، وعلى رفض أي تدخل خارجي قائم على استخدام القوة. لكنه في الوقت ذاته حمل نبرة تصعيدية عسكرية مباشرة، إذ ركّز على جاهزية المؤسسة العسكرية، وعلى إمكان إدخال أجيال جديدة من الصواريخ إلى الخدمة، وعلى توسيع نطاق العمليات في الجبهات المختلفة. وهذه اللغة تعبّر عن محاولة لإعادة ضبط ميزان الردع ورفع معنويات الداخل، أكثر مما تعبّر عن استعداد لطرح مبادرات سياسية أو شروط تفاوضية.

     وفي هذا السياق برز الحديث عن مضيق هرمز بوصفه ورقة استراتيجية مركزية، حيث تعني الإشارات إلى احتمال تعطيل الملاحة أو استهداف السفن العسكرية المعادية توسيع نطاق الحرب إلى مستوى إقليمي ودولي. وهذا يضع المنطقة أمام سيناريو تصعيدي مفتوح قد يتجاوز حدود المواجهة التقليدية، ويحوّل الضغط العسكري إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات. ومع ذلك، فإن الخطاب — رغم تشدده — لم يسلّم الراية بالكامل للمؤسسة العسكرية أو للحرس الثوري، بل ظل يتحدث بلغة “الدولة” و“الجمهورية”، في محاولة للحفاظ على التوازن بين الطابع العقائدي للنظام وبنيته المؤسساتية.

     ومن زاوية سياسية أوسع، يبرز في هذا البيان الغياب الكامل لأي إشارة إلى التفاوض أو وقف الحرب. فلم يتطرق إلى الحوار أو إلى شروط سياسية يمكن أن تشكّل مدخلًا لمسار دبلوماسي، كما لم يأتِ على ذكر الملف النووي أو المبادرات الدولية المتداولة. وهذا الغياب يعكس تحولًا مرحليًا في أسلوب إدارة الأزمة مقارنة بما عُرف تاريخيًا عن الدبلوماسية الإيرانية التي كانت تحرص، حتى في ذروة التصعيد، على إبقاء نافذة تفاوض مفتوحة. أما الآن، فيبدو أن الرسالة المقصودة هي أن الأولوية المطلقة هي لإدارة المعركة وترتيب ميزان القوة قبل أي حديث سياسي.

     ويعزز هذه القراءة ما يُتداول عن إرسال رسائل غير مباشرة إلى طهران دون رد واضح حتى الآن، ما قد يشير إلى أن القيادة الجديدة تسعى أولًا إلى تثبيت موقعها داخليًا وإظهار الحزم أمام القوى المسلحة والشارع الذي يعيش تحت ضغط الحرب. فالقيادة الناشئة في مثل هذه الظروف تحتاج إلى خطاب تعبئة يمنحها شرعية الصمود، ويطمئن مراكز القرار بأن الدولة ما تزال متماسكة وقادرة على المبادرة.

     ومع ذلك، فإن هذا التصعيد الخطابي لا يعني بالضرورة غياب التفكير في المسار التفاوضي على المدى المتوسط. فالتجربة الإيرانية عبر العقود الماضية تُظهر أن التصعيد العسكري كثيرًا ما استُخدم كوسيلة لتحسين شروط التفاوض لاحقًا، وليس كبديل دائم عن الدبلوماسية. ومن هنا يمكن فهم البيان الأول بوصفه خطاب تثبيت وتعبئة لمرحلة الحرب، بينما قد يأتي خطاب ثانٍ — بعد اتضاح موازين القوى وتثبيت موقع القيادة الجديدة — يتضمن ملامح خارطة تفاوض أو شروطًا لوقف العمليات العسكرية.

     كما أن تأجيل الحديث عن الحلول السياسية قد يكون جزءًا من استراتيجية تفاوض غير معلنة تقوم على تحقيق مكاسب ميدانية أو بناء معادلة ردع جديدة قبل الانتقال إلى الطاولة. فالدولة التي تشعر بأنها في موقع دفاعي تميل إلى التشدد في الخطاب، بينما تبدأ لغة التهدئة عندما يتكوّن إدراك متبادل لكلفة استمرار المواجهة.

     في المحصلة، يمكن القول إن البيان الأول لمجتبى خامنئي هو بيان تصعيدي بامتياز موجّه إلى الداخل لتثبيت الشرعية وبناء صورة القيادة في زمن الحرب، دون أن يغلق الباب نهائيًا أمام انتقال لاحق إلى خطاب أكثر براغماتية قد يشمل التفاوض أو البحث عن مخرج سياسي. وبين خطاب التعبئة اليوم واحتمالات التسوية غدًا تتحدد طبيعة المرحلة المقبلة، وفق ما ستفرضه تطورات الميدان وحسابات التوازن بين التصعيد والاستقرار.