حمود أبو طالب
حمود أبو طالب
كاتب سعودي

المُشين في ثقافة التدشين

الإثنين ٢٧ يناير ٢٠٢٠

انتشر خلال الأسبوع الماضي مقطع لسمو أمير الرياض الأمير فيصل بن بندر أثناء زيارته لإحدى المحافظات وهو يلوم بعض المسؤولين عندما طلبوا منه تدشين مشروع لم يكتمل لكن الأمير رفض ذلك، وطالبهم بإكمال المشروع أولاً، وأبدى استعداده للحضور مرة أخرى عند اكتماله لتدشينه، ليس بالضغط على زر وإنما بالوقوف الفعلي على المشروع والتأكد من انتهائه بالمواصفات المحددة التي تجعله يفي بالغرض من إنشائه. والحقيقة أن احتفاء المجتمع بذلك المقطع يعود إلى سبب مهم هو معاناتهم من ثقافة التدشين التي انتشرت في الماضي لمشاريع بعضها ناقص ومبتسر ومشوه بشكل واضح لا تخطئه العين، كان ذلك يتم بلا خجل أو خوف لدى المسؤولين الذين عبثوا بتلك المشاريع، بل بلغت بهم الجرأة إلى حد دعوة رؤسائهم أو حتى وزرائهم لتدشين تلك المشاريع في احتفاليات إعلامية صاخبة، وبشكل قبيح من الاستخفاف بالمجتمع وتحدٍ سافر لأنظمة المتابعة والمساءلة والرقابة التي لا يأبهون بها. التفتوا حولكم، في كل منطقة ومحافظة ومدينة، لتتبينوا كم هي المشاريع التي وضعت أحجار أساسها واستمرت الأحجار بلا مشاريع أو بأجزاء قليلة منها، وكم هي المشاريع التي أُعلنت لها مواصفات نموذجية في جودتها عند الإعلان عنها أو تدشين عملها لتكون حقيقتها لاحقا مشاريع عرجاء أو مشلولة عن العمل. إنها ثقافة رديئة أسسها الفساد الممنهج، فلا يدشن مشروعاً فاسداً إلا مسؤول فاسد، ملوث…

الثقافة.. والقطيعة مع جيل الجسر

الثلاثاء ٢١ يناير ٢٠٢٠

جميل هذا الحراك الذي تقوم به وزارة الثقافة منذ إنشائها، وهي قد طرحت سابقاً رؤيتها وبرنامجها في احتفالية كبيرة، غاب عنها ـ للأسف ـ بعض المثقفين المهمين كما قرأنا عتبهم على الوزارة آنذاك، نقول إنه حراك جميل ومبشر لا سيما والوزارة تتعاطى مع الثقافة بمفهومها الواسع الشامل، ومن الخطوات الأخيرة المبهجة للوزارة تدشينها برنامج الابتعاث الثقافي في مجالات عديدة وفي جامعات عالمية مرموقة، وهي بذلك تؤسس لمستقبل ثقافي ركيزته الشباب الذين سيديرون المشهد. ولكن مع ابتهاجنا بهذا الحراك، إلا أنه يلزم التذكير بأننا لم نصل الى هذه المرحلة المشرقة إلا بعد حراك وعراك وإصرار ومثابرة وتصميم وتضحيات تحملها جيل المثقفين في المرحلة الماضية على مدى أكثر من أربعة عقود، الجيل الذي حمل على عاتقه مسؤولية التنوير وتحمل تبعات مؤلمة وأثمان باهظة وهو يواجه تيار الجمود والظلام الذي كان يملك القوة والسطوة، ويحظى بالدعم والشعبية الجارفة. إنه الجيل الذي شكّل الجسر الذي أوصلنا إلى ضفة النور، وجاهد من أجل نقلنا من الحصار الشرس إلى فضاء الانطلاق الفكري الحر. كتاب ونقاد وشعراء وروائيون ومثقفون كثُر صنعوا تلك المرحلة باعتبار ذلك واجبا أخلاقيا إنسانيا ومسؤولية وطنية لابد أن ينهض بها المثقف بغض النظر عن المتاعب الكبيرة التي تواجهه في مجتمع مختطف فكرياً، هؤلاء يعيش أكثرهم الآن حالة من الشعور بالجحود نتيجة تهميشهم ونسيانهم…

