نظرة شمولية

آراء

خاص لـ هات بوست:

     قبل حوالي عشر سنوات، جاءتني صغيرتي، البالغة بالكاد ست سنوات، ساخطةً ومنزعجةً: ماما، انظري ماذا يقول أخي، يقول إن الماء الذي نشربه ربما مشت فيه الديناصورات!

     ناديت شقيقها، البالغ حينها بالكاد عشر سنوات:

لماذا تزعج أختك بمثل هذا الكلام؟

أجاب بدهشة:

     لأنها الحقيقة، الماء هو ذاته منذ نشأة الأرض.

قلت: كيف تقول هذا؟ هناك كل هذه البحار والأنهار والمحيطات والسحب، والأمطار التي تهطل من السماء!

نظر نحوي تلك النظرة المتأدبة المشفقة عليَّ من محدودية ذكائي، وأردف:

     لكنه نظامٌ مغلقٌ داخل الغلاف الجوي، لا ماء يأتي من الخارج ولا يتسرّب. ذات الماء يتبخر ويتكثف ويهطل ويُنقّى ويُخزَّن.. والشيء ذاته بالمناسبة ينطبق على الهواء أيضاً.. دورة مغلقة داخل الغلاف الجوي، وخارجه فضاءً… فراغاً فقط!

     درسنا هذا الكلام مراراً وتكراراً، وقرأناه وشاهدناه في برامج علمية، لكن يبدو أن دماغي يمارس نوعاً من الدفاع الذاتي بتجاهل هذه الحقيقة الصارخة.. يصعب عليَّ أن أقرّ بأننا نعيش في ما يشبه حوض أسماك زينة دائرياً، معلقاً في الفضاء، ومحميّاً بغلاف جويٍّ رقيق!

     عادت هذه الحكاية إلى ذهني وأنا أقرأ ما قاله رائد الفضاء الأمريكي رون غاران، الذي أمضى قرابة ستة أشهر في محطة الفضاء الدولية، يطالع كوكبنا الجميل كجرماً سماوياً معلقاً وسط النجوم، ويكتشف ما أسماه بالكذبة الكبرى التي نعيشها؛ فالأرض ليست اقتصاداً، ولا دولاً، ولا حدوداً جغرافيةً، ولا صراعاتٍ ونزاعاتٍ وحروباً وأطماعاً…

وإنما كوكباً واحداً، محاطاً بغلاف جويٍّ رقيقٍ وهشٍّ، تتشارك فيه كل المخلوقات والكائنات، ولا حياة خارجه. ولذا يتوجب إدراك ذلك، وإعادة صياغة الأولويات، وتقديم الحفاظ على البيئة كأولوية قصوى للجميع.

     يصف غاران تجربته فيقول:

     «عندما نظرت من نافذة محطة الفضاء الدولية، رأيت ومضات البرق تشبه عدسات المصورين، ورأيت ستائر الأورورا الراقصة التي بدت قريبةً إلى درجة أنني شعرت أن بإمكاننا لمسها، لكن الأكثر إثارةً للدهشة كان رؤيتي للغلاف الجوي الرقيق بشكلٍ لا يُصدَّق لكوكبنا».

     عندما يغادر رواد الفضاء الأرض وينظرون إليها من الفضاء، يمرون غالباً بتجربة تُعرف باسم تأثير النظرة الشمولية (Overview Effect).

     هذه التجربة ليست مجرد رؤيةٍ بصريةٍ، بل تحوّلاً عقلياً وروحياً ونفسياً عميقاً، يُشبه حالةً من الدهشة والإدراك الذاتي الفلسفي.

     ويصادف أن هذه النظرة هي الحقيقة الساطعة التي يحلو للعالم بكل أطيافه تجاهلها.

     يحضرني الآن مشهد للممثلة جودي فوستر في فيلم التسعينات Contact، عندما ترى الفضاء الشاسع البهي بزخم كواكبه ونجومه الوضاءة ومجراته الهائلة، فتهتف:

     “كان ينبغي أن يبعثوا شاعراً.. هذا الجمال يفوق الوصف.. الكلمات تعجز.. يا له من مشهدٍ مهيب.. كان ينبغي، حقاً، أن يبعثوا شاعراً..”

     بقيت لسنوات أستحضر هذا المشهد كلما أردت أن أستشعر عظمة خلق الله سبحانه وتعالى، ووحدة هذا الكون وانسجامه الباعث على الرهبة والخشوع.. تنتابني النظرة الشمولية ذاتها؛ كوكبنا الأزرق الجميل، الثري بمخلوقاته وتنوع بيئاته، ودقة نظامه، جدير حقاً بالتقدير والعناية كأولوية قصوى.