آل باتشينو العائد إلى البطولات المطلقة: من الصعب أن أجد الأدوار التي تستهويني

منوعات

آل باتشينو

فيلمان لآل باتشينو (74 سنة) عُرضا في مهرجان «فينسيا» الأخير يؤكدان مجددا على أنه أحد أهم رموز التمثيل في السينما العالمية. في فيلم «الإذلال» يلعب دور الممثل السابق الذي يرفض العودة إلى التمثيل ويغوص في مشكلات مع فتاة تصغره سنّا قبل أن يقرر الاستجابة لحبّه الأول ويعود في مسرحية شكسبيرية. وفي «منغلهورن» هو صانع المفاتيح الذي يعمل بصمت منطويا على حب قديم لا يزال مشتعلا في قلبه رغم استحالة العودة إليه.

كلا الفيلمين انتقل من مهرجان فينسيا إلى مهرجان تورونتو بأمل العثور على موزع لها ذلك أنهما أنتجا بمعزل عن الاستوديوهات الكبيرة والمؤسسات الإنتاجية الضخمة التي توفر لهما عقودا للتوزيع داخل الولايات المتحدة أو في أي مكان آخر.

يشير باتشينو في حديثنا معه بين واقع العمل في أفلام من هذه الفئة الفنية (المستقلة) ومصاعبها في الوصول للجمهور الذي ما زال يحفظ له أدواره القممية مثل «العراب» و«سربيكو» و«سكارفايس» و«طريقة كارلتو» أكثر مما يحفظ له معظم أدواره الأخيرة ومنها «في أي يوم أحد» و«دوني براسو» و«88 دقيقة» و«قتل صائب».

كل من «منغلهورن» و«الإذلال» يقدّم الممثل باتشينو في دور بطولة أول، هناك ممثلون آخرون معه مثل هيلين هانت في «منغلهورن» وغريتا غرويغ وكايرا سيدجويك في «الإذلال»، لكن باتشينو يظهر في كل مشهد من مشاهدهما مستوليا على الاهتمام وباثا روح الإعجاب عبر الطريقة الذكية التي يتعامل فيها مع دوريه.

وهذا نص الحوار الذي دار معه على هامش مهرجان فينيسيا السينمائي:

* فيلمان معا في فينسيا كلاهما يشير مجددا إلى موهبتك الرائعة التي تكتنزها. هل أنت في مرحلة جديدة من حياتك المهنية؟

– ‬ لا أعلم تماما كيف أجيب عن هذا السؤال. من ناحية مهنة الممثل متواصلة تدخل أحيانا في منعطفات وتصعد هنا وتهبط هناك لكن من ناحية ثانية لا أعرف كيف أنظر إليها كمراحل. لقد وجدت نفسي معجبا بهذين المشروعين لأن كلتا الشخصيّتين جديدة ولأنني كممثل مطالب بالبحث دائما عن أدوار جيّدة. في الآونة الأخيرة، لنقل في السنوات العشرين السابقة، صار من الصعب أن يجد الممثل، مثلي، الأدوار التي تستهويه متى شاء.

* ماذا تقصد بممثل مثلي؟

– أقصد ممثلا من جيلي. حين بدأت في الستينات كان المستقبل ما زال بعيدا يتحقق تدريجيا في كل فيلم خطوة خطوة.. أو فيلم وراء فيلم. لكن كما لا شك أنك تعلم اختلف الجمهور عما كان عليه في تلك السنوات السابقة، صار – لنقل – أكثر انتقاء لما يعجبه. بما هو متصل بالتطوّرات الحديثة. يشاهد الأفلام التي تتضمّن الكثير من الحركة والمؤثرات ويبتعد عن تلك التي تتحدث عن الإنسان بعزلة عن العناصر التي تثير إعجابهم. لا أقصد نقد هذا الجمهور فهو في النهاية يفعل ما يريد، لكني أقصد أن مثل هذه المواضيع التي شاهدتها في «منغلهورن» و«الإذلال» هي مواضيع للراشدين الذين يعرفون (المخرج) باري ليفنسون وإنجازاته ويعرفون هيلين هانت الرائعة ويعرفونني.

