علي عبيد
علي عبيد
كاتب وإعلامي من دولة الإمارات العربية المتحدة

شاشة الموت الزرقاء

آراء

هذا هو الاسم الذي يطلق على الشاشة الزرقاء التي يعرضها نظام التشغيل «مايكروسوفت ويندوز» عند حدوث خطأ كبير في النظام، أو يواجه النظام مشكلة كبيرة.

وهو ما ظهر على شاشات الحواسيب عندما تعطل النظام يوم الجمعة الماضي، وفقاً للإخطار الذي أرسلته شركة «كراودسترايك» للأمن السيبراني إلى عملائها، بعد العطل الذي سبّب هلعاً واضطراباً في البنوك وبعض أسواق المال العالمية، وبعض المستشفيات التي ألغيت مواعيد مُراجعيها، ووسائل الإعلام التي انقطع بثها.

وكان الأكثر تأثراً هو حركة الطيران في بعض المطارات، وشركات الطيران الكبرى التي واجهت تأخيراً أو تعطلاً في رحلاتها، لأن مجرد تأخير واحد لبضع دقائق قد يؤدي إلى فوضى شاملة لجدول إقلاع وهبوط الطائرات في مطار أو شركة طيرن ليوم كامل.

وهو ما حدث فعلاً وأدى إلى إلغاء أو تأجيل رحلات بعض شركات الطيران، وأحدث إرباكاً في حياة المسافرين والعاملين في هذا القطاع، لجأت معه بعض الدول إلى إعادة إصدار تذاكر الطائرات يدوياً، وتسجيل جدول الرحلات بقلم «فلوماستر» على سبورةٍ داخل المطار، في عودةٍ إلى ما قبل عصر التذاكر الرقمية والتكنولوجيا الحديثة.

صحيح أنه بدأ إصلاح العطل خلال ساعات، لكن الخبراء رجحوا أن تمتد مرحلة التعافي الكامل من الانقطاع أياماً وأسابيع. أما لحظة الارتباك التي عاشتها الجهات التي تأثرت بالعطل في مرافق الطيران والبنوك وأسواق المال والمستشفيات ووسائل الإعلام وغيرها فهي ترقى إلى مرتبة الهلع والخوف من أن يستمر العطل شهوراً.

فتتحول حياة المتأثرين به إلى كابوس، وتعود المطارات والبنوك وأسواق المال إلى العمل اليدوي الذي أصبح جزءاً من التاريخ بعد التقدم الذي حققته التكنولوجيا في هذه المجالات مسهلةً بذلك حياة الناس، وواضعةً كل العمليات في جهاز حاسوبٍ صغيرٍ أو هاتفٍ يدويٍ يقوم الناس من خلالهما بحجز رحلات طيرانهم وغرف الفنادق التي يرغبون في الإقامة بها.

ويحولون من خلالها أموالهم من حسابٍ إلى آخر، ويدفعون ثمن مشترياتهم، ويحجزون كراسيهم في دور السينما وغيرها من مرافق الترفيه التي يرتادونها، ويشترون تذاكر دخول المتاحف وقاعات الفنون والمعارض التي يحبونها، والكثير الكثير من الخدمات التي أصبحوا ينجزونها وهم جالسون في بيوتهم، أو مستلقون على أسرّتهم، أو وهم يؤدون تمارينهم في القاعات الرياضية.

المفارقة فيما حدث هو أن شركة «كراود سترايك» المتسببة في العطل هي شركةٌ متخصصة في الأمن الإلكتروني ومزود رئيس للأمن السيبراني، الأمر الذي يعني أنه يُفترَض أن تحمي الأجهزة من الأعطال، لا أن تتسبب فيها.

وحتى لو ذكرت الشركة أن المشكلة التي كانت وراء انقطاع الخدمة لم تكن حادثاً أمنياً ولا هجوماً إلكترونياً، وأنها حدثت بسبب نشرها تحديثاً معيباً لأجهزة الحاسوب التي تعمل بنظام التشغيل مايكروسوفت ويندوز، فإن هذا لا يعفيها من مسؤولية الفوضى التي تسبب فيها العطل، واستمرت ساعات بعد اكتشاف المشكلة، وتصاعدت لتتشكل طوابير طويلةٌ في المطارات، ويتم إيقاف بث وسائل إعلامٍ، وتواجه مستشفياتٌ ومكاتب أطباء مشكلاتٍ في أنظمة المواعيد الخاصة بها، وينقطع نظام الدفع في بعض البنوك.

حدث كل هذا بسبب خطأٍ غير مقصودٍ في التحديث، وليس بسبب هجومٍ إلكترونيٍ أو حادثٍ أمنيٍ، كما قالت الشركة.

فماذا لو كان السببُ حادثاً أمنياً أو هجوماً إلكترونياً أعدّت له جهةٌ ما، وتم تصعيده من دون أن تكون للشركة قدرةٌ على التدخل في إصلاحه، أو مواجهة الجهة التي أعدت له وقامت به؟ هل كنا سنشهد كوارث طيرانٍ في أجواء العالم، وانهياراتٍ في أسواق المال، ومآسيَ لا يعلم إلا الله حجمها، ولا يقدر على إيقافها سواه؟

لحظة الإرباك والهلع التي عاشها العالم ساعاتٍ قليلةً، طرحت أسئلةً كثيرةً حول دور التكنولوجيا في تسهيل حياة البشر، والمشاكل التي يمكن أن يتعرضوا لها في حال تعطل أيٍّ منها أو تعرضها لخللٍ، وحتى لو كان مؤقتاً، أو تدميرها بفعل فاعلٍ لسببٍ من الأسباب التي تطول قائمتها.

مؤسس شركة «كراودسترايك» ومديرها التنفيذي «جورج كيرتز» كان قد أكد في تصريحاتٍ سابقةٍ أنه محبطٌ من الأساليب العتيقة للأمن الإلكتروني، فهل ابتكر لنا أسلوب أمنٍ إلكترونيٍ حديثاً حمانا من شاشة الموت الزرقاء، أم تُراه وضعنا أمام شاشةِ موتٍ زرقاء جديدة؟

المصدر: البيان