رضوان السيد
رضوان السيد
باحث و أكاديمي من لبنان

الدين والجوائح.. وسحر العالم

الخميس ٠٢ أبريل ٢٠٢٠

اجتاحت العالم كله، على وقع انتشار وباء كورونا، نهضةٌ دينيةٌ ما أتت هذه المرة من جانب رجال الكنائس والوعاظ، بل من عامة الناس، وقد بلغ من ذُعْر بعض ذوي المراتب الكَنَسية من تعبيرات الذين سَرَتْ في صفوفهم هذه الموجة أن سمَّوها: Fetechism، أي أنها من صنف البدائيات السابقة على الديانات الكبرى، مع أنّ الرموز التي استخدمتها الجماهير في استغاثاتها من الوباء تعبيراتٌ دينية، لقد اندفعت العامة حاملةً رموزها باتجاه الكنائس، التي أُقْفلت في وجوههم بأوامر من من إدارات الكنائس والكاتدرائيات، وبأوامر رسمية. فالتجمعات، سواء داخل الكنائس أو خارجها، اعتُبرت بين أسباب انتشار الوباء، والجميع نصحوا الناس بالبقاء في منازلهم، وهي المرة الأولى منذ العصور الوسطى، التي لا يستطيع فيها المذعورون من الأوبئة أو الغزوات الخارجية، أن يتخذوا من أماكن العبادة ملجأً ليحسُّوا بشيء من الأمن. المفكر الألماني وفيلسوف الدين Otto ذهب في كتابه «المقدَّس»، في عشرينيات القرن الماضي، إلى أنّ الدين الذي اعتُبر منتهياً بسبب تحوله إلى مؤسَّساتٍ ضخمة عمدت إلى «رَوتنة المقدس» واستخدامه، لم ينته في واقع الأمر، لا في أوروبا ولا في غيرها، لأنّ «التدين» غريزةٌ إنسانيةٌ تتجاوز العلمانيات الصاعدة، وبينما انصرف كثيرون وقتها لقراءة عمل Otto قراءةً استطلاعيةً ونقدية، أصرَّ الأكثرون على أنّ الموجة الدينية العامة آنذاك علتُها الهزيمة الألمانيةُ في الحرب الأولى، والاضطراب السياسي بالبلاد، والدليل…

محمد عمارة وتحولات المثقفين العرب!

السبت ٠٧ مارس ٢٠٢٠

توفي الدكتور محمد عمارة بالقاهرة قبل أيامٍ عن عُمرٍ عالٍ قضاه ليالي وأياماً في الكتابة والتأليف. فقد ترك الدكتور زهاء الثلاثمائة كتاب، متفوقاً بذلك على مثقفين مصريين آخرين مثل عبد الرحمن بدوي وحسن حنفي، على اختلاف الأصول الثقافية والسياسية. وقد أفاد جيلنا وجيل تلامذتنا من تلك الهمة العالية والنشاط الهائل لعمارة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي عندما أقبل على جمع كتابات النهضويين العرب مثل جمال الدين ومحمد عبده وعلي مبارك والكواكبي وقاسم أمين في صعيدٍ واحدٍ، والتقديم لها بمقدماتٍ مبسوطة، تتضمن استنتاجاتٍ شاملة، وتضعهم جميعاً في قالبٍ واحدٍ أو متشابه: قالب النهوض العربي والإسلامي في مواجهة الغرب وحداثته واستعماره الثقافي والسياسي. وقد كانت لي معه فيما بين السبعينات والتسعينات مواقف تصاعد فيها الجدال بيننا، لكنه كان طيّب الخلق، عفّ اللسان، وما أظنه حمل في نفسه شيئاً ضدّي. كانت المشكلة معه سياسة الأبيض والأسود والتي لا تُفرّق بين المراحل والأفكار والأبعاد، وتبدو في مجملها دفاعاً عن الإسلام، وعن العربية، وعن ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها، رغم المراحل الفكرية التي مرَّ بها: من اليسار إلى القومية العربية فإلى الإسلام. فعندما كان يسارياً كان ابن رشد والمعتزلة وأحمد بن حنبل والأشاعرة وابن تيمية كذلك. وعندما غلبت عليه النزعة القومية غلبت في نظرته إليهم جميعاً الرؤية الأصالية والعربية في وجه اليونان وفي وجه الشعوبية.…

