خاص لـ هات بوست:
سجّلت نولا أوكس – المولودة عام 1911 – رقمًا قياسيًا في موسوعة جينيس كأكبر خريجة جامعية سنًا بعد أن نالت شهادة البكالوريوس في سن الخامسة والتسعين، ولم يهدأ طموحها حتى أتبعته بالماجستير بعد بضع سنوات وهي على أعتاب المئة.
وفي كينيا تخطّى كيماني ماروغ هيبة سنين عمره، وجلس على مقاعد المرحلة الدراسية الابتدائية وهو في الرابعة والثمانين.
أما آنا ماري روبرتسون موسى فقد بدأت مسيرتها في محراب الفن وهي ابنة ثمانٍ وسبعين.
هذه ليست قصصًا عابرة، بل هي قَبَسات مُلهمة تؤكد أن الشغف لا يعترف بالوقت، وأن العقل يظل متوقّدًا مهما طال به العمر، وأن الحواجز النفسية تتهاوى أمام جسارة الروح.
ورغم حالة الانبهار التي تملؤنا أحيانًا ونحن نستمع لبعض هذه الأخبار، إلا أن كثيرين ربما يتهيّبون تجاوز الأُطُر التقليدية الشائعة؛ فلأسبابٍ عديدة، يضع معظم الناس محطات حياتهم في قوالب زمنية محددة، تفرض مواقيت صلبة للتعليم والزواج والإنجاب والعمل … إلخ. حتى التفاصيل البسيطة والصغيرة، قُيّدت في الغالب بمراحل عمرية معينة يستهجنها الوعي الجمعي إن هي تجاوزت توقيتها المعتاد!
فما زلت أذكر تلك التي اعتراها الخجل من إقامة عرس لأنها تجاوزت الخامسة والأربعين، ولسان حالها يقول بأسى: “… والعرس لصغيرات السن”! وذاك الذي تخلّى عن حلم اللحاق بقطار التعليم لأنه يخشى ممن قد يعايره بـ “بعد ما شاب ودُّوه الكتاب”!
ومنذ وقت قريبٍ جدًا فاجأني تعليق على فيديو نشرته في حسابي على منصة تيك توك، لجزءٍ من حفلٍ غنائي حضرته مؤخرًا لمطرب قدير من جيل الأصوات الذهبية الذي ما زال رخيم الصوت، متألق العطاء، حيث اقترح – بكل غلظة وفجاجة – سَنَّ قانون يمنع أي فنانٍ تخطّى الستين من الغناء، “احترامًا للشيب” كما زعم!
حتى الأمور البسيطة نجد من يستنكرها ويتنمر على أصحابها، لمجرد أنها – في الذهنية العامة – حكرٌ على فئة عمرية محددة، وليس بعيدًا عنا استكثار ارتياد المقاهي على كبار السن، أو ارتداء الألوان الزاهية على كبيرات السن، والاتهام القاسي بأنهم يعيشون وقتًا ليس وقتهم، ويتشبثون بعمرٍ تجاوزوه .. وتجاوزهم!
والأقسى عندما نجدهم يرضخون لهذه الرؤية القاصرة، وينكفئون على أنفسهم في عزلةٍ مهزومة، لأنهم صدّقوا – للأسف – أن الزمن قد تجاوزهم بالفعل!
مخيفةٌ ومجحفة تلك الفكرة التي تطلب منّا أن ننهي حياتنا قبل أوانها! والحقيقة أننا نَئد نموّنا وتطورنا، ونحرم أنفسنا متعة التنعّم بمسرّات وحظوظ الدنيا، ونأسر أنفسنا بقيود الخجل والعيب اللذين يوضعان في غير موضعهما!
إن الطموح والعطاء لا يشيخان، والقلب النابض بالشغف وحب الحياة لا يقعده العمر. الوقت لا يفوت أبدّا، والأوان لا ينتهي. هناك دائمًا فرصة ومتّسع لأيّ بداية طالما لدينا الشغف والقدرة، فداخل كلٍّ منا ضوءٌ باقٍ ما بقيت الحياة فينا، ولن يخبو إلا عندما نختم رحلتنا في هذه الحياة بأمر الله، فلا تطفئوه قبل الأوان.
وآخر القول..
الحقيقة التي لا ريب فيها هي أنك أنت ميقات نفسك.
