غيض من فيض

آراء

خاص لـ هات بوست:

     ثمة أقوال “مأثورة” تنسب على وسائل التواصل الاجتماعي لغير قائليها، لكن ذلك قد لا يحدث ضرراً يذكر، وقد تجد صعوبة في البحث في كل كتب الكاتب لتتأكد من صحة القول، إنما يصبح الأمر ممكناً لو أنه كتاب واحد، ويستحق البحث لو أن الموضوع يخص شؤون حياتك والآخرين من حولك.

     لنتخيل أن كاتباً عظيماً ألف كتاباً واحداً، وضع فيه خلاصة ما يريد قوله، وأرسله إلى الناس متمنياً أن يقرأ بتعقل وتدبر، وأن تفهم مقاصده ومن ثم الالتزام بما جاء به، ولنفترض أننا رغم اهتمامنا بالموضوع لم نقرأ هذا الكتاب مباشرة، أو أننا قرأناه آلاف المرات إنما دون تمعن، واكتفينا بما قيل عنه، أو ما وصلنا من شروحات له، وبنينا كل تصوراتنا وردود أفعالنا وفق هذه الشروحات والأقوال لا على النص نفسه، هل سنكون قد أعطينا الكتاب حقه؟ هل سنكون واثقين بما فهمناه؟ ربما سنقول أن من سبقونا بتلقي الكتاب هم أجدر منا بفهمه، وهناك اليوم أيضاً من يلم به أكثر منا ولا يجدر بنا السؤال، أو نقول: لا يمكن أن يكون الغالبية على خطأ فملخص الكتاب واضح، وقد لا يهمك الكتاب نهائياً نتيجة ما سمعت عنه، وستتفاجىء ربما عندما تسمع حقيقة ما جاء فيه.

     هذا ما حصل بالنسبة لمعظمنا مع التنزيل الحكيم، أرسله الله لنا فقرأناه بعقول السلف الصالح، وأخذنا عنهم ما فهموه، وصدقنا ما نسبوه لرسولنا الكريم دونما تمحيص، وفقاً لما كانت عليه ظروفهم الزمانية والمكانية، ورفضنا بالتالي أن نعيد القراءة بعقولنا نحن، فإذا فعلنا وجدنا اختلافاً كبيراً بين ما تكرس في العقل الجمعي لأمتنا وبين ما هو في الكتاب حقاً.

     النقطة الأساسية هي تعريف الإسلام، لك أيها القارىء أن تفتح الكتاب لتجد أنه الإيمان تسليماً بوجود الله، إذ لا تملك البرهان، فإذا كنت تؤمن بالله الواحد فأنت مسلم، وكل ما عليك أن تقرن هذا الإيمان بالعمل الصالح {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 112)، وبذلك يصبح معظم الناس مسلمين وهذا ما لخصه قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة 62)، وسنة الله في خلقه الاختلاف في طرق العبادة {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}(الحج 40).

     النقطة الأخرى أن الحرام بيد الله وحده، فلا يحق لأحد أن يحرّم ويحلل على هواه، وإلا كان النبي (ص) أولى بذلك {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (التحريم 1)، وما حرّم الرسول هو ما حرّمه الله تعالى لا أكثر، والمحرمات واضحة ومعدودة تتفق عليها معظم القوانين حتى لو لم يلتزم الكثيرون بها أو ببعض منها، أما الكم الهائل مما يتحفنا به الخطباء فلا علاقة لكتاب الله به لا من قريب ولا من بعيد.

     في كتاب الله الإيمان وعدمه شأنك الخاص، وعقابك بيد الله وحده، واتبع من تريد من الرسل أو لا تتبع فالله سيحاسبك ولن يظلمك، ولا يمكن لسلطة أن تجبرك على صلاة أو صيام، وعقوبة المرتد عند الله أيضاً، ومن المجحف أن تخيف الناس من الدخول بالإسلام لعلهم ارتدوا ذات يوم فوجب قتلهم، فلا شيء من هذا في التنزيل الحكيم.

     في كتاب الله الصلاة هي صلتك بالله، يمكنك أن تدعوه في قلبك {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}(الأعلى 14 -15)  ويفترض كمؤمن أن تقيم الصلاة بركوع وسجود كما أقامها رسولنا الكريم  فتتقرب إلى الله وتثاب وتؤجر، ولكل ملة طريقتها أيضاً، والساهون عن صلتهم بالله هم المراؤون ومانعو الماعون، والخارجون عن الخلق الحسن.

     في كتاب الله العمل الصالح لا حدود له، ولن يغفل الله عن أي خير تعمله، ولن يمحو السيئة تجاه الناس إلا بحسنة تقوم بها، أما ذنبك معه فقد يغفره.

     في كتاب الله رحمة ربنا وسعت كل شيء، وعذابه محدود.

     في كتاب الله الناس متساوون، لا فرق بين رجال ونساء، خلقوا من نفس واحدة، لم تخلق المرأة من ضلعه الأعوج، ولا هي من أغوته ليطردا من الجنة، ومعيار الحساب في الآخرة هو التقوى.

     هذا غيض من فيض، المقصود منه إعادة وضع التراث في إطاره الطبيعي، دون تقليل من شأنه بل اعتباره اجتهاد بشري يحترم، إنما ليس نصاً مقدساً، فكتاب الله سيبقى حياً، يخاطب كل جيل بلغته وأسئلته، يستحق أن نقرأه بعقولنا نحن، وفق زماننا وعلومه.