
كاتب و ناشر من دولة الإمارات
خاص لـ هات بوست:
“لا يمكنك أن تعبر المحيط ما لم يكن لديك الشجاعة لتُغادر الشاطئ.” — أندريه جيد.
الخمسون ليست بداية محطات النهاية، بل هي محطة وجودية جديدة، عتبة تدخل منها إلى مفترق طريق قد يعيد تشكيل وجهتك القادمة. إنها وقت جديد من حياتك يُعاد فيه صياغة عقد الذات، بعد أن انقضى نصف العمر في سباق محموم لتحقيق أهداف، بعضها اقتنعت به وبعضها الآخر جريت فيه لمجرد أن تكون جزءًا من مجتمعك وبيئتك. عملت بجد، وحققت بعضًا منها، ولم يتحقق بعضها الآخر لأسباب وظروف شتى.
الآن تبدأ محطة مختلفة. عند هذا المنعطف لا يُطلب منك التوقف، بل إعادة توجيه البوصلة الداخلية. أن تتحول من محاولة السيطرة على عالم خارجي سعيت طويلًا ليقبلك، إلى رعاية صحتك العقلية والجسدية والروحية، وبناء علاقة أعمق وأكثر وعيًا مع ذاتك.
يقال إن عمر الخمسين هو سنّ النضج المعرفي. حيث يتبلور الوعي بأن ليس كل ما يلوح في الأفق يستحق انتباهك، وأن الجدالات المستنزفة للطاقة لا تضيف شيئًا إلى شخصيتك. يصبح الاختيار هنا فعلًا فلسفيًا: أن تختار معاركك بعناية، وأن تدفع ثمنًا بسيطًا مقابل راحة بالك. هذا التحوّل من منطق المنافسة إلى منطق التصالح هو جوهر التقدّم في العمر.
في هذا العمر تتحول المعرفة من مجرد رصيد شخصي إلى إرث يتجاوز حدود الذات. لم يعد الهدف أن تجمع المعرفة من أجل التفوق الفردي، بل أن تنشرها وتورثها للأجيال القادمة.
لم يعد المهم أن تتنافس مع الآخرين، بل أن تنافس نسختك الماضية: أن تكون أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على العطاء، وأكثر قوة في مجابهة المستقبل.
الخمسون أيضًا سنّ الكرم بحكمة، حيث يتجسد العطاء بلا مقابل في أبسط صوره: كلمة طيبة، فرصة أو وقت تمنحه لمن يحتاج. تُكثر من الثناء لأنك أدركت أن النفوس تقتات على التقدير، وتقلّل من النقد لأنك فهمت أن راحة البال أثمن من تصحيح أخطاء الجميع. أن تكون إيجابيًا في نظرتك للأمور، وأن تمد يد المساعدة لمن يمد يد الطلب، في هذا العمر تكون قد أدركت أن البشر ليسوا كلمات، بل حاجات غير منطوقة.
وعند الخمسين تكتشف أن السعادة ليست وعدًا بعيد المنال، بل هي سلسلة من الممارسات اليومية الصغيرة: فنجان قهوة صباحي، نزهة قصيرة، قراءة بضع صفحات من كتاب، أو لحظة صمت مع غروب الشمس هذه الممارسات تفاصيل صغيرة لكنها شمس تشرق في روحك تبعد وهم الشقاء و تنعش روحك المتعبة من السباقات الماضية ..
الخمسون ليست نصف العمر، بل نصف الحكمة. وعند هذا المنعطف تكون قد أكملت نصف الطريق، ويبقى القرار بيدك كيف تعيش النصف الآخر.