* كيف بدأت العمل على «الإذلال»؟ أعتقد أنك كنت مسؤولا عن المشروع إلى حد ما.

– نعم، إلى حد ما. لقد اشتريت حقوق رواية فيليب روث وطلبت من باري ليفنسون أن يقوم بإخراجها. بعد أن أصبح السيناريو جاهزا مررنا بكل المراحل العادية التي تسبق التصوير واخترنا الممثلين وقمنا باختيار مكان التصوير.. أردت أن يبدو الفيلم مثل حكايته، جميلا في أماكن حدوثه ومرتاحا.

* هل كان لدى الكاتب روث أي اقتراحات محددة بالنسبة لهذا العمل؟

– الكتاب والفيلم وسيطان مختلفان تماما. كان لديه تصوّره بطبيعة الحال، لكن للفيلم حالته الخاصّة طبعا وقد لا يعبّر كل منهما عن الآخر على نحو كامل. الرواية أساسا درامية جادة لكن (كاتب السيناريو) بك هنري وباري ليفنسون اقترحا جعلها أقرب إلى الكوميديا الساخرة. كوميديا خفيفة من دون أن تفقد معانيها وأزمة بطلها. لا أعتقد أن روث كان يتصوّر أنه يمكن خلق فيلم كوميدي من كتابه.

* إذن ليست هناك من مراحل في الحياة الفنية، أو هكذا تنظر أنت إلى سنوات المهنة، لكن يبدو أنه من الممكن اعتبار أدوارك في السنوات العشرين الأخيرة قد انقسمت إلى فئتين: أفلام تذكّر المشاهد بأدائك الرائع سابقا وبأفلام كانت تنفيذا لعقود. هل توافق؟

– ظهرت في خمسين فيلما لكن حتى في سنوات البداية، في السنوات الذي كان اسمي ما زال جديدا ومهنتي في صعود نسبة للأفلام التي مثّلتها، ستجد بين ما مثلته في السبعينات والثمانينات أفلاما، كما تقول، تنفيذية. لم أحاول أن تكون كذلك ولم أمثل فيلما واحدا لأن هذا هو المطلوب مني أن أقوم به، لكن أقصد أن أقول إن المستويات لا يمكن أن تكون واحدة طوال هذه الفترة أو في أي فترة من فترات المهنة. نتحدث عن عشرات الأفلام وليس عن خمسة أو ستة أفلام. لكن أعتقد أن بعض الأفلام الأخيرة التي مثلتها لم تنجز كما كنت أنا كممثل أو أنت وسواك كمشاهدين نتمناها. هذا طبيعي.

* في كلا هذين الفيلمين الجديدين تؤدي عمرك الحقيقي أو ما هو قريب منه. هل هذا سهل أم صعب؟

– (يضحك) سؤال ذكي. أحب الطريقة البسيطة التي وضعته بها. أعتقد أنه سهل من جانب أنه ليس علي أن أمثل شخصية أصغر سنّا. أحيانا الممثل محكوم بمثل هذا الدور وعليه أن يحسب أن سلوكه أمام الكاميرا يجب أن يتماثل والعمر الذي ينص عليه الدور حتى ولو كان الفارق عشر سنوات أو خمسة عشر سنة. هنا لم تكن هناك حاجة لذلك. لكن الصعوبة هي في أن الكثير من المشاعر المتداخلة في هاتين الشخصيّتين تلتقي والمشاعر التي تخالج الممثل لأنه ليس ممثلا أصغر سنّا يحاول تقليد كيف يشعر أو يتصرف لو كان بمثل هذا العمر. هل تفهمني؟ أعتقد أنه وضع من ذلك الذي يمكن وصفه بالمثالي.