انسدادات لبنان ومزاعم الانفراج

الأحد ٢٥ فبراير ٢٠١٨

زار ساترفيلد، المسؤول الكبير في وزارة الخارجية الأميركية، لبنانَ قبل زيارة وزير الخارجية تيلرسون وبعدها. وشاع أنه كانت هناك وساطة أميركية بين لبنان وإسرائيل على أمرين: الجدار الذي تبنيه الدولة العبرية على الحدود البرية مع لبنان والحدود البحرية مع فلسطين، والتي يريد لبنان البحث عن النفط والغاز فيها (بلوك 9)، وتزعم إسرائيل أنها مختلفةٌ مع لبنان على حوالى الثلاثمائة كيلو متر بحري منها. وقد قال المسؤولون اللبنانيون إنهم رفضوا الاعتداءات الإسرائيلية في البر والبحر، ورفضوا خط الأميركي فريدريك هوف باعتباره حلاً وسطاً بين الطرفين. وقد عاد ساترفيلد من إسرائيل ليقول للبنانيين إنّ الإسرائيليين مصرون على الاستمرار في الجدار، ويعتبرونه داخل «حدودهم»، أما الحدود البحرية فهم مستعدون للتنازل إلى حدود 15% من المطالب بدلاً من 25%، وهو أمر رفضه اللبنانيون. إنما بين ذهاب ساترفيلد إلى إسرائيل وعودته، كان «نصرالله» قد ألقى خطاباً قال فيه إنه لا يحمي استثمارات لبنان البحرية غير صواريخ «حزب الله»، باعتبار أنّ الجيش اللبناني لا يملك صواريخ (!)، وأنه مستعدٌ لوضع قوته الصاروخية في تصرف لبنان إذا قرر المجلس الأعلى للدفاع تكليف الحزب بذلك! وهناك عدة أمور غريبة في هذا الأمر بالذات. فلبنان تحمي حدوده البرية والبحرية القرارات الدولية، وبخاصةٍ القرار رقم 1701. وبمقتضى القرار هناك نحو 15 ألف عسكري دولي، وعشرة آلاف جندي لبناني على الحدود…

مصر تستعصي على الإرهاب

الجمعة ٠١ ديسمبر ٢٠١٧

كان تفجير جامع الروضة هو الأفظع من حيث عدد الضحايا. بيد أن فظاعته تتجاوز الأعداد إلى أمورٍ أُخرى لا تقل عن ذلك فظاعة. فهو مسجدٌ، والضحايا، كباراً وصغاراً، حضروا لصلاة الجمعة والجماعة. والهجوم لا يستهدف الجيش وقوات الأمن مَثَلاً، بل هم مدنيون لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. وهذا أدى إلى استقصاد القتل أكبر عددٍ ممكن. كما هو المعروف عن إدارة التوحش لدى «داعش» وأشباهه من مجموعات الإجرام الهمجية. مضت على مصر قرابة السنوات الأربع في العاصفة الأخيرة من عواصف الاستهداف للدولة المصرية والمجتمع المصري. وهي الفترة ذاتها التي هبّت خلالها عواصف مشابهة على سوريا والعراق وليبيا والجزائر ومالي ونيجيريا. والتشبيه يتعدّى الأعداد الغفيرة من الضحايا، وطرائق الهجمات، إلى محاولة الاستيلاء على مناطق والتحصن بها. وفي كل مرة بعد إحدى الهجمات المتوحشة، تنطلق جوائح اللوم على القوى الأمنية لأنها لم تتوقع الهجوم فلم تستعد له. كما ينطلق الهجوم على الأزهر، لأنه لا يكفّر قوى الإجرام هذه التي تكفّر الجميع، وتقتلهم. لا يمكن لقوات الأمن وضع حراساتٍ على المائة ألف مسجد بمصر. ولذلك فإنّ على الجماعات المحلية أن تلعب دوراً في حماية دور عبادتها، وأماكن تجمعاتها في الأفراح والمآتم. والدولة المصرية منذ آمادٍ وآماد، لا تقبل تكوين ميليشيات أو الاستنصار بجماعاتٍ محلية، التي ما تلبث أن تجد لنفسها وظيفة أُخرى أو وظائف…

