لكُل مقامٍ مقالٌ ومُلتقى

آراء

خاص لـ هات بوست: 

     لا أعلم؛ هل أبدأ من الملتقى الذي أُقيم في المكتبة؟ أم من المكتبة التي أُقيم فيها الملتقى؟

     إذا كنتَ تعرفني فستدرك بسهولة كيف تمارس المكتبات سحرها على عقلي وفكري ووجداني، بلا أدنى وجل؛ فما بالك إذا كانت مكتبة محمد بن راشد، ذاك الصرح الحضاري المدهش، الذي يشبه حلماً استحال إلى حقيقة. بدءًا من روعة تصميمه الأشبه بكتاب مفتوح على كل التكهنات والآفاق، وقد عرفتُ أنه صُمِّم وبُني ليتوافق مع الخطط والاستراتيجيات التي تنتهجها إمارة دبي للتحول نحو الاستدامة، ويفي بالتزامات الحفاظ على البيئة؛ إذ يوفّر نسبة من طاقته عبر الألواح الشمسية الموجودة على سطحه، ويقنّن استهلاك مياه الري بإعادة تدويرها، ويستخدم مواد صديقة للبيئة، وتقنيات عالية للعزل والتظليل.

     تقع المكتبة في منطقة الجداف على خور دبي الساحر، وقد فتحت أبوابها للجمهور منتصف عام 2022 كمشروع ثقافي ومعرفي هائل يهدف إلى تعزيز ثقافة القراءة والبحث وتمكين المعرفة في المجتمع.

     تضم، في أجوائها الفاتنة، تسعة أقسام متخصّصة تشمل: المكتبة العامة، مكتبة الإمارات، مكتبة الشباب، مكتبة الأطفال، مكتبة الوسائط والفنون، مكتبة الأعمال، مكتبة الدوريات، كما تستضيف بين جنباتها أنشطة ثقافية ومعرفية متنوعة، وحوارات ولقاءات وقراءات تثري المشهد الثقافي في المنطقة.

     تحتوي أرففها أكثر من مليون كتاب مطبوع ورقمي باللغات العربية والأجنبية، والرقم في ازدياد دائم، ناهيك عن الأطروحات الجامعية والمراجع الأكاديمية، وآلاف المواد المتنوعة من الموسيقى، ومقاطع الفيديو، والصحف والمجلات التاريخية..

     وهي مزوّدة بتقنيات حديثة تضفي المتعة واليسر على التجربة المكتبية الفريدة، مثل: أنظمة استرجاع الكتب الآلية، ومنصات الذكاء الاصطناعي لمساعدة الزوار، ومختبرات ترقيم الكتب.

     على حلبة هذا المسرح الفائق الرقي والأناقة، أُقيم ملتقى كُتّاب المقال الإماراتي السبت المنصرم، والذي أود أن أفرد بعض المساحة لتجربتي في حضوره، هو فعالية ثقافية ومهنية تنظمها جائزة المقال الإماراتي بالتعاون مع مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، جمعت نُخبة من كتّاب المقال الإماراتيين والباحثين والإعلاميين وصنّاع الكلمة، بهدف تعزيز حضورهم، والتواصل بينهم وبين المؤسسات الثقافية، لتبادل الخبرات والرؤى في فن كتابة المقال بمختلف فروعه.

     اللافت في هذا اللقاء أنه استطاع أن يجمع بين كتّاب مخضرمين لهم باع طويل في كتابة المقال، وأصوات شابة تتلمّس طريقها في هذا المجال. وطرح كمّاً من الأسئلة، بعضها شائك: حول مكانة المقال في عالم متغيّر، وجدوى كتابته، ومدى استمرارية الإقبال على قراءته في عصر المحتويات الرقمية الجاذبة والتي لا تستغرق مشاهدتها بضع ثوانٍ، وحجم مساحة الحرية المتاحة مقارنة بمطلع السبعينات والثمانينات والعناوين الرنّانة الجريئة أنذاك، والأهم من ذلك سرّ هذا التغيّر ودقة توازناته في مسيرة دولتنا ونهضتها ونموها المضطرد، وأمنها ومصالحها في عالم مضطرم. وكما هو متوقّع، احتلّ السؤال الشائك حول دور الذكاء الاصطناعي في صناعة المقال – هذا الجسر المعلّق بين الثقافة والإعلام – مساحةً معتبرة من النقاش. كما طُرح أثر الجائزة بفروعها المختلفة في التحفيز والترغيب، وخلق روح المنافسة، وتسليط بعض الضوء المستحق على فن كتابة المقال المحلي.

     على هامش الملتقى، ثمّة معرض كتاب مصغّر لكتب في المقال الإماراتي والخليجي، وبرنامج مهني أتاح اللقاء بين الكتّاب وبعض الصحف والمؤسسات الثقافية ودور النشر. وقد سعدتُ باللقاء بشخصيات لها ثقلها ومكانتها في هذا المجال الممتع والشائك في آن.

     أما ورشة التدريب على كتابة المقال فكانت حكاية لوحدها. ربما كانت مُعدّة في الأساس لحديثي العهد بعالم كتابة المقال، لكن ما حضرها واقعاً إلا لفيف من الكتّاب المخضرمين وأصحاب الباع الطويل، أمثال ميرة الجناحي، وجمال الشحي، ومحمد الحبسي، والدكتور ماجد بوشليبي، الذي تحضرني الآن مقولته حين اعتذر المحاضر بأن الورشة معدّة لكاتب المقال المبتدئ، فقال: «لا يوجد شيء اسمه كاتب مقال مبتدئ، لا يجوز أن يتصدّر لكتابة المقال مبتدئ!»

     أحببتُ قوله الذي يضع كتّاب المقال أمام واقع من التحديات والمسؤوليات والرهانات الصعبة.

     والورشة، التي استحالت إلى جلسة حوارية وتبادل خبرات، وأسئلة أكثر من إجابات، اختُتمت بعروض ألعاب نارية بديعة انعكست على صفحة الخور البهي.

     خرجتُ من المكان بشعور لذيذ يشبه الانتماء إلى عصابة أو نادٍ حين كنتُ طفلة أبحث عن انتماء، قبل أن أكبر وأغدو كائناً يخشى ويرتاب ويكابر، لكن لا ضير على ما يبدو أن يلتقي من حين لآخر بكائنات تشبهه تتلوث أصابعها بحبر من كلمات ومعانٍ، وإذن: حتى ملتقى..