«سَدَنةُ» الموت يقتلونَ الحَياة

آراء

لا يمكننا – كمسلمين- إلاَ أن ندين وبشدة حادث الاعتداء الآثم على كنيسة (العذراء) بمنطقة الوراق بالقاهرة والذي أسفر عن مقتل 4 أشخاص وجرح 17 آخرين من المواطنين المصريين الذين يحتفلون بزفاف قريبهم وسط بهجة المهنئين.

وحسب شهود عيان، فإن اثنين من المسلحين الملثمين كانا يستقلان دراجة بخارية قاما بإطلاق وابل من الرصاص من سلاح آليّ ولاذا بالفرار، تاركين أصحاب الفرح مضرجين بالدماء دون وجه حق.

هذا العمل- مهما كانت دوافعه ومن يقف وراءه- يشكل انتهاكاً صارخاً لكل القيم الإنسانية والوطنية، ولا يجوز التسرع في إلقاء التهم الجزافية – على أي طرف- عن مسؤوليته عن الحادث قبل وقوع المجرمين اللذين قاما بالعملية في يد القضاء.

نقول: (مجرمين) نعم .. لأن كل من حاول أن يقتل الحياة- حتى لو كانت شجرة – يُعتبر مجرماً! ذلك أن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم قال بما معناه: «لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها». وهذا تأكيد سام لقيمة الحياة حتى لآخر لحظة كتبها الله للحي، ولا يجوز لأي كائن أن يسلب هذا الحق الإلهي ويوقف الحياة بأية طريقة، مهما كانت الدوافع.

لقد أعجبني القول التسامحي لمن استَشهدَ بكلمة من البابا (تواضروس): «لو ضربوا جميع كنائس مصر سنؤدي الصلاة في المساجد»!. وهذه الكلمة تحمل معاني الوطنية الصادقة والانتماء لمصر، مهما كانت الديانة أو التفكير العقائدي.

وهذا الكلام يتناقض مع تصريحات لبعض القادة الإسلاميين في (رابعة العدوية ) عندما هدّد أحدهم إخواننا المسيحيين جهاراً ودعا إلى الفتك بهم. وهذا تصرّف لا يليق أن يصدر عن أي طرف، وهو يهدد الوحدة الوطنية، ويعصف بروح التسامح التي عُرفت بها مصر على مرّ التاريخ.

ولقد رصدت بعثة تقصي الحقائق التي أرسلتها مؤسسة (عالم جديد للتنمية وحقوق الإنسان) الحادثة واستمعت إلى روايات شهود عيان حول الحادثة وتقارير الطب الشرعي للوقوف على الحادثة وتقديمها- بشفافية- للرأي العام.

نحن لا نعلم إلى أي مدى يتغلغل الحقد وروح الكراهية في بعض النفوس ليصل إلى قتل الفرح في عيون النساء والأطفال؟. وأيُ نفس شريرة يتملكها الحقد والاستهتار بحق الله في حياة البشر الآمنين؟ فالمحتفلون في الكنيسة ليست لديهم شعارات سياسية ولا يحملون السلاح أو اللافتات، قدر احتفائهم بأكاليل الزهور والتمنيات الطيبة للعروسين!

نحن لا نعلم لماذا يتطور الشعور باليأس من الحياة لدى البعض ليشكل منهم شخصيات «هولاكية» لا تعرف كيف تبتسم للفرح، ولا تدرك معنى رفد الحياة، وبدلاً عن ذلك تمتشق آلة الموت، وتقتل النفس التي حرّم الله!؟

ثم ما هو الهدف من هذه العملية؟

ومن المستفيد من جر البلاد المصرية إلى أتون حرب عقائدية؟ وهي التي عُرفت بالتسامح الديني والتجانس الاجتماعي والفكري عبر القرون؟ ثم ما هو ذنب الطفلة (مريم) التي اخترقتها رصاص الغدر والكراهية؟. ومن سوف يتحمل وزر إزهاق روحها؟ وهل من فتوى «دينية» في هذه العملية؟

بصراحة؛ الأمر في مصر يحتاج إلى الحسم!. ذلك أن جماعات الإرهاب المتخفية وراء أقنعة متعددة، تهدد الوحدة الوطنية وتبث الرعب في صفوف المواطنين وتعرقل كل مسعى نحو إعادة الدولة إلى عجلة التنمية والاستقرار، ومصر هذه الأيام أحوج ما تكون إلى الوحدة الوطنية ولملمة جراح ما بعد (الربيع العربي)، الذي لم يكن (برداً وسلاماً) على الجميع. وإننا- كمسلمين- نثور ونغضب عندما يتجرأ أيُ كائن ويتطاول على رموزنا الدينية ومساجدنا، ومن حق إخواننا المسيحيين أن يثوروا ويغضبوا ويطالبوا بضرورة حمايتهم من جماعات الإرهاب، التي لا تعترف بحق الآخرين في الحياة، قدر اهتمامها ببث الرعب والفوضى وتقويض أي جهد يحقق السلم الوطني.

لقد دان حزب «النور» حادثة الاعتداء على الكنيسة واعتبرها مخالفة للشرع، وشدد على «حرمة إراقة الدماء سواء للمسلمين أو الأقباط». كما دانت جامعة الدول العربية الحادثة واعتبرتها شكلاً إرهابياً، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عنها بكل حسم وقوة.

وأخيراً، على المصريين ألا يسمحوا بتحوّل بلدهم الآمن والجميل إلى عراق آخر؟ وهذه دعوة صادقة، لأنَّ العنف لا يولد إلا العنف، وهو طريق لا رجعة فيه سوى للمزيد من الدماء والأحقاد و«تأثيم» التاريخ.

المصدر: صحيفة الاتحاد