عيدٌ في زمن الحرب

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     عاد ابني بُعَيد السابعة صباحًا، عقِب أداء صلاة العيد في المسجد المجاور لبيتنا، دون أن يعلم أن سماءنا كانت تتعرض لهجوم إيراني غاشم، بدأ في الثامن والعشرين من فبراير، ولم توقفه حتى تكبيرات العيد!

     كنت في وقتٍ سابقٍ منشغلةً مع ابنتَيّ في غمرة الاستعدادات المعتادة للعيد؛ حيث وقع اختيارهما على دبي هيلز لشراء مستلزمات العيد، مول مريح في عملية التسوّق، وإن بدا أكثر صخبًا وازدحامًا بعض الشيء مقارنةً بالعام الماضي! أما أنا فلا غنى لي عن (المخوّرة) التي كنت قد استلمتها وأخواتها من الخياط قبلها بعدة أيام.

     أما قبل العيد بيومين، فقد بدأت طقوس الصالونات التي أتحاشى زحامها بالحجز المبكر جدًا منذ اليوم الأول في رمضان، أما يوم الحناء، فمنذ بضع سنوات قررتُ أن ألوذ ببيتي، طلبًا للخصوصية والهدوء، مستعينةً بالخدمة المنزلية التي تعتقني من اكتظاظ صالونات الحناء في ليلة العيد المشهودة.

     استهللنا صباح العيد الباكر برسالة أخوية دافئة من قائدنا سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، يهنئنا فيها بالعيد، ويشد على ترابطنا وتلاحمنا، ويدعو لنا ولبلادنا. هي لفتةٌ من فيض لفتاتٍ عميقةٍ اعتدناها من بوخالد، الحريص دومًا على أن يكون نبضًا حاضرًا معنا في تفاصيل حياتنا ومختلَف محطاتنا.

     جهزنا مائدة فطورنا التي تصدرتها (البلاليط) كطبقٍ رئيس، فهي الصنف المفضل لابنتي الصغيرة، حتى استحالت جزءًا أساسيًا من طقوس بيتنا في صباحات الأعياد، ثم بدأنا أنا وابنتاي في الاستعداد لمراسم العيد المعهودة، حيث انفردت بنفسي في غرفتي لأستعد بهدوء، تاركةً الفتاتَين لتساعد إحداهما الأخرى، فقد كبرتا بما يكفي للاعتماد على نفسيهما، وهكذا، تحررتُ أخيرًا من مهنة (مصففة الشعر) التي كانت تبتلع نصف وقتي في الأعياد السابقة! واكتفيت هذه المرة بالمراقبة من بعيد، حيث كانت تصلني – بين الحين والآخر – تمتمات التذمر، تارةً على لسان الأولى لأن أختها لم تضبط خصلات شعرها كما يجب، وتارةً من الثانية لأنها تريد استخدام نفس المرآة التي تتزاحمان عليها للتزين، في صراعٍ أزلي رغم وجود مرايا أخرى في غرفتهما!

     أخيرًا، اكتملت جاهزيتنا وانطلقنا لبيت جدة أبنائي، هناك حيث الكلُّ حاضر، والكلُّ (كاشخ)، والمعايدة والتبريكات تتردد على لسان الجميع، والعيديات تُوزّع على الأطفال، الذين لم يكترثوا كثيرًا كون بعض (النيطان) قديمة هذه المرة، بسبب عدم توفر (نيطان) جديدة لبعض الفئات النقدية، ولسان حالهم يقول: لا بأس، المهم أننا حصلنا على العيدية!

     انقضى يوم العيد الأول، لنقضي اليوم الثاني في رحاب بيت أهلي؛ (كشخة) عيد أخرى، وحصيلة ثانية دسمة من العيديات، وجلسة أسرية يملؤها الدفء. وما إن هممنا بالرحيل ووصلنا إلى الباب، حتى ارتفع صوتُ التنبيه الوطني يُخطِرُنا بتعرض الدولة لتهديدٍ صاروخي، طالبًا منا البقاء في مكانٍ آمنٍ وانتظار التعليمات الرسمية. عدنا إلى الداخل بهدوءٍ وثباتٍ وثقة، وبعد نحو ربع ساعة جاءنا التنبيه التالي يطمئننا بأن الوضع آمن، فتحركنا عائدين إلى البيت بسلام.

     وأتممنا عيدنا في يومه الثالث بضيافة إحدى القريبات، حيث استحال اللقاءُ احتفاءً بعيدِ أمٍّ جماعيٍّ شملنا كلنا نحن الأمهات اللواتي كن حاضرات.

     وعلى مدار الأيام الثلاثة، وكعادتي منذ بدء العدوان الإيراني على بلادي، كنت أتابع مستجدات هجماته الجائرة عبر حساب وزارة الدفاع في منصة X، والتي لم تخجل أمام قداسة الشهر الفضيل، ولم تمسكها أيام العيد، لتكون شاهدًا على إجرام العدو الإيراني ونفاقه الذي يتشدّق زورًا بالإسلام، وشاهدًا – في المقابل – على يقظة صقورنا الجوية وتفانيهم في الذود عنا.

هل كان عيدًا عاديًا؟! 

     ربما لا، حيث سخّر العدو الإيراني صواريخه الباليستية وطائراته المسيّرة في محاولةٍ يائسة لإفساده، لكن مما لا شك فيه أن دفاعاتنا الجوية الإماراتية بذلت كل جهدها ووقتها في حماية سمائنا، حتى لا نُحرم تفاصيلنا (العادية) التي ألِفناها فيه، فكان عيدنا – كأيامنا التي سبقته – آمنًا مفعمًا بالسكينة والسلام والبهجة.

وآخِر القول:

لأبطالنا في القوات الجوية:

كنتم وما زلتم درعًا لأرضنا، ومشاعرنا، وطمأنينتنا، فلا خلا ولا عدم.