خاص لـ هات بوست:
يشهد الخليج العربي مرحلة تحول نوعية في طبيعة العلاقات بين دوله، حيث لم يعد المشهد قائماً على التوافق السياسي التقليدي بقدر ما أصبح يعكس توازناً ديناميكياً بين التعاون والتنافس. هذه التحولات لا تعني بالضرورة وجود صراع داخل المنظومة الخليجية، بل تعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في إدارة المصالح الوطنية ضمن إطار إقليمي مشترك، خاصة في ظل التحولات العالمية نحو نظام دولي متعدد الأقطاب. فاليوم، لم يعد الخليج يتحرك ككتلة سياسية واحدة فقط، بل كمنظومة أقطاب متعاونة ومتوازنة، تتشكل وفق أولويات اقتصادية واستراتيجية متغيرة، تعكس طبيعة المرحلة الجديدة التي تمر بها المنطقة.
وفي قلب هذا التحول، برزت دولة الإمارات كنموذج لدولة التوازن الاستراتيجي، حيث تبني نفوذها عبر الاقتصاد والدبلوماسية والابتكار، وليس عبر الصراع التقليدي على النفوذ الجيوغرافي. وقد اعتمدت الإمارات سياسة خارجية قائمة على تنويع الشراكات الدولية وبناء جسور التعاون مع مختلف القوى العالمية شرقاً وغرباً، دون التخلي عن تحالفاتها التقليدية والقريبة خاصة في محيطها الخليجي. هذا النهج مكّنها من تعزيز موقعها كفاعل إقليمي موثوق، قادر على لعب أدوار دبلوماسية واقتصادية تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية التقليدية.
كما أن الرؤية الإماراتية للمستقبل قائمة على الاستثمار في الاقتصاد المعرفي والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة المستدامة، إلى جانب التركيز على الأمن المائي والغذائي، وهو ما يعكس إدراكاً مبكراً لطبيعة التحولات العالمية القادمة. وفي عالم لم يعد النفوذ الجيوغرافي فيه قائماً فقط على القوة الصلبة، أصبحت القدرة على بناء الاقتصاد المستقبلي عاملاً أساسياً في تحديد المكانة المؤثرة للدول.
وفي ظل المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية في الخليج، تتبنى الإمارات نهجاً يقوم على تعزيز الاستقرار الإقليمي مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني ومرونة الحركة الاقتصادية والدبلوماسية. هذا التوازن يمنحها القدرة على التكيف مع التحولات السريعة في النظام الدولي، ويعزز دورها كقوة توازن إقليمية تسهم في صياغة مستقبل المنطقة.
إن المشهد الخليجي اليوم لا يتجه نحو صراع أقطاب بقدر ما يتجه نحو تنوع في الأدوار داخل منظومة استقرار واحدة، حيث تسعى كل دولة إلى تعزيز مكانتها وفق رؤيتها الاستراتيجية. وفي هذا المشهد، تواصل الإمارات ترسيخ نموذجها كدولة تستثمر في صناعة المستقبل، واضعة التنمية والاستقرار في صميم استراتيجيتها الإقليمية والدولية.
