عبدالله المغلوث
عبدالله المغلوث
كاتب وصحفي سعودي

سائق التوصيل

آراء

تعرّفتُ على شاب يمني أثناء توصيله ثلاجة إلى منزلي. بعد أن قرأ عليّ السلام سألني عن المكان الذي أرغب أن أضع الثلاجة فيه. قلت له: لا تقلق، في الطابق السفلي. فرد، وابتسامة كبيرة تكسو وجهه: “سأحملها على كتفي إلى السطح، إذا أحببت. هذا واجبي. مساعدتك مصدر سعادتي. هدفي أن أصنع الأصدقاء ببذل أقصى ما أستطيع”.

روحه الجميلة ودماثة أخلاقه جعلتنا صديقين سريعا. فتحت نافذة حوار بيننا. تحدثنا طويلا عن طبيعة عمله وعائلته والشركة، التي يعمل لديها.

أدهشتني ابتسامته، التي يسكبها كشلال من وجهه. عزز لديّ الإيمان بأن المال وحده لا يصنع الروح الجميلة، إنما الروح الجميلة تصنع كل شيء.

بحتُ له بمشاعري تجاه ابتسامته وروحه. فأخبرني أن الابتسامة هي الشيء الوحيد، الذي يسعه أن يقدمه لمن حوله. فلا يملك سواها ليتقاسمه مع الآخرين.

شكرت السائق محمد قبل أن يغادر وسألته إذا كان بوسعي مساعدته بأي شكل وطريقة. لم أكن أعلم أن سؤالي سيمدد حوارنا لأشواط إضافية. لقد أجابني محمد قائلا: “ادعو لي أن يديم عليّ نعمة الصحة والعافية؛ لأسدد ديوني وأستمتع بهذه الحياة”. دعوتُ له عاليا أن يرزقه المال ويحافظ على صحته. ضحك ثم علق قائلا: “شكرا على دعوتك، لكني تمنيت أن تشير إلى الصحة أولا”. فقلت له: كلاهما مهمان. لكن عاد وقال: لا مال ينفع دون صحة تعينك على صرفه بسعادة. هززت رأسي إعجابا بحكمته، فسرد عليّ قصة مالك الشركة، التي يعمل لديها. يقول لي السائق إنه يعمل لدى شخص ثري يملك فروعا عديدة لشركته داخل السعودية وخارجها. التقاه مرة واحدة في الخبر عندما أقام بوفيها مفتوحا تكريما لموظفيه في شهر رمضان المبارك. يصف لي السائق حجم البوفيه الكبير وهو يفتح ذراعيه إلى أقصى حد ممكن حتى خيل لي أنه يحاول الطيران.

وتابع محمد حديثه مشيرًا إلى أنه ومئات الموظفين زملاءه أكلوا في البوفيه كأنهم لم يأكلوا من قبل، وتذوقوا أطباقا لم يتذوقوها قبل ذلك، بينما مالك الشركة، الذي دعاهم، اكتفى بقطعة خبز أسمر وبجوارها علب أدوية عديدة. وحينما عرض عليه محمد أن يجلب له أي طبق يبتغيه قال له مالك الشركة وهو يربت على كتفه: “يا ابني، لو أكلت أي طبق معروض أمامي ربما أموت. أنا مريض بكل الأمراض التي تخطر ولم تخطر على بالك”.

يقول لي محمد إن هذا الموقف جعله يدرك حجم النعمة التي لديه، ولم يستطع مالك الشركة المليونير أن يشتريها من أي متجر وهي الصحة. ليس جديدا ما قاله محمد. لكن جدير أن نتذكره ونستذكره لندرك كم نحن أغنياء.

المصدر: الاقتصادية