كيف نخطو إلى المستقبل؟

الثلاثاء ١٤ يناير ٢٠٢٠

هذا العنوان ليس لي، فهو عنوان كتاب عميق أنيق كامل الدسم الفكري لكنه سهل الهضم ولا يسبب تلبكاً لذهنية المتلقي كما هو حال كثير من الكتب التي تتناول القضايا الفكرية بأساليب متخمة بالتعقيد والفذلكة والغموض والتكلف والفوقية على القارئ، إنه عنوان كتاب لزميلنا الكاتب العكاظي المستشار أسامة سعد يماني، صدر مؤخراً وكان ضمن العناوين المهمة في معرض جدة للكتاب الشهر الماضي، ومثله مثل الكتب الجادة التي قد لا تحظى بإقبال كبير، إلا أنه جدير بالتنويه عنه لأهمية محتواه في هذه المرحلة بالذات، التي يعيش فيها مجتمعنا تحولات كبيرة، ويحاول الانعتاق من ترسبات ماضوية عطلته زمناً طويلا. من خلال 70 مقالا سبق للمستشار أسامة كتابتها ثم جمَعها لتصبح كتاباً في 240 صفحة، يتنقل بنا في قضايا ومواضيع وإشكالات الفكر والفلسفة والحياة والإنسان، مع تركيز خاص في كثير منها على الحالة السعودية، أي المجتمع السعودي وما تنازعته وسيطرت عليه من أفكار اتسمت بالأحادية والجمود والسلطوية ومصادرة التنوع وحظر التعددية الفكرية والحجر على حق الاختلاف في الرأي وطرح الرؤى المتجددة، إنها محاولة تشريح للواقع استخدم فيها الكاتب حصيلته المعرفية الثرية الناتجة عن بحث دؤوب وقراءات عميقة لتشخيص الأخطاء البنيوية التي عانى منها مجتمعنا، ثم محاولة استنتاج للكيفية والطرق والأساليب والوسائل التي يمكنها مساعدتنا على تجاوزها. إن كل موضوع من موضوعات الكتاب يمثل بحثاً…

الإنسانية تطبيق لا شعار فقط

السبت ١١ يناير ٢٠٢٠

الأهم من كون المملكة تقدم مساعداتها الإنسانية كدولة ملتزمة بمواثيق وأنظمة وقوانين المنظمات الدولية المعنية بمساعدات الشعوب، فإنها قبل ذلك تنطلق من تعليمات الدين الإسلامي الذي يمثل ميثاقها الإنساني، والأخلاقيات التي تأسست عليها والقيم التي تنطلق منها حكومة ومجتمعاً، وهي قيم راسخة في كل الظروف، لا تتأثر بعسر أو يسر، ولا بتقلبات وظروف تطرأ على إمكاناتها، إنه التزام ديني وإنساني يقع في مقدمة أولوياتها. لقد أفادتنا مؤخراً منصة التتبع المالي التابعة للأمم المتحدة (FTS) أن المملكة حصلت على المركز الخامس عالميا والأول عربيا في تقديم المساعدات الإنسانية، إذ بلغت المساعدات السعودية 1.2 مليار دولار تمثل 5.5% من المساعدات الإنسانية الدولية، كما تصدرت المانحين لليمن بمبلغ 1.2 مليار دولار تمثل 31.3% من إجمالي المساعدات المقدمة لليمن خلال 2019، هذه الحقائق تؤكد أن المشروع الإنساني للمملكة المتمثل في مساعدة الشعوب المحتاجة هو التزام ثابت لا علاقة له بمواقف أو توجهات سياسية لأي من الدول التي تتلقى المساعدات، فقد طبقت المملكة هذا المبدأ في دول كانت لها مواقف سياسية سلبية تجاه المملكة، وخلال أزمات سياسية حادة دفعت بعض الشعوب إلى التعبير عن مشاعر غير ودية تحت ضغط السلطات، وسوف تستمر المملكة في هذا النهج طالما هي ترفع شعار مملكة الإنسانية، وهو شعار عملي وليس نظرياً استعراضياً. المصدر: عكاظ

رسالة من بدوي 2020

السبت ١٤ ديسمبر ٢٠١٩

كم أتمنى لو كان بعض السياسيين والإعلاميين العرب من حقبة خمسينات وستينات القرن الماضي أحياء كي يشاهدوا ما يحدث في العالم العربي عموماً ويقارنوا بين الدول التي انساقت لشعاراتهم الثورية الصاخبة، والدول التي قاومت محاولات تثويرها وتمزيق نسيجها المنسجم وتصدت لمحاولات اختراقها بالمؤامرات للإطاحة بأنظمتها ومؤسسات حكمها المستقرة، وبودي لو كان معهم أيضاً بعض شعراء ومثقفي ومفكري تلك الحقبة ومن لحق بهم في السبعينات والثمانينات لكي تكتمل منظومة الجوقة التي استهلكت كل الأوصاف السيئة في قاموس اللغة لتصم بها عرب الجزيرة والخليج، المملكة في المقام الأول ومعها بقية دول الخليج العربي. نتمنى لو كان الله أمد في أعمارهم لكي يشاهدوا ماذا صنع البدو الجهلة البدائيون المتخلفون، ساكنو الخيام وراكبو الجمال، الذين لا يستحقون ولا يحسنون استخدام ثروة النفط، ولن يتحضروا ويتطوروا مهما وهبهم الله من ثروات، كما كانوا يقولون. لا نريدهم أن يشاهدوا كل شيء وكل ما تحقق منذ ذلك الوقت إلى الآن فذلك يصعب حصره، فقط نريدهم أن يعرفوا أقل القليل مما حدث هذا العام وما سيحدث العام القادم في صحاري البدو، وسنختصر ذلك في ثلاثة أحداث لا أكثر. شركة أرامكو السعودية للنفط تعتلي عرش شركات العالم بقيمة تتجاوز تريلوني دولار متوجة أحد أقوى اقتصادات العالم، واستلام المملكة رئاسة مجموعة العشرين التي ستعقد العام القادم لديها بصفتها الدولة العربية…