الإسلام وأوروبا وإمكانيات الإسلام الأوروبي

الجمعة ٢١ يوليو ٢٠١٧

حضرتُ في منتدى أصيلة التاسع والثلاثين محوراً من ندواتٍ أو وُرَش عملٍ ثلاث (17 – 20 / 7 /2017) بعنوان: المسلمون في الغرب. والندواتُ والأعمال عن هذه المسألة المتفجرة كثيرة بل طاغية في الأعوام الأخيرة، بعد التفجر الثاني أو الثالث للعلائق على حواشي افتراس الدواعش وإيران وروسيا وأميركا لحركات التغيير العربية. إنما على كثرة الأعمال والاستطلاعات وعدم جدية أكثرها أو تحيزاتها؛ فإنني حرصتُ على الحضور والكلام في محور منتدى أصيلة عن هذا الموضوع الخطير، للجدية التي تتميز بها أعماله في كل ما يقوم به بريادة وقيادة الأستاذ محمد بن عيسى الوزير السابق للثقافة والخارجية بالمملكة المغربية. وبالفعل فقد تحدث أو علّق نحو الثلاثين من الباحثين المتخصّصين، والآخرين من الضيوف الحضور المهتمين. إنّ أولَ ما حرض الباحثون في الندوات عليه هو عدمُ الغرق في التاريخ الخاصّ بهذه العلاقة وإشكالياتها إلاّ بقدْر ما يعين ذلك على فهم التفجر الحالي. فالهجرة القديمة إلى أوروبا جاءت على وجه الخصوص من طرف شعوب المستعمرات الأوروبية في آسيا وأفريقيا. وهذا يسري على سائر تلك البلدان، حتى بعد قيام الدول الوطنية المستقلة في تلك الأقطار، ولو بعد نضالٍ وطني وحروب تحرير كما حصل في الجزائر وكينيا وإثيوبيا... الخ. لماذا استمرت الهجرة أو تعاظمت بعد الاستقلال إذن؟ يُصرُّ نقّاد الخطاب الاستعماري من اليساريين على إدانة سياسات الدول الاستعمارية…

احتفالات سليماني والعراقيين

الأحد ١٦ يوليو ٢٠١٧

احتفل العبادي من الموصل بتحريرها من «داعش». وفي الوقت نفسه كان الجنرال سليماني يخطب من طهران، فيتحدث عن الجيش العراقي، وعن «الحشد الشعبي» وجهوده، وعن حسن نصر الله وإنجازاته. أما نصر الله فأثنى على العراقيين ليس لأنهم حرروا الموصل، بل لأنهم استعصوا على الأميركيين، وخالفوا توجيهاتهم، لذلك تحقق التحرير(!). أما التحالف الدولي فاهتمّ بهذه المناسبة ليس بتحرير الموصل فقط، بل وبتحذير العراقيين من ظهور «داعش»-2 إن لم تكن هناك مصالحة وطنية. هل هناك افتراق بين هذه الأطراف؟ يصعُب تجاهل الفروقات والافتراقات. إنما لا يمكن حتى الآن تقدير المديات. ومن ناحيةٍ أُخرى، لا يمكن اعتبار العبادي فريقاً مستقلاً، فقد كان جهده الأكبر منصباً على عدم ظهور الخلاف بين الطرف الإيراني والتحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة. لكن الأميركيين كانوا يقصدون من وراء نصائحهم أمرين: الحيلولة دون ظهور مناخ تهجير وقتل يؤدي إلى ظهور تطرف آخَر، وعدم إيصال الخلاف مع الأكراد إلى نقطة اللاعودة، والذي حصل في الأمْرين أنّ الأجواء مهيئة بسبب تصرفات سليماني وحشوده لتسممٍ آخر لا تُدرَك عواقبه حتى الآن، إذ هناك خمسة ملايين مهجَّر عراقي منذ عام 2013. وهناك ألوف قُتلوا أو خُطفوا ومصيرهم غير معروف، وبعض ذلك من تصرفات الجيش والشرطة العراقيين، بيد أنّ معظم التهجير والتقتيل يعود لـ«الحشد الشعبي»، فالأميركيون مُحقُّون لهذه الناحية عندما يحذرون من «داعش»-2. وقد…

