خاص لـ هات بوست:
جاءتني ابنتي منذ بضع سنوات تحمل رغبتها في عمل حسابٍ على أحد مواقع التواصل..
سألتها: ماذا ستنشرين؟
قالت: عادي، أي شي.
قلت: لا ما عليه، حددي هدف ومادة تفيد الناس، ثم نتناقش.
كان هذا رأيي دائمًا فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي؛ فليس الهدف مجرد إنشاء حساب، وإنما ماذا سننشر عبر هذا الحساب.
وهذا يقودني لرصد ظاهرة أستطيع تسميتها بـ (حُمّى الظهور)، والحقيقة أن هذه الحُمّى التي أصابت الكثيرين هي التي أنتجت كل الـ (أي شيء) الذي يطغى على الفضاء الرقمي.
وإلا ما الذي يدفع صبيًا في العاشرة إلى أن ينشئ حسابًا جلُّ محتواه وهو يتهيّأ للخروج، فيرافقه متابعوه وهو يلبس ثوبه ويتعطّر ويتعصّم ثم يخرج؟! وما الذي يدفع أحدهم، بعد أن كان يرافق زوجته في مقاطعها على تيك توك، أن يقرر(الاعتماد على نفسه ويبنى ذاته بذاته) فينشئ صفحةً مستقلةً باسمه؟! وما الذي يدفع إحداهن لفتح بث حيّ تتجادل فيه مع هذا وتصرخ على ذاك؟!
ويبقى السؤال الأهم؛ ما الذي يدفع هؤلاء لهذا الهوس لدرجة أن يكون أقصى طموح بعضهم ومبلغ إنجازهم هو إنشاء صفحة أو حساب على وسائل التواصل؟!
وما الذي يجعلهم يعتقدون أن يومياتهم البسيطة، وربما التافهة، هي شيء مهم يستحق النشر؟!
وما نوع المتلقّي الذي يتابع بولع كل هذا الهراء لدرجة أن يعتبرك – أنت الذي لا تعرف ما الذي حصل لفلانة وما الذي قاله فلان من أصحاب تلك الحسابات – جاهلًا وغير مواكب لضرورات العصر؟!
ليس الفراغ، ولا تراجع الوعي فقط، بل حالة من الخواء النفسي وانعدام الإحساس بالقيمة الذاتية هي – في رأيي – التي تدفع لكل هذا الهوس، باعتباره تعويضًا لافتقاد الشعور بالقيمة الحقيقية، هذا الهوس الذي يتعاظم مع الوقت حتى يحوّل صاحبه لكائن نَهِم يقدم الغثَّ والهزيل والسطحي، ولا همَّ له سوى حصد المزيد من المتابَعات والإعجابات والتفاعلات حتى يشعر بالرضا عن نفسه.
هذا النَّهَم لن يلتفت للفكرة الهادفة، ولن يهتم بتقديم المحتوى الرصين، والأسوأ أنه يقدم صورةً هزيلة عن أفراد المجتمع، ويدفع بنماذج هشّة لساحة الاقتداء.
ولعل قضية التيكتوكرز التي أُثيرت في مصر منذ بضعة شهور تخبرنا الكثير عن جانب من جوانب هذا العالم الرقمي، وبعض النماذج التي يزخر بها، وشيئًا من أهدافهم؛ فلا شك عندي أن الخطوة الأولى في هذا المنزلق كانت إغراء الظهور والانتشار مع قلة الوعي أو حتى تجاهل ضرورة تقديم قيمة حقيقية نافعة، أو لا تضر على أقل تقدير.
والأسوأ أن هذه الحمّى لم تعد تقتصر على تقديم محتوى هابط وفارغ من كل قيمة، بل إنها قادت إلى ظهورٍ متحلّل من أي معنى قيَمي وإنساني، أتى على أبسط معاني الرحمة والرفق واحترام كينونة الإنسان، حتى وصلت بالبعض إلى استغلال الرضّع والأطفال والمرضى وجثث الموتى! وهذه الحالات وإن طالتها يد القانون والتجريم، إلا أنها تظل شاهدةً على مدى تردّي البعض ولهاثه المحموم في سبيل الظهور العلني مهما كان الثمن!
أما أخطر مظاهر هذا الهوس، فهو هوس التحليل السياسي الذي ينتهجه الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي مع كل حدثٍ جلل؛ فالكل يصبح خبيرًا، والكل يغدو عارفًا ببواطن الأمور وخفاياها، والكل لديه استراتيجية وحل، والأخطر أن الكل يوجّه اتهامات! قضايا عظيمة لا يمكن أن تُدار إلا من خلال القيادات والمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، تصبح مادةً سهلة التداول والكل يفتي فيها، والنتيجة فوضى شعبوية وإيغار صدور الشعوب بعضها على بعض، وفتح الباب على مصراعيه للمترصدين بأوطاننا!
علاج هذا الخلل يستوجب وقفةً صادقةً مع النفس – على الصعيد الفردي – لمعالجة هذا الخلل السلوكي، ولكن على مستوىً أشمل فإن ذلك يتطلب وعيًا مجتمعيّا للتنببه على خطورة هذا السلوك وتأثيره السيء في الوعي العام، وأن يتمتع الأفراد بالنضج الكافي للتفريق بين الغثّ والسمين، حتى لا تضيع الحسابات النافعة في خضم الحسابات الهزيلة، كما يتطلب وعيًا وحزمًا أسريًا؛ ربما لم يعد من السهل منع الأجهزة الإلكترونية عنّا وعن أبنائنا، لكن ليس أقل من إعادة ضبط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ صحي وبنّاء، وإيقاف نزعة حب الظهور – أيًا كان شكل هذا الظهور – عند حدود ما يفيد ولا يضر، وما يبني ولا يهدم.
وآخِر القول:
الصمت .. الفضيلة الغائبة.
