د. محمد العسومي
د. محمد العسومي
كاتب إماراتي

أسعار السلع والنمو الهش

آراء

بعد الانخفاض الكبير في أسعار النفط، انخفضت في المقابل أسعار العديد من السلع الاستهلاكية في الأسواق الدولية، فقد شهدت أسعار الأغذية على سبيل المثال انخفاضاً كبيراً بلغ 12% في شهر إبريل الماضي، مقارنة بشهر مارس وفق منظمة الأغذية والزراعة الدولية «الفاو»، وهو ما أدى إلى التأثير على العديد من المؤشرات الاقتصادية، بما فيها معدلات التضخم.

وإذا كان التضخم قد انخفض بشكل عام في البلدان التي تعاني من مستويات عالية منه، فإن بلداناً أخرى ذات مستويات متدنية من التضخم ساهم فيها انخفاض الأسعار في إيجاد نوع من الانكماش الاقتصادي بلغ 0,1% في بريطانيا و0,7% في الولايات المتحدة في الربع الأول من العام الجاري، وذلك بدلًا من التوقعات السابقة التي أشارت إلى معدلات تضخم منخفضة نسبياً.
ومع أن حالات الانكماش عادة ما يرافقها فقدان الوظائف وارتفاع معدلات البطالة والتباطؤ الاقتصادي وابتعاد الأفراد عن الاستثمار، إلا أن ذلك لم تكن له تأثيرات كبيرة في كل من بريطانيا والولايات المتحدة هذه المرة، علماً بأن رئيسة صندوق النقد الدولي «كريستين لاجارد» قد حذرت مؤخراً من «مخاطر الانكماش»، مشيرة إلى أن «هناك مخاطر متزايدة لانخفاض الأسعار»، معتبرة أن «الانكماش هو ما يهدد التعافي الاقتصادي العالمي الهش».

والمخاطر هنا تكمن في انخفاض الاستهلاك بانتظار المزيد من الانخفاض في الأسعار، مما يؤدي إلى تقلص القوة الشرائية، ويدفع بالشركات إلى تأخير أو إلغاء الاستثمارات للحد من الخسائر، وهو ما يواجه العديد من اقتصادات البلدان المتقدمة حالياً، والذي يتوقع أن تكون له عواقب وخيمة على النمو الاقتصادي.

ومع ذلك، فإن أحد الأسباب التي ساهمت في انخفاض الأسعار والخاصة بانخفاض أسعار النفط يتلاشى تدريجياً مع عودة الأسعار للارتفاع، حيث ارتفعت بنسبة 40% تقريباً منذ بداية العام، مما يعني أن الانكماش الذي تواجهه بعض الاقتصادات الكبيرة، كالاقتصادين الأميركي والبريطاني ربما هي ظاهرة مؤقتة، وخصوصاً أن تأثيراتها على الوظائف والاستثمارات والقوة الشرائية لا زالت محدودة، كما ذكرنا آنفاً.

وفي الوقت نفسه، لابد من التمييز بين الاقتصادات ذات التضخم المنخفض، كالاقتصادات الغربية التي تأثرت بسرعة من جراء انخفاض الأسعار، وبين اقتصادات العديد من البلدان النامية ذات نسب التضخم المرتفعة التي لم تشهد انخفاضات مماثلة في الأسعار، بل حافظت الأسعار على معدلاتها السابقة، في حين ارتفعت في بعضها في مفارقة غريبة ومعاكسة لاتجاه الأسعار في الأسواق الدولية.

وتتعدد الأسباب الناجمة عن ذلك، ففي البلدان التي تعاني من الانكماش عادة ما يتم ربط أسعار السلع في الأسواق الداخلية بأسعارها في أسواق التداول العالمية، في حين أن الأسعار في البلدان الأخرى، إما أنها تتأثر بالأوضاع السائدة، كالحروب والتوترات، أو بغياب قوانين منع الاحتكار وحرية المنافسة، أو بعدم ربطها بمثيلتها في البورصات الدولية.

ونظراً لارتباط أسعار المستهلك بمستويات المعيشة فإن أسعار السلع والخدمات تعد أحد اهم المؤشرات الاقتصادية التي لابد أن يوليها المشرّعون ومتخذو القرار أهمية كبيرة في مختلف البلدان لتجنب التأثيرات الضارة لنسب التضخم العالية ونسب الانكماش التي يمكن أن تلحق الضرر بالنمو الاقتصادي.

وبالتأكيد، فإن مسألة التوازن هذه ليست عملية سهلة في ظل حرية الأسواق والمنافسات المفتوحة، إلا أنها ممكنة للحفاظ على قوة الدفع والاستقرار الاقتصادي، وهو ما تحاول العديد من البلدان تحقيقة حالياً، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان فاجأهما الانكماش، كما أن صندوق النقد الدولي يحاول بدوره البحث عن مخارج لتجنب دخول الاقتصاد العالمي دورة انكماش جديدة ربما تنسف مرحلة النمو الهش الذي تحقق مؤخراً على المستوى الدولي.

المصدر: الاتحاد