غزة تحتضر.. شظف عيش وظلام مستقبل

أخبار

قبل أحد عشر عاماً فقط خلعت المدينة عنها ثياب الألوان والفرح واستبدلته مرغمة بثوب أسود، مفتقدة كل ما كان يزيّنها من آمال وطموحات.

أحلام شباب ما زالت تنتظر لحظة ميلاد في كبد هذه البقعة التي لم تعد صالحة للحياة أصلاً. فعلى مساحة لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً، يعيش حوالي 2 مليون و15 ألف نسمة يحتكرون في أفواههم الأسئلة كخيوط ليل بهيم، رامين خلفهم كل ظل محتمل للإجابة.

منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007 فرضت إسرائيل حصارها الذي ما زال يراوح مكانه، ملقياً بتداعياته على المدينة من جنوبها حتى أقصى شمالها. ومنذ ذلك الوقت وشوارع غزة تزدحم بالظلام وشظف العيش وبعض الهمهمات الشجية تلوم حيناً وتدمع أحياناً.

الأزمة كبرت وما عاد بالإمكان مراوغتها أو كبحها وكل شيء في هذه البقعة ينطق بالبؤس. عائلات بحاجة لأدنى مقومات الحياة، وهي أكبر من تناحرات الساسة وظلم الاحتلال. في غزة مدن ومخيمات تبدو معطوبة العيش، شحيحة القوت، إن أنارت الكهرباء بيوتها محض صدفة وافق ذلك انقطاع المياه وعجز تام عن ممارسة الحياة.

حين تسير في الشوارع وتناظر وجوه المتعبين بصمت، شاخصة أبصارهم من فرط ما عانوه من حصار وثلاثة حروب متتالية أودت بحياة الآلاف، طالت الآلة الحربية لإسرائيل فيها ليس البشر فحسب بل مصدر رزقهم، بيوتاً كانت تأويهم قدّرت بمئة ألف بيت عقب عدوان 2014 ما بين هدم جزئي وتدمير كلي شمل مدارس، مساجد، جامعات، ومستشفيات.

عائلات لم تتمكن من الحصول على بدل للإيجار أو إعادة إعمار لبيوتهم المهدمة جراء العدوان، حيث بلغت نسبة البيوت التي لم يعاد بناؤها حتى اللحظة 40% ناهيك عن 5500 منزل داخل القطاع غير صالح للسكن، يأتي ذلك في إطار منع إسرائيل المتكرر ما بين الفينة والأخرى من إدخال مواد للبناء ما حد من تنفيذ المشاريع السكنية، تبرّر إسرائيل منعها هذا بمزاعم أمنية من نوع استخدام مواد البناء في تشييد الأنفاق.

تشديد الحصار

وضمن سياسات الاحتلال الهادفة لتشديد الحصار، يغلق معابر غزة كمعبر صوفا وناحل عوز ومعبر المنطار، ويفتح فقط معبر كرم أبو سالم وبشكل جزئي يتم من خلاله أحياناً تقليص عدد الشاحنات الواردة، وبهذا يكون هو المعبر التجاري الوحيد في القطاع يتم من خلاله إدخال البضائع بين ما هو مسموح وما يقع ضمن سياسة الحظر.

80 % من المصانع في القطاع أغلقت بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية. يقول نايف عيسى أحد تجار القطاع معبراً عن سخطه من الوضع الاقتصادي: دائرة الجمارك تحتجز كمّاً كبيراً من مواد البناء، كنا في الماضي نسلّم شققاً سكنية بمفتاحها في وقت قصير، اليوم ليس بوسعنا ذلك بسبب تقنين دخول مواد البناء. ويضيف: نطالب برفع الضرائب والقيمة المضافة على التجار حتى نتمكن على الأقل من سداد ديوننا، وإلا لن يكون أمامنا حل سوى إغلاق مصانعنا لحين تحسن الوضع الاقتصادي.

