عبدالله المغلوث
عبدالله المغلوث
كاتب وصحفي سعودي

«كانا يا ما»

آراء

اضطر الشاب عبدالله الحواس في أحد الأيام إلى العناية ببعض أطفال أقاربه بسبب انشغال أسرهم بأداء واجب اجتماعي. كانت المسؤولية شاقة عليه. كيف يستطيع ترويض هؤلاء الأطفال؟ كيف يحافظ على سلامتهم حتى يعود والدوهم أدراجهم؟ ماذا سيقول لآبائهم لو تعرض أحدهم إلى مكروه ــ لا سمح الله؟ سكنه القلق إزاء هذا التكليف. فآخر شيء لا يود أن يتركه المهندس الشاب خلفه انطباعا سلبيا بتهاونه واستهتاره. أول فكرة خطرت على باله أن يشغلهم. فإذا لم يشغلهم سيشغلونه. رأى أن يجمعهم أمام الشاشة ويلعب معهم “بلاي ستيشن”. كل اثنين يلعبان معا وهو يقوم بدور المشجع للخاسر حتى يرفع من معنوياته ويشد من أزره. بيد أنه تراجع عن هذه الخطوة. خشي أن يتسبب لعبهم في صراع لا يستطيع إخماد نيرانه. دون أن يشعر هطلت عليه فكرة جديدة. لم لا يقرأ لهم قصة؟ بحث في أقرب مكتبة من منزله عن قصة مناسبة. وجدها وانتقل إلى المنزل. جهز مكانا مناسبا ودعا الأطفال للتحلق حوله. تقمص دور الحكواتي وبدأ يتدفق. خيم الصمت على الأطفال. تحول الأطفال المزعجون إلى آخرين مستمعين ومستمتعين. ردة فعلهم المفاجئة له جعلته يستمر في الهطول كسحابة حتى بعد أن انتهت القصة. استحضر قصصا جديدة من رأسه واصلت رسم الدهشة على ملامح الصغار. بعد أن تمكن منه التعب بعد ساعات متواصلة أستأذن من الأطفال ليتوقف عن القص. لكن الأطفال طالبوه بأن يستمر. أحدهم يبكي ليواصل، وآخر يسحبه من قميصه ليعود إلى منصته. فجر هذا الموقف الصغير مشروعا كبيرا في داخل عبدالله. تناقش فيه مع مجموعة تتقدمها الشابة إسراء الغنيم. فعملا على تأسيس هذا المشروع عبر عقد لقاءات دورية مع الأطفال في أحد المقاهي العامة في الخبر. يروون ويقصون أجمل القصص باللغة العربية الفصحى. يجذبون الصغار إلى لغتهم الجميلة ويحفزون خيالهم. نجح المشروع كثيرا. أصبحت الأمهات يتنافسن لحجز مقاعد لأطفالهن في مشروع (كانا يا ما). والمشروع أصبح سبعة مشاريع اليوم. في الخبر، والرياض، وجدة، وينبع، والمدينة المنورة، ومكة المكرمة، والأحساء. استفاد منه اليوم أكثر من 100 ألف طفل وطفلة والرقم في ازدياد.

هل يوجد أجمل من البساطة والعفوية والتلقائية؟ كلما كانت بداية مشاريعنا بسيطة وسهلة، كانت النهاية عظيمة وساحرة.

المصدر: الاقتصادية