د. عبد الحميد الأنصاري
د. عبد الحميد الأنصاري
كاتب قطري متخصص في حقوق الإنسان والحوار الحضاري والفكر السياسي

أوباما وقد أنتج نقيضه!

آراء

غادر أوباما البيت الأبيض، حزيناً قلقاً على مصير إنجازاته الداخلية والخارجية، من القادم الجديد الذي توعد بإلغاء كل ما عمله وجهد فيه. حاول في خطابه الوداعي المؤثر، تذكير الشعب الأميركي بها، مؤكداً أن أميركا اليوم أقوى وأفضل اقتصادياً. وقدم نصائحه لخلفه الرئيس الجديد ترامب، وأشك أن يأخذ بها، لكن ما لم يذكره أوباما في خطابه هو أن الدور القيادي لأميركا، في عهده، تراجع وانحسر كثيراً، لحساب قوى أخرى دولية وإقليمية، استغلت الغياب الأميركي الفاعل، لصالحها، وفرضت أجندتها وحضورها، وشكلت واقعاً جديداً على الأرض. يقول ريتشارد كوهين: منذ الحرب العالمية الثانية، لعبت القيادة الأميركية دوراً محورياً في الحفاظ على السلام العالمي، ومثلما تحولت حلب إلى كومة أطلال، كذلك شهدت موت النفوذ الأميركي، ونجح الروس في القضاء تماماً على هذا النفوذ، وكان لهذا الانحسار والتراجع الأميركي الخارجي، مفاعيل سياسية سلبية داخلية. أميركا العظيمة أصبحت بلا فاعلية ولا مكانة ولا هيبة دولية، لا أحد يهاب أميركا، بل تعرضت لإذلال لم تتعرض له في تاريخها، لدرجة أن إيران أصبحت تتجرأ عليها وتهددها، وزوارقها الحربية في الخليج تتحرش بسفنها دون أي رد يردع الاستفزازات الإيرانية. ولم تتورع طهران عن كيل الإهانات لأميركا، ولا عن إظهار شيء من المراعاة لأوباما في أيامه الأخيرة، وهو الذي منحهم اتفاقية سخية لم يكونوا ليحلموا بها، وتحمل في سبيلها انتقادات كثيرة، وغض النظر عن كثير من مخالفاتها، ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، وأصبح وسيطاً تجارياً يحث رجال الأعمال وكبريات الشركات والبنوك على الاستثمار في إيران! لم تحترم إيران هذا الرجل الذي أحسن إليها، في آخر عهده، ولم تقدر جميله، وكان جزاء الإحسان أن عمدت إلى إقامة احتفالات ذكرى مرور عام على إذلال البحَّارة الأميركيين، ومع ذلك لم يشأ أن يغادر قبل إهدائها اتفاقاً لتزويدها بـ16 طنا من اليورانيوم.

ومن ناحية ثانية: لن ينسى العالم تهديد وتحذير أوباما للنظام السوري بأنه إذا استخدم الكيماوي فسيتعرض لضربة أميركية عسكرية، ثم نكوصه المهين عن تنفيذ تهديده.

ومن ناحية ثالثة: حتى عندما قاد تحالفاً دولياً لمحاربة «داعش»، فإنه كان يتدخل كثيراً في القرارات العسكرية، وكان يتردد كثيراً. وطبقاً لمصادر عسكرية فإن أوباما أخضع كل قرار عسكري، ولو كان صغيراً، لمراقبة سياسية دقيقة، لدرجة أن العسكريين اضطروا لقضاء وقت أطول لإقناعه ببعض القرارات والتحركات، مما أضعف فاعلية ضربات التحالف الدولي لـ«داعش»، وأطال أمد الحرب.

ومن ناحية رابعة: تعجل أوباما بسحب قواته من العراق وأفغانستان، فانتعش الإرهاب واستشرى. وكان لهذه السياسة الانسحابية (القيادة من الخلف)، انعكاسات سلبية: سياسية ونفسية، على الشعب الأميركي، ساعدت على إضعاف الحزب الديمقراطي وتقوية خصوم أوباما من الحزب الجمهوري، وبخاصة الجناح الأكثر يمينية والذي جسده ترامب، تحت شعار «استعادة عظمة أميركا».

لقد فشل أوباما فشلاً ذريعاً في سياسته الخارجية، رغم أنه نجح داخلياً في تحسين الاقتصاد الأميركي، وتقليص معد البطالة.. وكان هذا الفشل الخارجي العامل الحاسم في فوز ترامب، إذ تخلى عنه مناصروه في الداخل، ولم يصوتوا لحليفته هيلاري نكاية فيه، كما اهتزت مصداقية أميركا لدى الحلفاء والأصدقاء، وبخاصة الخليجيين الذين رأوا في سلبية دورها، ما يبعث على القلق وعدم الثقة. لقد تفانى أوباما في استمالة الأعداء واسترضائهم، والإشادة بهم، فيما تخلى عن حلفائه، وحمّلهم المسؤولية، فخسر الاثنان: الأعداء الذين استغلوا نقطة ضعفه، فتغولوا وتوغلوا في الساحة، والحلفاء الذين رأوا في سياسة الاسترضاء وعقد الاتفاقيات مع الأعداء، على حساب مصالحهم، طعنة في الظهر.

وكما كان أوباما، نقيضاً لبوش، جاء ترامب ليكون نقيضاً لأوباما وهادماً لإنجازاته التي افتخر بها، وأهمها «أوباما كير».

المصدر: الاتحاد