كاتب إماراتي
خاص لـ هات بوست :
ثمة احتمال غير مريح ينبغي الاعتراف به، ربما ليست المشكلة في أغانينا الشعبية، بل في منصة انطلاقها.
تخيّلوا لو أن أحد مطربينا الشعبيين لم يولد في منطقتنا، بل خرج إلى الدنيا في أحد أحياء بروكلين، في تلك الحالة، ربما أصبح اسمه اليوم مثالًا يُستشهد به في طبعة جديدة من كتاب “الاستثنائيون (Outliers) حيث يشرح مالكوم جلادويل أن النجاح ليس نتاج عبقرية خالصة، بل حصيلة بيئة مناسبة، وتوقيت صحيح، وفرص تتراكم لمن يولد في المكان والزمان الصحيحين، إضافة إلى قاعدة التدريب لعشرة آلاف ساعة.
ومطربنا الشعبي، بلا شك، استوفى شرط الساعات، بل ربما ضاعفها.
غنّى في الأعراس، والمهرجانات، والمخيمات الشتوية، وكل مناسبة يتوفر فيها ميكروفون وسلك كهرباء، لكنه أنجز ساعاته تحت خيمة عرس، لا في مرآب بكاليفورنيا، وهنا يكمن الفارق، ليس في عدد الساعات، بل في نوع الكاميرا التي وثّقتها، وفي المنصة التي منحتها معنى.
لنأخذ العبارة التي يطلقها في ذروة الطرب، “راعي البوم ما عبرني”
في سياقنا المحلي، تُفهم باعتبارها عتابًا عاطفيًا بسيطًا، لازمة ترددها الصالة بحماس عابر، لكن لو خرجت الجملة نفسها من استوديو في نيويورك، لتحولت فجأة إلى نصّ قابل للتأويل النقدي، سيقال إنها تفكيك لمفهوم الاعتراف في المجتمعات الحديثة، واحتجاج شعري على التهميش العاطفي في زمن الفردانية، وربما أصبحت محور نقاش في أقسام الدراسات الثقافية بوصفها مثالًا على صوت الهامش الذي يطالب بالاعتراف.
هنا يبرز السؤال الحقيقي، ليست المسألة ما إذا كانت الجملة عميقة، بل من يملك حق إعلانها كذلك؟
لو صعد الفنان ذاته، بالإيقاع نفسه والطبلة نفسها، إلى منصة مهرجان كوتشيلا في كاليفورنيا، لتغيّر الوصف فورًا، سيُقال إننا أمام حركة صوتية صحراوية جديدة تعيد تعريف الهوية الموسيقية في زمن العولمة. وستُكتب مقالات تقارن أثره بفرق تاريخية مثل “الخنافس” في قدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى وعي جمعي.
لكن حين يؤدي العمل نفسه في عرس محلي أو خيمة وسط الصحراء، يُختصر في كونه فقرة ترفيهية.
وهنا تتضح المفارقة، المنصة ليست مجرد خشبة عرض، بل ماكينة تمنح الشرعية.
ولو خرجت العبارة ذاتها من منتج أمريكي بارز، لربما قيل إن المشهد الموسيقي يشهد تحولًا نوعيًا بعد إرث كوينسي جونز، ولو أنتجت “نيتفلكس” فيلمًا وثائقيًا عن رحلته، لتحولت “راعي البوم ما عبرني” إلى لحظة درامية تُحلل بوصفها صرخة إنسانية عالمية.
لكن لأن الجملة خرجت من مكبر صوت فيه شيء من التشويش، تُعامل كأغنية عابرة، القيمة لم تتبدل، الذي تبدل هو ختم الاعتماد.
الجرأة تقتضي الاعتراف بأن ثمة مركزًا ثقافيًا عالميًا يوزع الألقاب، من هو العالمي، ومن هو المحلي، ومن يستحق أن يُقرأ بعمق، ومن يُختصر في تعليق سريع، العمل ذاته قد يُوصف بالتجريب الجريء إذا أُنتج في نيويورك، وبالبساطة الزائدة إذا أُنتج في منطقتنا، كأن العبقرية تحتاج إلى تأشيرة دخول كي يُعترف بها.
إذا أخذنا منطق كتاب “الاستثنائيون” على محمل الجد، فسنكتشف أن الفارق بين أسطورة عالمية ومطرب أعراس قد لا يكون في الصوت أو اللحن، بل في شبكة العلاقات، والإعلام، والمنصات التي تملك حق تعريف الجودة.
نفس العبارة، نفس الشجن، نفس الطبلة، لكن إن خرجت من بروكلين فهي بيان عن الاغتراب الإنساني، وإن خرجت من عرس في منطقتنا فهي أغنية شعبية.
ربما لم يخطئ مطربنا في اللحن، ربما أخطأ فقط، في عنوان الميلاد.
ويبقى السؤال الأكثر إزعاجًا:
كم عبقرية أخرى ضاعت لأنها لم تولد في الرمز البريدي الذي يعترف به العالم؟
