المُثقَّف والسُلطَة

آراء

دوماً تبدو العلاقة بين المثقف والسلطة ملتبسة ومرتبكة وتشوبها حالات «التوجس» والحذر، وفي بعض الحالات، العداء! ولقد عانى المثقفون والمبدعون من حالات عَسف داخل مجتمعاتهم، حتى في أوروبا وأميركا، وتم اتهامهم بتقويض دعائم الدين والأخلاق في تلك البلدان ومحاربتهم للكنيسة.

في العالم العربي- المسكون دوماً بالشكوك والظنون والماورائيات والأحلام وعربة التاريخ ذات العَجلة الواحدة- لم يحصل توافق بين المثقف والسلطة، فكانت تهمة التحريض والإثارة والمبالغة والانتقاد والتكبُّر والبرج العاجي من التُهم الجاهزة التي يُنعت أو يُتهم بها المثقف دون وجه حق ! ولذلك أسبابٌ لا تُخفى على أحد! فمن التعريفات التي شاعت عن المثقف أنه «المفكر المرتبط بقضايا عامة تتجاوز اختصاصه»، أو واحد من صفوة أو نخبة متعلمة ذات فعالية على المستوى الاجتماعي العام، صاحب رؤية نقدية لمجتمعه.

ومن التعريفات المهمة، للدكتور هشام شرابي، أن المثقف هو الشخص الذي يمتلك وعياً اجتماعياً، يُمكنه من رؤية المجتمع وقضاياه من زوايا متكاملة، وتحليل تلك القضايا على مستوى نظري متماسك، يعكس قدرة المثقف المهنية وكفاءته الفكرية. أما التعليم النظامي، أو الكسب المعرفي المتراكم عبر الخبرة، فلا يمنحان الشخص صفة المثقف، لأن المعرفة في حد ذاتها لا تشكل ثقافة، وإنما الثقافة تتشكل وفق أنماط الوعي الاجتماعي والقدرة على الإسهام في حل القضايا المجتمعية.

وبرأينا أن هنالك خلطاً واضحاً بين المثقف والمتعلم، فالمثقف سبق تعريفه أعلاه، أما المتعلم فهو من يحمل شهادة اجتيازه لاختبارات معينة يستطيع من خلالها – في بعض الحالات – القراءة والكتابة والحصول على وظيفة ومعاش !. أي أن المتعلم يقابله الأُميّ غير المتعلم، وهنالك فرق شاسع بين المتعلم والمثقف اصطلاحاً وموضوعاً.

ولا يمكن للمجتمعات أن تتطور دون جهود المثقفين وآرائهم ونظراتهم التحليلية لصيرورة الأحداث في مجتمعاتهم. ولقد استعان الحُكام والولاة في عهود الدولة الإسلامية الأولى بالمثقفين من أطباء وجغرافيين وفلكيين وشعراء وكتاب من أجل بناء الدولة، وترجمة مستلزمات الحياة من الآخرين، فكانت المجالس مشرعة ليست للقادة العسكريين فقط، وسدنة السجون والحراس والعَسس، بل كانت للمثقفين مساحة كبيرة في تلك المجالس، وهذا ما ساهم في عملية التنوير ورفد بوصلة الاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الدولة الإسلامية الوليدة!

ولقد قامت الثورات العربية على الأنظمة الفاسدة سابقاً على أيدي المفكرين والمثقفين والفلاسفة الذين ألهموا الشعوب معاني الحرية والكرامة ورفض الظلم والاستبداد.

ولأن السلطة ربما لا تسمح بكشف السيئ من الممارسة السياسية والاقتصادية والعسكرية، أو يضيق صدرُها حتى بكشف بعض الأخطاء التنفيذية في مسيرة التنمية، ولأن المثقف هو من يقوم بعملية الكشف تلك، سراً وعلانية، فلقد توترت علاقته بالمؤسسة السياسية، وظهر التوجس تجاهه، بل ووصل الأمر إلى مضايقته في قوت عياله. لذلك، عانى المثقف ضيق العيش والإهمال، دون وجه حق، لأنه القوة كانت حاضرة في أي مواجهة بين الطرفين، وتبرعُ الجهات المختصة في وسْمهِ بأنه خَطر على المجتمع ولا بد من إقصائه.

فظهرت – مع الأيام – موجات التذمر من السلطة قادها مفكرون ومثقفون – ضمن الدستور- في العديد من الدول العربية التي أصبحت «ديمقراطية»! وصار أن عاضد هذا التوجه منظماتٌ حقوقية وإنسانية غربية، وهنا برزت اتهامات جديدة من قبل بعض الأنظمة التوتاليتارية للمثقف بأنه يتعاون مع جهات أجنبية، وهي التهمة الحاضرة في أي محاولة من قبل المثقف للقيام بدوره التنويري في مجتمعه. وصار أن حدث «سعارٌ» أمني ضد الكلمة في العالم العربي، وصدرت قوانين تحدُّ من حرية الرأي، ودخل العديد من المثقفين السجون دون وجه حق، فقط لأن السلطة، ولا تسمح بما تعتقده «تهييجاً» للرأي العام ضدها، علماً بأنها ترفع شعارات ديمقراطية.

وفي حالات نادرة، تم التوافق بين السلطة والمثقف، ولربما تم «احتواء» المثقف بصورة أو أخرى، لا ليكون «بوقاً » للسلطة، وإنما ليُعبّر عن رأي معتدل لا تخافه السلطة، بل تدعمه بكل وضوح، وهذا ما عُرفَ بـ (مثقف السلطة)، الذي يُمكن أن يخرج في الفضائيات أو الصحف يُعبّر عن وجهة نظر لا تغضب السلطة، وإنما ترضي أعداءَها.

الحقيقة الغائبة عن العديد من الأنظمة العربية أن حاملي مشاعل التنوير والإبداع والتطور للمجتمعات من المثقفين هم وطنيون يُحبون أوطانهم، ويفدونها بأرواحهم. وهم بلا شك يؤازرون السلطة في كشف مَواطِن الزلل أو مساحات النجاح! كما أن هؤلاء المثقفين يؤمنون بأدوارهم الوطنية وحبهم لمجتمعاتهم وسعادتها وأمنها بعيداً عن أية إغراءات أجنبية – كما يتوهم البعض – وهم يؤازرون الحُكم القائم الذين ارتضاه الشعب، ولهم من الصفات السامية مثل: تغليب العقل على العاطفة، وتغليب الخير على الشر، ورفض العنف والإكراه، وسماع الرأي الآخر، والعمل على سواسية أفراد المجتمع، والسعي لرفاهية المجتمع دون تفرقة، والمحافظة على المال العام وحُسن ترشيده، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة واستقلال القضاء، وكل هذه القيم منصوص عليها في الدساتير الوطنية، وقد لا تتوفر لـ «أهل الثقة» ؛لكن الممارسة الحياتية والتقاء المصالح واستقواء النفوذ والعلاقات الإنسانية والمقاربات الاجتماعية تؤثر على تطبيق تلك القيم الرائعة في الممارسة اليومية لذلك يسعى المثقف إلى تعضيد دور السلطة – في الأغلب- في بسط تلك القيم التي وضعتها السلطة ذاتها كدستور أو قانون يخالفه البعض دون وجه حق! المثقف ليس شيطاناً، وأهل الثقة ليسوا كلهم من الملائكة!

المصدر: صحيفة الاتحاد