العروي وجائزة الشيخ زايد

الإثنين ٠٨ مايو ٢٠١٧

حصل أستاذ الجيلين الرائد المفكر عبد الله العروي على جائزة الشيخ زايد لعام 2017 في القسم المميز منها، «شخصية العام الثقافية». وقد سميتُه أستاذ الجيلين لأنّ المصريين كانوا يسمون أحمد لطفي السيد، الشخصية الفكرية والليبرالية المعروفة فيما بين العشرينيات والخمسينيات من القرن العشرين، أستاذ الجيل، ويقصدون بذلك ريادته إلى جانب محمد حسين هيكل وطه حسين وآخرين في التعريف بالفكر الليبرالي والنهضوي الأوروبي في تلك الحقبة. وما كان عنده تلاميذ كثيرون لأنه ما درّس طويلاً بالجامعة الوطنية المصرية. أما العروي فهو أستاذ الجيلين: جيل الزملاء، وجيل التلامذة (من السبعينيات وإلى مشارف القرن الـ21). لقد عرفناه جميعاً في كتابيه الأولين: «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» (1970)، و«العرب والفكر التاريخي» (1973). وقد كتب كثيرون ومنذ سبعينيات القرن الماضي عن هيغليته، وعن المفاهيم التي تحكم مقارباته، خاصة مسألة الفوات التاريخي. أما أنا، وقد كنتُ أُتابع دراساتي العليا بجامعة توبنغن بجمهورية ألمانيا الاتحادية، فقد لفتني في كتاباته أمران: النزوع لمقاربة الحالة أو الموقف من خلال الفهم أو التعقل، والنزوع للتحديد المفهومي من أجل النمذجة، وبالتالي التعددية والشمول. وهاتان الخاصيتان كنتُ أتعلمهما وقتها عن ماكس فيبر (1864-1920) السوسيولوجي الألماني الكبير، والذي لم يكن هيغلياً بالطبع. وعلى أي حال، ومنذ ذلك الحين وإلى اليوم، تمايز العروي في تفكيري واعتباري هو وهشام جعيط عن الجابري وأركون وآخرين من عشاق الفهم…

وعي الجمهور العربي ومشاغله وبدائله

الجمعة ٠٧ أبريل ٢٠١٧

لا يمكن بالطبع اعتبار الجمهور الذي يحضر لسماع محاضرة في قاعة الملك فيصل بالرياض جمهوراً عادياً، مثل أولئك الذين يستمعون إلى مقابلة في إحدى القنوات الفضائية. أقول ذلك بمناسبة سفري إلى الرياض لحضور احتفال جائزة الملك فيصل التي حصلتُ عليها في الدراسات الإسلامية. ومن ضمن ترتيبات الجائرة إلقاءُ محاضرة بقاعة الملك فيصل في موضوعٍ يختاره المحاضر، وقد كانت المحاضرة عن أعمالي في التفكير السياسي في الإسلام. وكان الجمهور الحاضر كثيفاً، ولا أذكر كثافة مشابهة إلا قبل أكثر من عشر سنواتٍ عندما حضر صمويل هنتنغتون صاحب «صراع الحضارات». ما حضر هذا الجمهور النخبوي للتحدي أو للمعارضة، فأكثر الحاضرين من الكهول والشيوخ محبٌّ ومهتم. بيد أنّ الأكثرين حضروا مصممين على أمورٍ وأولويات مختلفة عما اعتدتُ عليه من خطابٍ وأولويات. لقد كان همي أن أعرض رؤيتي لمدارس التفكير بالدولة في المجال الإسلامي القديم، وهي تتضمن آراء وانطباعاتٍ أُخرى عن علائق الدولة بالدين. ولأنني كتبتُ أيضاً في سياسات الإسلام الحديث والمعاصر؛ فقد أردتُ إلقاء نظرة على متغيرات الوعي والواقع، والتي وقعت في أصل التفكير الديني والسياسي في الأزمنة الحاضرة. ولأنني حصلتُ على جائزة الملك فيصل، فقد رأيتُ أنه من المناسب الحديث عن إمكانيات التأهل العلمي والمرجعية في الدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وهو ملفٌّ معقَّدٌ ذو صلة وثيقة بالتفاوتات الشاسعة المعرفية والمنهجية والموضوعية والتاريخية…

