علي سعد الموسى
علي سعد الموسى
كاتب عمود يومي في صحيفة الوطن السعودية

كان عبرة.. في حياته وموته

آراء

بعد قصته، تعلمت أن هذه الحياة لا تحتاج إلى كثير من التفاصيل، مثلما أيضا أن هذه الحياة أهون بكثير من الاستغراق فيما لن يرحل الإنسان به. في اللحظة الفاصلة بين الدنيا والآخرة لن تحضر في حياة الغني والفقير مصطلحات ومسميات مثل: الدولار والعقار، وفي مثل هذه اللحظة الفاصلة بين “حياتين” لن تجد فرقا بين صاحبنا الذي قبرناه بعد صلاة الجمعة، بعد تسعين عاما من الشظف والمعاناة، وبين وارن بافيت أو كارلوس الحلو، أشهر علمين على رأس أثرياء الكون؛ لا أحد يدخل القبر بدفتر شيكات مفتوح. وفي حياته الطويلة، جربَ صاحبنا تجربة الزواج سبع مرات قبل أن يبلغ الخمسين، ومن التجارب السبع، لم يرزق بولد ولا بنت، ومع هذا كله وجد بعد ظهر الجمعة من يأخذه إلى “المثوى” الأخير، مثلما وجد من يبكي على أطلال القبر، ومن يدعو له بالثبات عند السؤال، رغم أنه ـ وعلى معرفتي التي دامت معه لعقد من الزمن ـ كان يعيش على هوامش هامش المهمش. كان يرفض حتى الصدقة أو فضل الزكاة، ولم يكن له في منزله المتواضع حتى ثلاجة تحفظ بقايا طعام الغداء إلى ما بعد المغرب.

كنت كلما ضاقت بي وبنفسي هذه الأرض الفسيحة أذهب إليه لتنفرج الأرض أمامي بعرض وطول السماوات السبع؛ لم يكن له ولد ليشفق عليه وعلى مستقبله، ولم يكن مثلي تتقاذفه هموم الأفكار على ما قد يحدث في الساعة التالية. كنت أزوره “متقطعا” في أشهر متفاوتة قبل صلاة العشاء، وكان (يؤمني) فلا يقرأ إلا ما يعرف من الصمد أو الكوثر. كان أميا خالصا لا يقرأ ولا يكتب. لم يحمل طوال حياته حتى شهادة إثبات على هوية، ولم يدخل مكتبا حكوميا، وأكثر من هذا لم يسأل أهله وأسرته عن إرثه المستحق الذي تناهز قيمته المليون لأن وجبة العشاء لديه ليست بأكثر من ريال من الخبز وقليل من الفول الذي يعطيه إياه بائعه من “الفضلة” بلا قيمة. لم يكن في بيته “دولاب” ولا حتى قفل لأمان نهايات المساء، ومثلما شهدت بعد ظهر الأمس: لم يكن هناك فارق جوهري بين بيته وبين القبر الذي انتهى إليه. كان صاحبي في حياته وفي موته أيضا عبرة مكتملة.

المصدر: الوطن اون لاين