رضوان السيد
رضوان السيد
عميد الدراسات العليا بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية - أبوظبي

إيران والسياسات الجديدة تجاه المشرق العربي

آراء

قال وزير الخارجية الإيراني (ظريف) لوزير الخارجية الأميركي (كيري)، في مؤتمر ميونيخ: لا شأن لوزارتي بالملف السوري! وأظنه صادقاً، فقد سمعْتُه بندوة على هامش مؤتمر دافوس يقول: رأينا انسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا! وعندما سُئل عن تدخل «حزب الله» العسكري بسوريا، ارتبك وقال: إنهم عندما تدخلوا لم يستأذنونا! لكنه ما لبث أن أعطى لـ «حزب الله» الحقّ بالتدخل في سوريا من أجل حماية المزارات المقدَّسة! وهو الأمر الذي أثار أحمد داود أوغلو ودفعه للقول (رغم شدة مجاملته لظريف وإيران): لقد هدم بشار الأسد زُهاء الـ1500 مسجد، ومنها مسجد خالد بن الوليد في حمص، فهل يحق لنا التدخل لحماية مساجدنا؟ لا أحد يقبل تعرُّض مزارات إسلامية للتلف أو التخريب، والسوريون السنّة هم الذين بنَوا مقام السيدة زينب في الأصل. وظريف -وأحياناً روحاني- يصرحان من فترة لأخرى باهتمامهما بتحسين العلاقات مع السعودية ثم لا يحدث شيء. و«نصرالله» كان قد قدّم مبادرةً فهمها سعد الحريري إيجاباً، فشجَّع «تمام سلام»، رئيس الحكومة المكلَّف، على السير فيها، لكن «حزب الله» الآن عاد لرفضه الدخول للحكومة الجامعة التي صرخ من أجلها لمدة شهر وأكثر!

هناك دلائل كثيرة على أن السياسات الإيرانية القديمة لم تتغير تجاه المشرق العربي، وتجاه الخليج. بل هناك ظواهر لارتفاع منسوب العنف الإيراني في سائر أنحاء المشرق واليمن: فالعنف في سوريا بلغ أقصى مدياته قبل جنيف2 وبعدها. وهناك حديث الآن عن إمكان نشوب أو بدء «حرب القلمون» بمشاركة النظام السوري و«حزب الله». وفي العراق يصر المالكي على غزو محافظة الأنبار منذ أكثر من شهر، رغم كثرة الخسائر من الطرفين: الجيش والشرطة من جهة، وأهل الأنبار و«داعش» من جهة ثانية. وقد تعمد المالكي استثارة سنّة العراق، بإزالة ساحات الاعتصام السلمي بعد عام ونيف أصرّ خلاله على عدم تلبية مطالب المعتصمين العادلة. وفي اليمن قاتل الحوثيون المدعومون من إيران مجاوريهم من السلفيين والقبائل حتى هجَّروهم من مواطنهم بعد تنكيل وتجويع، ثم انطلقوا باتجاه صنعاء على الجهة الأخرى فاتكين بمواطن آل الأحمر زعماء قبائل حاشد. وبعد احتلال حوث، يصبح هدفهم الوصول إلى ميناء صغير على البحر الأحمر، لكي يتوافر لهم منفذ بحري يستطيعون بعده الإعلان عن دويلتهم المنفصلة، وكل ذلك بدعم إيراني. وكنتُ قد توقعتُ ذلك في محاضرة بالبحرين قبل حوالي عام، كما توقعت أن يسيروا باتجاه صنعاء لملاقاة تمرد ينتظرون أن يحدث داخل المدينة لصالحهم، ويدعوهم للتدخل! وقلتُ وقتها إن الرئيس السابق «صالح»، تتصاعد أحقاده ضد آل الأحمر و«حزب الله»، وقد يتحالف مع الحوثيين، إن لم يكن قد تواصل مع انفصاليي الجنوب اليمني أيضاً!

نحن نعلم منذ حوالي العقدين أن إيران قبضت على عنق المذهب الشيعي في العالم الإسلامي، وهي تطلق تنظيماتها الشيعية المسلحة للتخريب في مشارق العالم العربي وأفريقيا، وربما في مواطن أخرى منها باكستان وأفغانستان. وكان خامنئي في رسالة التهنئة للبابا عام 2013 قد أبدى استعداداً للتعاون في مكافحة الإرهاب، وهو أمر ما كانت إيران لتعلن عن إرادتها التعاون فيه قبل ذلك! ثم هناك أخيراً «القطيعة» مع السعودية، والمقرونة بالاتهامات لها بدعم الإرهاب؛ بينما لا تتورع إيران عن سياسات القتل وسفك الدم بين الأبرياء!

