خاص لـ هات بوست:
مع اقتراب الرابع من فبراير بعد بضعة أيام، نحتفي بوثيقة الأخوة الإنسانية التي وُلِدَت وانطلقت من بلادنا الإمارات عام 2019، في خطوةٍ تهدف إلى جمع أهل الملل الإسلامية تحت مظلة القيم الإنسانية والأسس الأخلاقية المشتَرَكة، تعزيزًا لمبادئ الحوار البنّاء، وقيم الحرية والتسامح والتعايش السلمي، والعدل والإحسان، والتآلف والتعاون الإيجابي، بما يحقق مصلحة الأفراد، وازدهار المجتمعات ونموّها، وهو ما يمكن وصفه بأنه خطوةٌ تجديدية أعادت النظر في بعض المفاهيم الفقهية السابقة التي أذكت الفجوة والتنافر بين المسلمين وغيرهم، بسيف التصنيف تارةً، وسيف التكفير تارةً أخرى، فسعت لتقريب المسافة بينهم ورأب الصدع الذي كان يعكّر صفو سمائهم، وذلك بالتعالي على الاختلافات ووأد الصدامات، وإيجاد أرضية مشتَرَكة يقف عليها الجميع.
مبادرةٌ من أعظم مبادرات بلادنا وإنجازاتها الإنسانية، بدعوةٍ ورعايةٍ وحضورٍ مباشر من سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، كيف لا وهو ابن الشيخ زايد، أدام الله ذِكره،الذي بذر البذرة الأولى عندما قال يومًا: “نحن مسلمون، ولكننا ننظر كذلك للأديان السماوية كافة كلها أنها أديان تقصد عبادة الله والوخشوع لله سبحانه وتعالى الذي خلقها، وكل من في هذه الأرض هو من عباد الله”. خطابٌ بسيطٌ ومباشر أسّس لنهجٍ زايديّ كنا وما زلنا ننتهجه ونجني ثماره.
ولم يكن غريبًا على هذا الفكر الرفيع الذي ترسّخ في نفوس أبنائه أن يتوسّع في اعتبار “هذه الوثيقة دعوةً للمصالحة والتآخي بين جميع المؤمنين بالأديان، بل بين المؤمنين وغير المؤمنين، كل الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة” كما أعلن سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان منذ سنوات.
إنه الفكر الواقعي الذي يؤمن بأن العقيدة الدينية لا تبني – وحدها – الأوطان المتماسكة. وهو الفكر المستنير الذي يؤمن بحرية العقيدة، وحرية كل إنسان في اعتناق أو عدم اعتناق أي دين طالما أن ذلك لا يمس النظام العام أو الآداب العامة. مصداقًا للتوجيه الإلهي الكريم: ” لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ “، وقوله سبحانه: ” لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”، وقوله سبحانه: “یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَاكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ”، مع ما يقتضيه هذا التعارف من التواصل البنّاء في سبيل التآلف بين الناس وعمارة الأرض.
ثم جاء إنشاء بيت العائلة الإبراهيمية – الذي افتُتِح في عام 2023 – ليضمَّ في رحابه مسجدًا وكنيسةً وكنيسًا، ليتوّج هذا النهج ويترجمه واقعًا ملموسًا لفكرٍ يجمع ولا يفرّق، ويقف على المشتَرَكات ويجمعها في مكانٍ واحد، وهل أكثر عُمقًا وصِلةً من الاشتراك في عبادة الله؟!
ما معنى التعايش؟
أساس مفهوم التعايش في هذا السياق – كما أراه – هو أن نكفّ ألسنتنا عن عقائد غيرنا وألّا نؤذيهم في شعائرهم وطقوسهم الدينية بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، فعدم فهمنا أو اقتناعنا بمنطقية بعض هذه العقائد والطقوس لا يبيح لنا إظهار أيّ سلوكٍ ينال منها أو يزدريها.
إن التعايش ليس إيمانًا بمنهج الآخر ولا ذوبانًا فيه، ولا اهتزازًا في ثوابت يقينك، بل هو اعترافٌ بحقه في اعتقاد ما يرى أنه الحق، بغض النظر عن رأيك فيه.
هذا على المستوى الظاهر من سلوكنا، أما على المستوى الأعمق فإن التعايش خُلقٌ أصيلٌ لكل قلبٍ سليم، يتفاعل مع من حوله بفطرته وسلامة بذرته.
لماذا سُمّي ببيت العائلة الإبراهيمية؟
لأنه – في تقديري – يجسّد الرابطة التي تربط رسلنا الكرام، موسى وعيسى ومحمد – عليهم الصلاة والسلام – بنسل أبي الأنبياء إبراهيم – عليه السلام -، واستلهامًا لقول رسولنا الكريم: “… الأنبياء إخوةٌ لِعَلّات، وأمهاتهم شتّى، ودينهم واحد …”، ويؤكد أن هذه الملل والرسالات، على تنوّع شرائعها، فإن نبع الإسلام الصافي هو مبتدؤها.
لقد دأب المستعلون والموهومون بهاجس المؤامرة على مهاجمة كل مشروع حضاري يسعى لتصحيح الصورة المغلوطة التي وَسَمَت الإسلام بالتطرّف والإقصاء، ويثبت عمليًا أن جوهر العقيدة لا يتعارض مع التواضع الإنساني وحسن التواصل مع الآخر، وشحذوا في سبيل هذا الكثير من التأويلات والفتاوى التمييزية التي تعزز حالة التنافر بين الملل والأديان، سعيًا للنيل من وثيقة الأخوة الإنسانية، حتى وصل بهم الأمر إلى اتهام بيت العائلة الإبراهيمية وتحوير مقاصده النبيلة بادعاء اصطناع دينٍ جديد، رغم أن المصادر الرسمية كافة شرحت أهدافه بوضوحٍ شديد وأكدت على أن خصوصية كل ملة محفوظة، ولا أدلَّ على هذا من استقلالية كلٍّ من مبنى المسجد والكنيسة والكنيس في محيط هذا الصرح النبيل.
والمفارقة أنهم هم ذاتهم يزعمون أن التعايش الإسلامي موجودٌ بالفعل! والحقيقة أنك لا يمكن أن تحقق التعايش وأنت تشحن صدور أتباعك ضد أهل الملل الأخرى! فالتعايش يقتضي روحًا خيّرة، لا روحًا تستحضر الاختلاف الديني كوسيلة لإثبات الأفضلية، أو كصراع توغر به الصدور!
إن وثيقة الأخوة الإنسانية وبيت العائلة الإبراهيمية هما لبِنَتان أُخْرَيان في بناء الإمارات القائم على نهج الانفتاح على الآخر، والنظر له باعتباره (إنسانًا) مهما كان دينه أو عرقه أو لونه، والذي يتلمّس فهمًا لصحيح للدين، ووعيًا بمراد الله من خلقه، ذلك الفهم الذي يجمع بين سموّ عبادته وعمارة أرضه بالتآلف والتدافع مع الجميع.
وما اعتماد الأمم المتحدة تاريخ الرابع من فبراير يومًا عالميًا للأخوة الإنسانية إلا دلالةٌ على إيمان العالم بهذه المبادرة الإماراتية العظيمة، والوعي بأن سلام وأمان وازدهار الدول والشعوب لن يتم دون خطواتٍ عملية جادة، تضع الجميع على أرضيةٍ إنسانية واحدة، ومظلةٍ أخلاقية جامعة تعزز الحوار والتواصل البنّاء بينهم.
وآخِر القول:
روح الإمارات خيّرة، لهذا نجح نموذجها في تقديم صورة نقية للتعايش كما يجب أن يكون.
