زياد الدريس
زياد الدريس
كاتب سعودي؛ كان سفيراً لبلاده في منظمة اليونسكو

الفشيليتيتور!

آراء

ليست المرة الأولى ولا الثانية التي تنقل لنا فيها الأخبار رغبة الأخضر الإبراهيمي، المبعوث الأممي إلى سورية، الاستقالة من مهمته الدولية. وكانت المصادر الرسمية تسارع على الدوام الى نفي الاستقالة وتؤكد أنها لا تعدو كونها مجرد إشاعات أو تكهنات غير دقيقة.

اعتباراً من هذا الأسبوع، ستكون مهمة مصادر التكذيب أصعب من مهمة مصادر الأكاذيب، بعد أن أعلن الإبراهيمي أنه في كل يوم يصحو فيه تكون أول مهمة يعملها على الريق هي التفكير بالاستقالة.

بعد كل إشاعة عن استقالة الأخضر الإبـــــراهيمي، يتـــسابـــق المحللون السياسيون في استنباط وتحليل دوافع المبعوث الأممي للاستقالة من مهمته، وكان حريّاً بهم أن يستنبطوا دوافعه في ألا يستقيل… حتى الآن!

مضت على تعيين الأخضر الإبراهيمي ثمانية أشهر، لم تزدد فيها الأوضاع السورية إلّا سوءاً لا يُسأل عنه الإبراهيمي، لكنه ملزم أن يحضّر له الإجابات اللائقة أمام عدسات الإعلاميين وميكروفوناتهم.

سبعون ألف قتيل ومليون نازح ومهجر وأربعة ملايين نازح داخلياً، وما زال (الفيتو) يتلاعب بأرواح الناس في سبيل الاتفاق على تقاسم الكعكة بين القوى الكبرى.

لذا يتفهّم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هواجس الإبراهيمي بالاستقالة لأنه «شخص مهني وحي الضمير». فالسياسي الروسي المخضرم يــــــعـرف أن مـــثـل هـذه المعارك الديبلوماسية تتطلب ضميراً ميتاً كي «تنجح»، من دون الدخول في تفاصيل تعريف النجاح هنا!

القتل والهدم والخراب الذي تشهده المدن السورية كل يوم، وآخرها المجزرة التي حدثت يوم الأحد الماضي في بلدة جديدة عرطوز الفضل، هذه البشاعة لا توجع أحداً غير البسطاء الذي لا ينظرون إلى (عمق) الأزمة كما ينظر اليها الكبار، ولهذا يصبح الحديث عن أهمية التعجيل في إيجاد الحلول العسكرية أو الديبلوماسية هو ضربٌ من ضروب التبسيط في فهم كل أبعاد المشكل السوري.

ولا يدرك هؤلاء «البسطاء» أن الدخول المجاني لا يعني الخروج المجاني، بل إن الدخول بأقل التكاليف سيؤدي من دون أدنى شك إلى الخروج بأبهظ التكاليف.

يمكن روسيا وأميركا أن تتفقا على سيناريو الخروج بحكم خبرتهما في عقد الصفقات «الإنسانية»، لكن المشكلة تكمن في صغار المستثمرين في الأزمة «من الباطن»، الصين من جانب وفرنسا من الطرف الآخر.

تزداد المسألة تعقيداً عندما بدأ بعض «العرب» مزاولة هذه التجارة (تجارة مبادرات السلام)!

كل هذه الحسابات الموجعة حقاً للضمير «الحي»، ثم نستكثر على الأخضر الإبراهيمي الذي تحوّل من مسهّل للأزمة (فسيـــليـــتيـــتــــور Facilitator) إلى فشيليتيتور، أن يطرقه هاجس إعلان الفشل صباح كل يوم!

ليــس مــن حــلّ لمنـع استقالة الأخضر الإبراهيمي سوى: استقالة الرئيس السوري أو استقالة الشعب السوري!

 المصدر: صحيفة الحياة