دافوس الصحراء.. الاستثمار يعرف طريقه

الأربعاء ٣٠ أكتوبر ٢٠١٩

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، أي قبل انعقاد مؤتمر مستقبل الاستثمار في الرياض أو ما أطلق عليه «دافوس الصحراء» حشدت بعض وسائل منظومة الإعلام الغربي حملة سلبية تحث فيها كبار المستثمرين الأجانب على عدم المشاركة كتسجيل موقف ضدي على خلفية قضية الاعلامي جمال خاشقجي، رحمه الله، راهن البعض هناك على نجاح الحملة لكن ما حدث كان نجاحاً كبيراً للمؤتمر وفشلاً ذريعاً للمراهنين على فشله عندما شهد حضوراً دولياً كثيفاً استقطب أهم الإمبراطوريات الاقتصادية والاستثمارية، وتحول إلى تظاهرة عالمية فريدة من نوعها. الآن تعقد دورة جديدة من المؤتمر ستكون أكبر وأهم من الأولى لأكثر من سبب، فالمملكة خلال عام واحد منذ المؤتمر السابق حققت إنجازات مهمة في مجال استقطاب الاستثمار باستحداث أنظمة وقوانين جديدة تقدم تسهيلات يسيل لها لعاب المستثمرين، وبذلك قفزت إلى مركز متقدم في مجال التنافسية وتسهيل الأعمال وتهيئة البيئة الجاذبة. وخلال العام أيضاً أثبتت المملكة قوة ومتانة اقتصادها واستقراره عندما تجاوزت الهزات والتقلبات في سوق الطاقة العالمي، وكان أكبر نجاح لها تفوقها على ذاتها بعد حادثة مصافي أرامكو لترتفع موثوقيتها ومصداقيتها إلى درجة لم تبلغها دولة أخرى كصمام أمان لإمدادات دائمة ومأمونة لأسواق النفط، وإضافة إلى ذلك فإن المشاريع التنموية الجديدة الضخمة في مختلف الأصعدة جعلت كبار الصناديق والبنوك والشركات الاستثمارية حريصة على المشاركة فيها وهي…

البغدادي.. حلقة في مسلسل رامبو

الإثنين ٢٨ أكتوبر ٢٠١٩

كان يوم أمس صاخبا في الإعلام الأمريكي بالدرجة الأولى ومعه بقية إعلام العالم، وبالطبع إعلامنا العربي، عندما أصبح أبوبكر البغدادي زعيم تنظيم داعش محور الحدث بعد إعلان واشنطن عن القيام بعملية خاطفة لتصفيته في أحد مخابئه، سبقها ما يشبه الإعلان الترويجي للرئيس ترمب بإشارته إلى أن أمرا كبيرا يحدث الآن، ليكون اليوم بعد ذلك هو يوم البغدادي وترمب وداعش ومسلسل رامبو الأمريكي. هل ثمة مفاجأة حقيقية في خبر مقتل البغدادي بعملية استخباراتية عسكرية كما يقال، وهل هناك تفسير لها ولتوقيتها؟ قبل البغدادي كان هناك الزرقاوي وأسامة بن لادن اللذان أعلن عن تصفيتهما بنفس طريقة البغدادي، عملية عسكرية مفاجئة في توقيت مختار، ثم يطوى الملف بكل ما فيه من غموض. المعلوم أن وسائل الرصد والتعقب الأمريكية تملأ السماء والأرض بدقة متناهية تستطيع كشف أدق التفاصيل، ومع ذلك كان البغدادي يتنقل من مكان إلى آخر ويقود تنظيماً استولى على قرابة نصف العراق وثلثي سوريا دون كشف مخابئه والأرتال التي تتحرك معه في تنقلاته. شيء لا يمكن استيعابه عندما يراد للعالم أن يصدق بأن قدرة البغدادي على التخفي أكبر من قدرة وسائل التجسس والرصد والكشف الأمريكية على رصده. وقد استمر زعيم التنظيم لسنوات يشرف على المجازر البربرية والمعارك والفتوحات مع وجود تحالف دولي لمواجهته دون أن يفلح في صيده. عجيبة هذه الكائنات التي…

