كاتب و ناشر من دولة الإمارات
خاص لـ هات بوست:
في القرن العشرين كان يكفي أن تملك صوتاً عالياً لتقود، في القرن الحادي والعشرين تحتاج نموذجاً ناجحاً.
فتحت هاتفي صباحاً كالعادة. منصات التواصل كانت تغلي. عاصفة من التغريدات عن أزمات إقليمية كبرى وتحولات مصيرية. المحللون الافتراضيون يرسمون خرائط الانهيار بثقة مطلقة، ويتنبأون بالكوارث.
أغلقت الهاتف ونزلت إلى الشارع. كانت الحياة تسير كعادتها تماماً. العمال يبنون برجاً جديداً، الناس في طريقهم لأعمالهم، المقاهي ممتلئة، المدينة تتنفس بإيقاعها المعتاد. لا شيء من ذلك الضجيج الرقمي له أثر في الواقع.
هنا فهمت المفارقة: لدينا جيل كامل يعيش في واقع موازٍ صنعته الخوارزميات. واقع تُكتب فيه النهايات كل يوم، بينما الحياة الحقيقية مستمرة في بناء البدايات.
القرن العشرون في الشرق الأوسط، على الأقل لجيلنا، كان قرن الوعود الكبرى بامتياز. الأيديولوجيا كانت الوقود الذي يحرك الخيال السياسي: قومية تعد بالوحدة، اشتراكية تعد بالعدالة، وأحلام غيبية تعد بالخلاص. كانت الدول تتقن فنون الخطابة أكثر من الإدارة وتقديم الخدمات. تضخمت الكلمات وكبرت الشعارات، لكن حياة المواطن لم تكبر معها.
بعد تجارب طويلة ومريرة، اكتشفنا شيئاً بسيطاً: الشعارات لا تبني مستشفى. الفصاحة لا تخلق وظيفة. الخطب لا تحل مشاكل الحياة اليومية.
هنا بدأ التحول الحقيقي. سقطت الأيديولوجيا من عرشها وحل مكانها سؤال بسيط: كيف نعيش أفضل اليوم؟ المواطن لم يعد يسأل عن مشروعه التاريخي الكبير. يريد فقط حياة كريمة، خدمات تعمل، اقتصاداً يوفر له فرصاً. هذا ليس تراجعاً عن القيم، هذا نضج. انتقال من عصر الأوهام إلى عصر الحلول.
الصراع في المنطقة تغيّر تماماً. لم يعد السؤال: من يملك الفكرة الصحيحة؟ أصبح: من ينجح في تطبيقها؟ السردية الآن لا تُكتب في الصحف وبيانات الأحزاب، تُقرأ في شوارع المدن. المدينة نفسها أصبحت خطاباً سياسياً. وفي مدن مثل دبي وأبوظبي والشارقة يظهر هذا المعنى بوضوح؛ حيث تتحول جودة الحياة نفسها إلى رسالة سياسية هادئة.
عندما تمشي في عاصمة تُدار بذكاء، تحترم وقتك، تعمل مؤسساتها بكفاءة، أنت تقرأ بياناً سياسياً أقوى من ألف خطبة. بعض العواصم التقليدية بقيت أسيرة الماضي، تردد نفس الكلام، تعيد نفس الوعود. بينما عواصم أخرى اختارت أن تتحدث بلغة الواقع. النموذج انتصر على الوعظ، والأسمنت والتقنية صارا لغة العصر التي يفهمها الجميع.
معايير النجاح نفسها تغيرت. كان يُقاس بالثقل التاريخي أو حجم السكان. الآن يُقاس بسؤال واحد: هل تستطيع أن تخلق بيئة يريد الناس العيش فيها؟
هل السردية تصنع النجاح، أم النجاح يصنع السردية؟ السؤال يبدو فلسفياً، لكنه في الحقيقة مفتاح لفهم التحولات التي تعيد رسم خريطة المنطقة اليوم. النجاح وحده لا يكفي ليصبح نموذجاً؛ يحتاج تجربة معيشة يشعر بها الناس، وتفسيراً ثقافياً يمنحه معنى، ومنصات قادرة على نقله إلى المجال العام. النجاح بلا سردية يظل إنجازاً. ولهذا بقيت إنجازات عربية مهمة محدودة الأثر، لأن قصتها لم تُرْوَ بما يكفي. واليوم، في عصر السرعة والتحولات، يصبح فهم سرديات النجاح طريقاً مباشراً إلى فهم اتجاهات المستقبل.
في التجربة الإماراتية تحديداً يمكن رؤية هذا التحول بوضوح؛ بنية تحتية حديثة، اقتصاد متنوع، وثقافة مؤسساتية جعلت النتائج تتحدث عن نفسها. هذا ما غيّر صورة المنطقة في عيون العالم.
في المقابل، نرى خفوتاً تدريجياً لعواصم كانت تاريخياً في المقدمة. التاريخ وحده لا يكفي لصناعة المستقبل. الثقل التاريخي يتحول أحياناً إلى عبء.
حتى الهوية العربية تغيرت. لم تعد مجرد نصوص وخطابات، أصبحت أسلوب حياة فعلياً: اقتصاد معرفة، تعليم جيد، انفتاح على العالم. عروبة جديدة تؤمن أن التفوق والابتكار هما أصدق أشكال الانتماء.
الأيديولوجيا لم تنتهِ، لكنها أخذت شكلاً مختلفاً. الأفكار الكبرى موجودة، لكنها الآن تتحدث عن التنمية والاستقرار وجودة الحياة. المنطقة تعيد ترتيب أولوياتها، هذا كل ما في الأمر.
الخطب والقصائد الحالمة تحولت إلى مدن ذكية. الوعود المؤجلة أصبحت إنجازات ملموسة.
وبينما يستمر الضجيج الرقمي في التنبؤ بالانهيارات، المدن تواصل البناء.