مسألة الأقليات.. لماذا تتجدد؟

الإثنين ٠٦ مارس ٢٠١٧

كان مؤتمر الأزهر عن «الحريات والمواطنة والعيش المشترك» فرصةً للقاءٍ جديد بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي. وقد صدر عنه إعلانٌ قال بالدولة المدنية والمواطنة والحريات الخاصة والعامة. واعتبر الدولة الوطنية صاحبة المسؤولية الأولى عن حماية المواطنين وأمنهم وحرياتهم ودمائهم وكراماتهم وحقوقهم. لكنه، وللمرة الأولى فيما أعلم، أقام توازياً بين المواطنة، وما يجري الحديث عنه من حقوق للأقليات وضروراتٍ حمايتها. منطق إعلان الأزهر أنّ المواطنة في الدولة المدنية الدستورية هي الحافظة لحقوق وحريات سائر المواطنين، بما في ذلك الحريات الدينية والسياسية. وفي ظل دولة المواطنة، لا مجال للحديث عن حقوق خاصة للأقليات الدينية أو الإثنية أو الجهوية، لأنّ المواطنة تمثل شراكةً كاملةً وضماناً كاملاً لسائر الأفراد والفئات الاجتماعية. وتابع إعلان الأزهر أنّ حديث الأقليات كان ينبغي أن ينتهي بنهاية عهود الاستعمار الذي كان يضرب على هذا الوتر، لكنه تجدد بسبب الإغراءات الخارجية، وبسبب تراجع تجربة الدولة الوطنية، وتعرُّض الأقليات الدينية والعرقية للضغوط والتهجير والقتل من جانب المتطرفين. والحلُّ الصحيح يتمثل في أن تستعيد الدولة الوطنية، دولة الحكم الصالح والرشيد قوتها، بحيث تحتكم إلى مبدأ المواطنة ومقتضياته الذي فيه ضمانٌ للجميع. وبذلك يصبح النضال من أجل استنقاذ الدولة الوطنية هماً مشتركاً لأنها تشكل الضمانة الوحيدة الدائمة للجميع. أما الدخول في حقوق الأقليات وتحالفاتها، فإنه يُفسد الفكرة الوطنية لأنه يؤدي إلى توزع…

العدالة والإنصاف والمسألة العربية

الجمعة ٣٠ ديسمبر ٢٠١٦

أقام أستاذ الفلسفة السياسية الأشهر في القرن العشرين الأميركي جون رولز في كتابه: فلسفة العدالة (1971) مقولته على مبدأ الإنصاف. وقال إنها ممكنةٌ بل مرجَّحة التحقق في الدول الحرة الحسنة التنظيم، أي التي تحولت فيها مبادئ العدالة إلى قوانين وأنظمة وسياسات. وعندما تكاثرت عليه الانتقادات من اليمين واليسار، باعتبار أنّه إذا انقطعت هذه المبادئ عن الأُسس والأصول وعن الغايات، تصبح مسائل إحصائية تُداخلُها الأهواء، أنكر ذلك وأضاف أن الأصول للنظرية هي «الوضع الأصلي»، أو ما صار يُعرفُ بالعقد الاجتماعي، الذي أقدم عليه بشرٌ أحرارٌ عقلاء أجمعوا على تلك المبادئ الضرورية لقيام الاجتماع البشري واستمراره، أمّا الغايات فهي استهدافُ إحقاق الخير العام. إنما في أعمال الدول وسياساتها فإنّ المطلب تحقيق العدالة القائمة على الإنصاف. وإذا كان شيء من ذلك قد تحقق في دول الغرب الليبرالية، والديمقراطية على وجه الخصوص، فإنه غير مستحيل التحقُّق على مستوى العالم، ومن الأمثلة على ذلك ميثاق الأمم المتحدة (1945)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948). لماذا نذكر هذا كلَّه هنا والآن؟ لأنه بعد أربعين عامًا وأكثر على الاحتلال الإسرائيلي للقدس والضفة الغربية وغزة (1967) وبدء بناء المستوطنات في المناطق المحتلّة، أمكن لمجلس الأمن اتخاذ قرارٍ شبه إجماعي باعتبار المستوطنات أعمالاً غير قانونية وغير مشروعة بحسب القانون الدولي. لماذا أمكن ذلك أخيرًا وما كان ممكنًا من قبل؟ لأنه…

