جميل الذيابي
جميل الذيابي
كاتب وصحفي سعودي

تساؤلات بين القصر والثوار!

آراء

ماذا يحدث في دول الربيع العربي، خصوصاً في مصر وتونس؟ من أية نافذة واسعة أو ضيقة نطل على المشهد السياسي في دول الربيع العربي؟ هل تعني عودة حدة المواجهات والاصطفاف في الشارع، وتجمهر الحشود الكبيرة في الميادين وأمام القصور الرئاسية بداية مرحلة جديدة من الفرز السياسي في ظل عدم الوفاء بالاستحقاقات، والقفز على المطالب الشعبية التي قامت من أجلها الثورة؟

ماذا حدث في مصر بعد قرار الرئيس محمد مرسي بشأن الإعلان الدستوري، وخروج التظاهرات والمسيرات العريضة الرافضة لقراره من الفعاليات الشعبية كافة؟ ما أدى إلى نشوء تحالفات مدنية وتكتلات حزبية جديدة، تهتف ضد سياسة وهيمنة «الإخوان».

هل سيتوقف الحشد الجماهيري ويهدأ التلاسن بين الموالاة والمعارضة في الشارع المصري بعد تراجع الرئيس وإعلان إلغاء الإعلان الدستوري، أم أن سقف المطالب سيكبر وسيصل إلى المطالبة الشعبية بإسقاط مرسي عبر شعار «إسقاط حكم المرشد»؟

كيف ستستمر الأوضاع في تونس في ظل تزايد السخط الشعبي، إذ لا تزال التظاهرات الشبابية تسير في شوارع المدن التونسية، احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة التي تعد أحد أهم أسباب اندلاع ثورة «الياسمين» قبل عامين، وهو ما دعا الرئيس منصف المرزوقي إلى دعوة الحكومة لتقديم استقالتها، وأن الشباب في تونس محق في يأسه وشعوره، وأن البلاد وصلت إلى طريق مسدود. ويبدو أن تونس تتهيأ لثورة جديدة في حال عدم تحرك الحكومة لتعديل الأوضاع.

كما أن الأوضاع في ليبيا لا تزال مضطربة، وتشهد بلدات ومدن ليبية اغتيالات وتصفية حسابات واشتباكات مسلحة بين مليشيات خارجة عن القانون وبين الأجهزة الأمنية، وكما يقول بعض الليبيين بأن الأوضاع لم تتقدم بشكل ملموس، بقدر ما تتزايد الشحناء بين بعض القبائل.

في اليمن، لا شيء تغير. الأوضاع هناك سيئة ومحبطة ومقلقة، وتشير إلى انفلات قريب، في ظل تطويق «ثالوث» الفقر والجهل والمرض للخاصرة اليمنية، تسانده الحركات المتمردة و«القاعدة» و«الحوثيون» وجماعة «علي صالح»، حتى أنها توشك أن تتحول إلى دولة فاشلة ستؤثر في دول الجوار.

كيف ستكون الحال في سورية؟ وكيف يمكن قراءة خريطة المنطقة السياسية بعد سقوط حكم بشار الأسد؟ وكيف ستكون حال إيران بعد خروج أهم حليف استراتيجي لها في المنطقة؟ خصوصاً أن المعارك تقترب من مطار دمشق، وموسكو تصرح بعد عامين من التعنت بعجز الأسد.

يلحظ المراقب أن كرة الثلج المتدحرجة ضد «الإخوان» وتنظيمات الإسلام السياسي تكبر في الشارع العربي، في ظل تعجلهم في الهيمنة والاستفراد بالسلطة والانفراد بالقرار، وهو ما يشير إلى أن إرهاصات الثورة لا تزال طويلة وليست كما يعتقد البعض، إذ لا يمكن الحكم على إفرازات العامين الماضيين فقط، حتى وإن هدأت الأوضاع في دول الربيع موقتاً!

لا شك في أن خطاب مرسي الأخير، أضرّ به في الشارع المصري، كما أضرّ به قراره الذي ألغاه لاحقاً، إذ لم يجد القبول إلا من جماعة «الإخوان» والسلفيين، في ظل رفض النخب والقضاة والأحزاب والنقابات المدنية وطبقات العمال والفلاحين له، كونه لم يأت بالحلول بقدر ما كان يستنسخ خطاب سابقيه، وكأنه لم يتعلم من ثورة الشعب على سلفه!

الأكيد أن الشواهد تشير إلى أن العرب لا يتعلمون من أحداث التاريخ ودروسه، ولا يتحسسون نبض الشارع الحقيقي إلا بعد فوات الأوان، كما قال زين العابدين بن علي بعد أن حاصر الشعب قصره: «الآن فهمتكم»!

تذكروا أن ثلاث مفردات تحضر بقوة في الربيع العربي: «محاصرة الثوار للقصر. الرئيس يرفض أية تجاوزات أو محاولة للقفز على القانون. ووصف الحكومات للمعارضين بالمندسين والمتآمرين والإرهابيين». وفي النهاية يخرج الرئيس مطارداً، ويطل على الشاشات وهو يخرج من فوهة حفرة بعد تهشم أبواب القصر وحفر القبر، وربما يتكرر المشهد مجدداً في سورية.. فقط لا تبتعدوا عن الشاشات الصغيرة!

كانت الآمال العربية الشعبية كبيرة في وجود مناخات ونماذج عربية ديموقراطية بعد موجة «الربيع العربي»، تحقق الطموحات والتطلعات والمطالب الشعبية، وتتحسس نبضها، وتتجنب الاستقواء عليها بالسلطة، لكن «الحال تصفها هيمنة الإخوان على السلطات في مصر»!

الأكيد أن الدول العربية لا تزال تسبح في «مستنقعات» من الصراعات والنزاعات والصدامات والتصفيات الفكرية والأيديولوجية التي تُستدعى سريعاً من جميع الخصوم عند أي خلاف أو اختلاف، لتنتصر الأدلجة واللغة الطائفية على الوطنية، وينفخ في كرة الإقصائية على حساب التعددية، لتتساقط شعارات كل التيارات والأحزاب المطالبة بالتغيير والإصلاح..!

المصدر: الحياة