* كيف تشعر شخصيا حيال كونك أصبحت في السبعينات من العمر؟

– العمر هو ما أنت عليه. لا تستطيع أن تخدعه. تستطيع أن تتمتع باللياقة والصحة وتتغلب بذلك على الشروط البدنية التي تمر بها في تلك السن لكنك لا تستطيع أن تتصرّف كما لو كنت ما زالت الشخص الذي عرفته حين كنت صغيرا وبنفس الطريقة.

* هل اضطررت خلال تصوير «منغلهورن» أو «الإذلال» للقيام بأي جهد بدني؟

– كما رأيت لم يتطلب أي من هذين الفيلمين حركة سريعة أو مطاردة أو سقوطا أو أي شيء من هذا القبيل. لكن «منغلهورن» تطلب مني التصوير في مكان لم أزره من قبل والنوم على سرير ليس لي وهذا وجدته صعبا. إذا لم أكن متآلفا مع المكان قد لا أرتاح نفسيا له إلا من بعد الاعتياد عليه وحين أعود إلى منزلي أشعر بأن عطلتي بدأت الآن.

* سألتك قبل أكثر من سنتين عما إذا كنت تريد الاستمرار في الإخراج. كنت آنذاك انتهيت من تصوير «سالومي».. أسألك الآن إذا ما كان لديك فيلم جديد ستقوم بإخراجه.

– لا أعتقد. ليس لدي رغبة في ذلك. حوافزي للإخراج ليست كحوافز باقي المخرجين ولا أعد نفسي مخرجا، بل أنا ممثل أخرجت بعض الأفلام التي كانت ولا تزال تعني شيئا خاصّا جدا بالنسبة إليّ. أحببت «سالومي» مع جسيكا شاستين. لا أشعر بأني أمتلك ما يتألف منه الإخراج كمهنة أو كحرفة. أنا بصراحة غريب عنه، حتى ولو أعجب النقاد.

* آنذاك كنت في سبيل عودتك إلى المسرح لتمثيل «غلنغاري غلن روس». كيف تبدو التجربة الآن؟

– أعتقد أنك شاهدت الفيلم ولم تشاهد المسرحية لذلك أستطيع القول إن هناك فروقا كبيرة بينهما. بالنسبة لي مثير للاهتمام كثيرا أني قمت بالتمثيل في ذلك الفيلم وقمت أيضا بتمثيل المسرحية. في السابق كان هناك ممثلون يداومون تمثيل الشخصية ذاتها في أكثر من فيلم. كأن يشتهر الممثل بأداء شخصيات شكسبيرية، مثل لورنس أوليفييه مثلا، رغم أنه مثل خارج شكسبير أكثر مما مثل شكسبير في السينما على الأقل. هذا جيّد ولا أعتقد أنه أمر سيئ، لكن بالنسبة لي محدود لأن الأعمال التي عرفتها كانت أكثر تنوّعا ولم يشكل أحد منها منوالا دائما. لم أعمد إلى تقديم شخصية واحدة في أكثر من عمل إلا في «العرّاب» طبعا وفي «غلنغاري غلن روس».

* كيف تنظر إلى ممثلي الكوميديا هذه الأيام؟

– هل تريدني حكما على الزملاء الآن؟ لا أستطيع.

* قصدت أن أقول التمثيل الكوميدي هذه الأيام.

– هذا أفضل. المشكلة ليست في الممثل بل في الكتابة. هناك سيناريوهات مكتوبة بدقّة وبروح فنية عالية وتدرك قيمة العمل الذي يود صاحبه أن يراه على الشاشة، وهناك كتابات تبدو لي عشوائية وهي التي تتيح بالتالي لظهور أفلام كوميدية تحمل تمثيلا رديئا. أحيانا هي في الأساس ضعيفة البنيان والكيان. عندما تقرأ سيناريو، وأنا أتكلم الآن عن أي سيناريو، يتحدّث مستواه إليك بوضوح. أنت حر بعد ذلك في أن تقوم به أولا.

* هل ستحاول إيجاد موزّعين للفيلمين في تورونتو؟

– بالتأكيد، إلى جانب أنني أحب المدينة وأحب أجواء ذلك المهرجان كثيرا.

تورونتو: محمد رُضا – الشرق الأوسط