الفوز الصاعق لترامب.. وماذا ينتظر العرب؟

الخميس ١٠ نوفمبر ٢٠١٦

ما توقّع أحدٌ فوز دونالد ترامب حتى ترامب نفسه، كما تقول إحدى المعلِّقات في الـCNN! لكنه رغم ذلك فاز وبفارقٍ بارز. ويتحدث المراقبون الذين يحاولون الفهم، وإن متأخرين، إنّ هناك عاملين رئيسين لنجاحه: تصويت الريفيين له وأهل البلدات الصغيرة والمتوسطة، والعامل الثاني تصويت البيض المنخفضي التعليم الذين نالت منهم أزمة ومتغيرات أسواق الأعمال نتيجة الثورات التكنولوجية المتلاحقة. ومع أنّ هذا التعليم بشقيه غير مقنع، لأنّ الطبقة الوسطى الحضرية الأميركية هائلة الحجم، فإنّ المفارقة تبقى أنّ ترامب ليس من العمال ولا من المناضلين من أجل حقوقهم، بل هو من طبقة كبار رجال الأعمال. وما عُرف عنه اهتمامٌ بقضايا الفقر والتهميش مثل ساندرز مثلاً الذي كان خصماً لكلنتون واجتلب إليه شباناً وشابات من محبي التغيير! إنّ المعروف عن الرجل الفائز فضلاً عن قصصه النسائية، تهربه من الضرائب، وكثرة دعاواه على الذين ينفذون مشاريعه، وعلى زملائه من رجال الأعمال، واحتقاره العامة والفقراء. إنما بدلاً من الانهماك في ذكر مساوئه، التي درج الجميع، بمن فيهم أقطاب الحزب «الجمهوري»، على التشهير بها، والحيرة إزاء شعبيته بين جماهير الحزب والعامة، فلنتجه إلى فهم الظاهرة، وتأثيراتها في الغربين الأميركي والأوروبي، ثم في المشرق والعرب. «جمهور جديد» هناك جمهورٌ جديدٌ من سائر الأعمار، وفي أميركا وأوروبا، ثائرٌ على تقاليد المؤسسة الحاكمة. ولثورانه أسباب أهمُّها الانضباط الشديد المفترض بحسب…

التحالف الطائفي ضد العرب

الأحد ٢٣ أكتوبر ٢٠١٦

إنَّ الجاري ضد مدينتي حلب والموصل الآن هو عبارة عن حلقات في سلسلة تمضي من طهران إلى بغداد إلى دمشق وبيروت واليمن، ورأسُ الحربة في العملية كلّها طهران، وقد كسبت لها روسيا الاتحادية، وحيّدت الولايات المتحدة بوعي أو بتقدير استراتيجي مختلف، وقد ظللتُ آمُلُ أن الولايات المتحدة ربما كانت لها تقديراتها الاستراتيجية المختلفة، حتى صدور قانون «جاستا» عن الكونغرس، فاستقرَّ لديَّ الاقتناع بأنَّ واشنطن أيضاً ضمن التحالف ضد العرب والإسلام السني. إنَّ ذلك الأمر لا يمكن تسميته «مؤامرة» بالمعنى المعروف. لأن كل ذلك يجري عَلَناً وبدون تسويغات، وقبل الوصول إلى طهران وآثارها الطائفية والقتالية، لننظر في الوقائع الأخيرة على الأرض، ومنها الإعلان عن هدنة الـ72 ساعة على الجبهة اليمنية. لقد رحَّب الحوثيون بالإعلان، وجاء ترحيبهم مجرَّداً وبدون الالتزام بأي شيء من مندرجات القرار الدولي رقم 2216، مع الإعلان عن اعتزامهم تشكيل الحكومة الانفصالية التي تحدثوا عنها سابقاً! ولقد صرنا نطلب منهم فقط أن يفكّوا الحصار عن تعز، أو ما هو أقلّ: السماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى المدينة المنكوبة! والواقعةُ الأخرى الهدنة التي أعلنها الروس بمدينة حلب من طرف واحد، وقالت الأمم المتحدة إنها ليست كافية، ولا ضمان فيها لإدخال المساعدات إلى شرقي المدينة. حلب موجودة الآن على لائحة التهجير. وأردوغان يُهوِّل بأنّ تركيا ستضطر لاستقبال نصف مليون أو مليون لاجئ.…