أين تبدو السياسات الإيرانية الجديدة والمعتدلة إذن؟ لا تبدو في أي مكان! ويتحدث بعض الخبراء الإيرانيين عن «قسمة» بين روحاني والحرس الثوري، بمقتضاها يتولى روحاني الملف النووي، والوضع الاقتصادي الداخلي؛ بينما يبقى الحرس في السياسة والأمن بالداخل، وفي علاقات إيران مع دول الجوار. وإذا كان ذلك صحيحاً فمعناه أنّ السياسات الإيرانية التوسعية والتخريبية تجاه العرب لن تتغير. لكنْ هناك من يقول أيضاً إنّ النقاش يجري بالداخل الإيراني بين أصحاب القرار حول فوائد التهدئة مع العرب ومضارها في الشهور المقبلة. فالسليمانيون يرون أنه لابد من استمرار سياسات الضغط العسكري والأمني في الشهور المقبلة، وعدم القطيعة مع «حماس»، ورفض تقديم التنازلات في سوريا والعراق ولبنان واليمن، لإتعاب عرب الخليج، واستنزاف المعارضين المسلحين وغير المسلحين في تلك البلدان، بحيث يطلب العرب الوساطة من الدوليين ومنهم الروس والأميركيون. ومن تلك الضغوط إيقاف الأسد تسليمَ أسلحته الكيماوية، والتي جرى الاتفاق على تسليمها. ورأي سليماني أن إيران أيام نجاد استثمرت في التنظيمات الشيعية و«حماس» و«الجهاد»، أكثر مما استثمرت في النووي، ولا يمكنها الخروج الآن هكذا بدون فوائد. وقد يكون المدخل لكي يُظهر العرب والدوليون أنهم فهموا الدرس: الموافقة على دخول إيران إلى جنيف السورية في المرحلة الثانية أو الثالثة، والنظر في الذي يمكن أن يقدموه من تنازُلات في لبنان وسوريا. والدليل على «فائدة» استمرار القتال في البلدان العربية، أنّ تركيا فهمت الدرس، وجاء أردوغان إلى طهران، وخضع للشروط الإيرانية في الملفين الكردي والعراقي. ويقال أيضاً -من جانب الخبراء الغربيين والإيرانيين- أنّ روحاني بدأ يُصْغي لذلك ويتلمس فوائده. لكنه يريد موافقة خامنئي على البدء بالحديث مع السعودية، وعلى عدم التحرش بإسرائيل لكي لا تستيقظ كل الشياطين النائمة، والتي يمكن أن تُفشِلَ الاتفاقَ النووي، أو تثير الشكوك في مطامح إيران، إذا حاولت تعطيل «اتفاق الإطار» الذي يحاول كيري استحداثه في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

قال لي مسؤول عربي بارز قبل شهرين: مصارعة إسرائيل ليست من ثوابت إيران. لكن هذه الأخيرة وأنصارها لا يستطيعون القتال في كل هذه النواحي إلى الأبد. فحتى يمكن حَصر «ملفات التفاوض» بمصائر «حزب الله» والمالكي، يحتاج الأمر إلى صمود رغم التعب والاستنزاف. ونحن نعرف أنّ ظروف التفاوض لم تنضج بعد، ولا ينبغي أن نقبل بتقسيم الملفّات، بحيث تحصل انفراجات صغيرة في لبنان أو اليمن مثلا. لابد أن تكون الملفات كلُّها على الطاولة، وأن تكون هناك إمكانيات حقيقية للتفكير في المآلات. ويحتاج ذلك إلى توافقات محدَّدة مع الدوليين بشأن الملفات الستة المطروحة: فلسطين واليمن والعراق وسوريا ولبنان والبحرين. وإذا عرفنا أن إيران داخلة في كل هذه الملفات؛ فهذا يشير إلى مدى الخطورة التي بلغها الوضع. لقد نجحنا بعد قيام حركات التغيير في فتح كل الملفات التي كانت إيران وما تزال ترتهنها. واللعبة الآن لعبة عضّ أصابع متبادلة. وهناك من يقول تعالوا نحدّ من الخسائر في هذا الموطن أو ذاك. ورأيي أن ذلك لا يفيد، بل يطيل عمر الأزمات المتفاقمة. فلابد من الصبر، ولابد لهذا الليل من آخِر. وبعد المذبحة في سوريا ليس كما قبلها. وقد قال رسول الله صلواتُ الله وسلامُهُ عليه: إنما النصر صَبْرُ ساعة.

المصدر: الاتحاد