حمود أبو طالب
حمود أبو طالب
كاتب سعودي

كيف نخطو إلى المستقبل؟

آراء

هذا العنوان ليس لي، فهو عنوان كتاب عميق أنيق كامل الدسم الفكري لكنه سهل الهضم ولا يسبب تلبكاً لذهنية المتلقي كما هو حال كثير من الكتب التي تتناول القضايا الفكرية بأساليب متخمة بالتعقيد والفذلكة والغموض والتكلف والفوقية على القارئ، إنه عنوان كتاب لزميلنا الكاتب العكاظي المستشار أسامة سعد يماني، صدر مؤخراً وكان ضمن العناوين المهمة في معرض جدة للكتاب الشهر الماضي، ومثله مثل الكتب الجادة التي قد لا تحظى بإقبال كبير، إلا أنه جدير بالتنويه عنه لأهمية محتواه في هذه المرحلة بالذات، التي يعيش فيها مجتمعنا تحولات كبيرة، ويحاول الانعتاق من ترسبات ماضوية عطلته زمناً طويلا.

من خلال 70 مقالا سبق للمستشار أسامة كتابتها ثم جمَعها لتصبح كتاباً في 240 صفحة، يتنقل بنا في قضايا ومواضيع وإشكالات الفكر والفلسفة والحياة والإنسان، مع تركيز خاص في كثير منها على الحالة السعودية، أي المجتمع السعودي وما تنازعته وسيطرت عليه من أفكار اتسمت بالأحادية والجمود والسلطوية ومصادرة التنوع وحظر التعددية الفكرية والحجر على حق الاختلاف في الرأي وطرح الرؤى المتجددة، إنها محاولة تشريح للواقع استخدم فيها الكاتب حصيلته المعرفية الثرية الناتجة عن بحث دؤوب وقراءات عميقة لتشخيص الأخطاء البنيوية التي عانى منها مجتمعنا، ثم محاولة استنتاج للكيفية والطرق والأساليب والوسائل التي يمكنها مساعدتنا على تجاوزها.

إن كل موضوع من موضوعات الكتاب يمثل بحثاً منهجياً عميقاً، لكن الكاتب أجاد في تبسيطه ليصل بسهولة إلى المتلقي، كما يؤكد على ذلك بقوله في مقدمة الكتاب بأنه يهدف إلى «خلق حراك فكري معرفي يصل بيسر وسهولة إلى القارئ غير المتخصص، ويثير اهتمام وتفاعل المفكر والمثقف المتخصص»، وأنه ـ أي الكتاب ـ «محاولة فكرية لانتشال العقول النيرة التي تستطيع أن تبصر النور بالرغم من ظلمات الجهل والتخلف وكل أشكال الانكفاء على الماضي والتراث البالي التي تحيط بنا».

هذا الكتاب يبسّط لنا مفاهيم مهمة، ويأخذنا في رحلة فكرية متنوعة وشيقة، وربما يكون بيت القصيد فيه ما خلص إليه المؤلف بقوله: «بدون إعادة النظر في منظومة الفكر في عالمنا، وتجاوز أزمة الفكر التي نعيشها، سوف ينتهي بنا الحال إلى أزمة وجود». إن هذا الكتاب يمثل نموذجاً للطرح الفكري الجاد المتمكن الذي نحتاجه في هذه المرحلة.

المصدر: عكاظ