كاتب و ناشر من دولة الإمارات
خاص لـ هات بوست:
حين نطفئ الأجهزة ليومٍ واحد، تظهر حقيقتان قاسيتان: الأولى، أن وجودنا لم يعد يُرى بلا شاشاتنا. والثانية، أن الزمن سلعة تُشترى لمن يملك ثمنها.
هناك من يطلب سيارة فتصله خلال ثلاث دقائق، ومن ينتظر الباص أربعين دقيقة تحت الشمس. هناك من يضغط زرًا فيصل الطعام إلى بابه، ومن يقضي ساعتين في المواصلات ليصل إلى عمله. هذا ليس “تقدمًا تقنيًا” فقط، بل إعادة صياغة للطبقية نفسها. التكنولوجيا لم تُلغِ الفوارق؛ بل أعادت توزيعها على الزمن. من يملك التطبيقات يملك السرعة، ومن يملك السرعة يملك جزءًا أكبر من حياته. أما البقية، فيدفعون عرقهم وتعبهم ثمن راحة غيرهم.
كان الانتظار يومًا جزءًا طبيعيًا من الحياة. ننتظر الباص، ننتظر الطعام، ننتظر الرد. لم يكن الانتظار إهانة، بل زمنًا مفتوحًا للتأمل، للحديث، للملل. اليوم، أي انتظار يتجاوز دقيقتين يُعد فشلًا تقنيًا. لكن الانتظار لم يختفِ؛ لقد تغيّر موقعه. لم يعد تجربة مشتركة، بل عقوبة طبقية لا يعيشها إلا من لا يستطيع شراء السرعة.
أصبح الإنسان المعاصر كائنًا هجينًا بالمعنى الحرفي؛ نصفه عضوي ونصفه تقني. لم يحدث هذا الاندماج بقرار واعٍ، بل تسلل بهدوء حتى تماهت هويتنا مع أدواتنا. حين يقول أحدهم “هاتفي مات”، فهو يستخدم لغة الموت البيولوجي لوصف جماد. اللغة لا تخطئ هنا؛ فنحن نعيش علاقة حياة-موت مع الأداة. قبل الهاتف الذكي، كان “أن تكون” يعني أن تشغل حيّزًا في المكان والزمان. اليوم، “أن تكون” يعني أن تكون متاحًا. إذا غابت علامة “متصل الآن”، فأنت – وجوديًا – في منطقة رمادية بين الحضور والغياب.
لم تدخل التكنولوجيا حياتنا بعنف، بل بإغراء. لم يقل لنا أحد: توقفوا عن الحديث مع أطفالكم، لكننا توقفنا. لم يُجبرنا أحد على حمل الهاتف في كل لحظة، لكننا نحمله. ليس لأننا لا نحب بعضنا، بل لأن الغياب أصبح أسهل من الحضور.
الحضور عمل شاق. يتطلب انتباهًا، إصغاءً، وقدرة على احتمال الصمت. أما الغياب، فمريح على نحو مخيف: شاشة تفتح، عالم يختفي، ومسؤولية تتلاشى. حتى مع أبنائنا، نكون موجودين جسديًا، غائبين وجوديًا.
حين نطفئ الأجهزة، يستيقظ الجسد من سباته التقني. يتذكر الطرق، يشعر بالحرارة، يعرف الوقت. لا يحتاج شاشة لتخبره من هو.
في مدينة مليحة الأثرية، حيث الجبال والصمت وغياب الإنترنت، رأيت السماء الصافية بكامل نجومها، بعيدًا عن التلوث الضوئي للمدينة. عندها أدركت أن الحقيقة تُرى في الخفوت، لا في التوهّج. ربما نحتاج أحيانًا إلى نزع الأسلاك، ولو ليوم واحد، لا لنرفض التكنولوجيا، بل لنستعيد أنفسنا قبل أن نعود إليها.
