زياد الدريس
زياد الدريس
كاتب سعودي؛ كان سفيراً لبلاده في منظمة اليونسكو

كيف تتصدى لتهمة «الإخونجية»؟!

آراء

1

تعرفت البشرية منذ القدم على نوعين أساسيين من حملات الاستعداء والتأليب، يروم منها المستعدي ليس الإضرار بشخصٍ ما فقط، بل والانتفاع له من ذلك الإضرار، باعتبار أن «بضدّها تتميز الأشياء»!

النوع الأول: ديني يستخدم أداة «التكفير»، والثاني: وطني يستخدم أداة «التخوين» للقضاء على خصومه.

ولم يسلم من الخوض والتورط في حملات التأليب طوال التاريخ العربي الإسلامي، لا علماء الدين (العارفون بالله) ولا المثقفون والشعراء (إنسانيو المشاعر) ولا السياسيون (قادة الأمة) .

كما لم يسلم من هذه الخصلة البشرية الوضيعة أيّ جنس أو دين من الشرق العاطفي أو من الغرب المستنير، بل إن أشهر حملتي استعداء يتداولها الخطاب الثقافي حتى اليوم هما حملتان غربيتان، الأولى محاكم التفتيش، وهي حملة دينية بدأت في القرون الوسطى واشتدت في القرن الخامس عشر الميلادي مع سقوط الأندلس وامتدت حتى عصور النهضة الأوروبية، والثانية هي المكارثية التي استخدم فيها النائب الأميركي جوزف مكارثي في العام ١٩٥٠ عصا الوطنية من أجل تصفية خصومه المنافسين له في الكونغرس، من خلال إلصاق تهمة الانتماء للشيوعية بهم… التي كانت آنذاك شماعة التخوين!

٢

مرّت المنطقة العربية خلال العقود القليلة الماضية بمجموعة من الأزمات التي سببت احتقاناً وتوتراً بين الناس، سواء أخذت تلك الأزمة لبوساً دينياً شرعياً أو لبوساً سياسياً وطنياً، وقد كاد بعض تلك الأزمات أن يصل حد المكارثية أو محاكم التفتيش.

سأسوق من ذاكرتي نموذجين عشتهما في محيطي، أحدهما مكارثي والآخر تفتيشي. الأول: الحملة التي أعقبت اعتداء جهيمان الإجرامي في العام ١٩٧٩ على الحرم المكي الشريف وتخويف الآمنين فيه، حيث انتهز التيار الليبرالي الفرصة آنذاك لإلصاق تهمة التطرف «الجهيماني» ليس بالمتطرفين فقط، بل بكل إنسان ملتحٍ أو ملتزم بسمات التدين، من خلال تخوينه واعتباره خطراً يهدد الوطن. الثاني: الحملة التي أعقبت الهجوم على الحداثة في العام ١٩٨٧ وما صاحبها من تكفير، حيث لم تتوقف الحملة ضد المنتمين الحقيقيين للحداثة الفكرية «المنحرفة» فقط، بل شاطت ألسن التيار الإسلامي لتجعل كل من كتب نصّاً رمزياً أو شعراً غير مقفى هو حداثي ضالّ عن الدين!

قلّة قليلة أكرمهم الله بالنجاة من الخوض في تلك الحملات الاستعدائية / التحريضية باسم الدين أو باسم الوطن، بل إن هناك من التيارين المتناحرين مَن تجاوز فضيلة عدم الخوض مع الخائضين إلى نَبالة الدفاع عن المستهدَفين المظلومين والإسهام في إضعاف حملات التأليب… تكفيراً أو تخويناً.

٣

الآن .. تجري حملة جديدة للاستعداء والتأليب، لكنها من نوع مختلف هذه المرة، إذ هي ليست موجهة من التيار الإسلامي ضد التيار الليبرالي أو بالعكس، كما كان يجري في الحملات السابقة، ففي حالة نادرة يتحالف فصيل من التيار الليبرالي مع فصيل من التيار الإسلامي لصنع حملة استعداء ضد خليط آخر مغاير من الإسلاميين والليبراليين. وبعيداً من الوقوع في مأزق المسميات، بوصف ذلك التحالف بالوطنيين وهذا التحالف بالإصلاحيين، فإن هذه الحملة الفريدة من نوعها تركن إلى استخدام تهمة «الانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين» ليس فقط ضد أناس ليسوا من «الإخوان» بل وضد أناس ليسوا من المسلمين! (كما حدث مع بعض الأقباط أو الليبراليين الذين لم يخطر في بالهم يوماً أن يصنفوا ضمن فصيل إسلامي لمجرد أنهم وقفوا ضد الانقلاب في مصر!).

وقد حاول في البدء، بعض الذين اتُّهموا بـ «الإخوانية» عبثاً أن يدفعوا عنهم التهمة بالقرائن والدلائل، ظناً منهم أن الطرف الآخر يبحث حقاً عن دلائل أو قرائن لنفي أو إثبات التهمة، حتى فطنوا إلى أن تهمة الانتماء إلى «الإخوان» هي الآن تهمة توزع على الناس جاهزة ومعلبة، ولا حاجة إذاً لبذل الجهد في فتح علبة فارغة لفحص محتوياتها!

يتعاون الإسلامي والليبرالي، المتحالفان جزئياً الآن فقط، في صنع وثيقة الاتهام بـ «الإخونجية» لمثقفين وكتّاب، حيث يقوم الأول بوضع ما يُشبع ذريعة التكفير الديني ويقوم الآخر بوضع ما يشبع ذريعة التخوين الوطني، فتطفو على سطح المجتمع حملة استعداء وتأليب فريدة في كونها تجمع بين صيغتي المحاكم-تفتيشية والمكارثية في آن.

كنت أحلم دوماً أن يتحالف التياران الإسلامي والليبرالي في بلادي حقاً، فلا نعود بحاجة لتسمية «المسلم» بالإسلامي أو الليبرالي، لكن حلمي أصبح كابوساً بهذا التحالف المشوّه، هو كابوس موقت بإذن الله وسأعاود الحلم من جديد.

ما هي سبل التصدي لهذه الحملة الاستعدائية/ التأليبية؟

الجواب يحتاج إلى مقال مستقل، لكني سأذكر سبيلاً واحداً أساسياً للكاتب والمثقف، هو أن لا تتوقف عن قول وكتابة رأيك بكل حرية واتزان، لأن هدف إلصاق التهمة بك هو تخوينك أو تخويفك وبالتالي إيقافك عن التعبير عن آرائك، فإذا أنت لم تتوقف فهذا يعني ببساطة أن التهمة ضدك قد فشلت، وباء الذين يوظفون الدين والوطن لمنافعهم بالخسران، أما علماء الدين الصادقون ورجال الوطن المخلصون فهم يجيدون الفرز بين الوطني الحقيقي والوطني المؤقت!

4

في الأزمات والمحن تظهر الأخلاق الحقيقية.

المصدر: صحيفة الحياة