لم يكن فقرهم اختياراً أو بإرادتهم، 80% هي نسبة الفقر في قطاع غزة، حتى العاملين في القطاع الخاص يتلقون رواتب ضئيلة مقارنة بمستلزمات الحياة، فتحايلوا على الفقر بكل السبل الممكنة. يتحدث سعد عثمان عن معاناته في ظل ارتفاع أسعار المحروقات وتقليص دخولها، ويقول: من المعروف أن سعر أنبوبة غاز الطهي 63 شيكلاً (18 دولاراً)، لكن كوني أعيل أسرة مكونة من ستة أفراد ولا أعمل اضطر لتعبئة الأنبوبة بما ثمنه عشرة شواقل (دولارين)، كشيء يضمن لي ولأطفالي الطعام على الأقل لأيام قليلة.

صمت مغبون

الخريجون الشباب، خبأوا في وجدانهم ما ظنوا يوماً أنه يتحقق من الأمنيات. لم يعد بوسعهم إلا الانتظار على حافة صمت مغبون مثّلوه من خلال جدارية رسمت على أحد جدران ميناء غزة تعبيراً عن مستقبل قاتم ينتظرهم، حيث بلغ معدل البطالة في القطاع ما نسبته 65 % وفق آخر الإحصائيات. مليون ونصف مليون إنسان يعتمدون على المساعدات الغذائية.

القطاع الصحي يشهد أسوأ أزماته، فمستشفيا بيت حانون والدرة للأطفال أعلنا قبل يومين عن توقف الخدمات الصحية بسبب نفاذ الوقود، ما يعني حرمان مئات المرضى من تلقي الرعاية والخدمات الصحية. دفع هذا لنقل المرضى لمستشفيات أخرى تعاني حالة العجز في الوقود أيضاً ما يزيد العبء عليها والاكتظاظ داخلها.

وثمّة شح في الأدوية بما نسبته 40% وصعوبة التحويلات الطبية بسبب إغلاق المعابر ناهيك عن الأجهزة المعطلة في المشافي وآلاف المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة كالضغط والسكري وأمراض جلدية، بعد الحرب الأخيرة وما زالت تداعياتها حتى الآن. يقول د. أشرف القدرة الناطق باسم وزارة الصحة في غزة في تصريح له: في أية لحظة قد نعلن عن وفيات، بعد توقف خدمات المشافي، إضافة لتفاقم أعداد حالات الإصابة بالسرطان التي بلغت 13 ألف حالة هذا العام.

واقع مفرّغ من الحياة

أربع ساعات، هي حصيلة ما يحظى به سكان قطاع غزة من كهرباء، في ظل رفض إسرائيل تزويد محطة الكهرباء بالغاز بدلاً من السولار الصناعي، فضلاً عمّا تعانيه محطة التوليد من دمار، جراء استهدافها في كل عدوان شنته إسرائيل على القطاع، حيث بلغت نسبة العجز في المحطة 270 ميغاوات.

ولأن المتضرر الأول والأخير هو مواطن القطاع، فقد توفي 23 طفلاً بسبب استخدام الشموع بديلاً للكهرباء، آخرهم الطفلة الرضيعة جمانة دغمش، التي توفيّت قبل أسبوع.

القطاع البيئي ليس بأحسن حال، فقد بلغت نسبة التلوث في المياه، حسب ما أشارت إليه جهات حكومية فلسطينية ودولية 95 %، كما أن العجز الحاصل في الطاقة الكهربائية، أثر بشكل كبير في وصول المياه للمنازل.

وعلى صعيد الجانب الزراعي والحيواني، فقد بلغت نسبة العجز الحيواني والسمكي في القطاع حتى 30 %، غير استهداف الاحتلال المستمر للمحاصيل الزراعية بمبيدات سامة، وأزمة الكهرباء، التي ألقت بظلالها على المحاصيل، فحالت دون ريّها على نحو كافٍ، ما أثّر سلباً في الناتج الزراعي.

6 أميال فقط هي المساحة التي يسمح بها الاحتلال للصيد، ما يرفع من أسعار السمك والمنتجات الزراعية بشكل عام، فيخفض القوة الشرائية.

المصدر: البيان