التعليم.. روح جديدة لزمن جديد

الإثنين ٠٧ أكتوبر ٢٠١٩

يبذل وزير التعليم نشاطاً كثيفاً لتوضيح رؤية الوزارة الجديدة وما تقوم به لإصلاح التعليم، فخلال فترة قصيرة وفي مدينة جدة فقط اجتمع مرتين بالإعلاميين والكتاب والمهتمين بمجال التعليم، وكانت المرة الأخيرة في استضافة صحيفة «عكاظ» التي نشرت يوم أمس ملخصاً لحوار ونقاش طويل مستفيض شاركت فيه مجموعة كبيرة من المدعوين، تحدث الوزير خلاله بصراحة وشفافية عن أبرز الخطوات لتطوير التعليم، خصوصاً التعليم العام. هذه الوزارة استمرت مثقلة بأخطاء تعليمية وتنظيمية وإدارية وفكرية استعصت على كل محاولات انتشالها منها، ومن أهم أسباب هذا المأزق هو الوصاية التي أشار لها الوزير في حواره العكاظي، والأوصياء معروفون للجميع ولم يعد الحديث عنهم محظوراً ولا الإشارة اليهم ممنوعة كما كان في السابق، وقد تمكنت هذه الوصاية من تعطيل التطوير والتحديث لتبقى الوزارة رهينة الصقور الذين يديرونها من داخلها وخارجها وفق فكرهم الرافض بشراسة لأي تدخل إصلاحي. من الأشياء الجميلة والشجاعة التي قالها الوزير في حواره أن التعليم سيبقى مؤسسة رسمية في عهدة الدولة ولا وصاية لأحد عليه، وأن الوزارة أمام جيل سيحاسبها على أي تقصير ولن يقبل أنصاف الحلول، وفي ذلك إشارة غير مباشرة إلى أن التعليم كان عملياً في عهدة خط فكري يعمد الى إخراجها من السياق العام لتوجهات وخطط واستراتيجيات الدولة، وذلك ما جعل بعض الوزراء الذين حاولوا اقتحام الخطوط الحمراء للأوصياء…

السعودي إماراتي والإماراتي سعودي

الجمعة ١٦ أغسطس ٢٠١٩

هذه العبارة الموجزة كانت رد الأمير البليغ خالد الفيصل على سؤال في المؤتمر الإعلامي لانتهاء أعمال موسم الحج عن ما يشاع من وجود خلاف سعودي إماراتي، وهي الشائعة التي بدأت منذ فترة بعض الجهات محاولة نشرها وتكريسها على خلفية الأزمة اليمنية ووجود التحالف العربي الذي تشكل السعودية والإمارات جناحيه الرئيسيين وقوته الأساسية، وازدادت وتيرتها بعد الأحداث الأخيرة في عدن، وعندما نقول إنها مجرد شائعة فذلك يعود إلى جملة من الحقائق وليس الفرضيات أو الاحتمالات والتوقعات والأمنيات. رغم بديهية استحالة تطابق سياسة أي دولتين بشكل كامل في كل شيء، إلا أن دولتين مثل السعودية والإمارات يستحيل أن تختلفا حيال القضايا الكبرى والمخاطر الوجودية والملفات التي تعنيهما بنفس الأهمية، فهما بالإضافة إلى حتميات التأريخ والجغرافيا تشتركان في مواجهة تهديدات ليست موجهة لهما فقط وإنما لمنطقة الخليج والكيان العربي بأكمله، لذلك كان التنسيق الكبير بينهما والتفاهم العميق مستمراً، وتجلى ذلك في الملف اليمني منذ لحظة إطلاق التحالف العربي مروراً بكل محطات الأزمة اليمنية. الأطراف التي يهدد مصالحها هذا التنسيق الذي يصل حد التكامل هي التي تمارس التشويش على هذه العلاقة، وقد تمكنت للأسف من اختراق بعض المكونات السياسية اليمنية داخل وخارج الكيان الشرعي لتسويق وجود خلاف سعودي إماراتي، وكانت أحداث عدن فرصة ظنوها ثمينة لترسيخ هذه الشائعة، لكن تم إجهاضها بشكل عملي من…

لا بد من ساعة الصفر مع الحوثيين

الثلاثاء ٢٥ يونيو ٢٠١٩

في مقال سابق عنوانه «هل نستمر في عد صواريخ الحوثي» تطرقت إلى استمراء الحوثيين في تكثيف إطلاق الصواريخ الباليستية باتجاه المدن السعودية بعد أن كانت اعتداءاتهم تتم بمقذوفات تقليدية لا تتجاوز المواقع المتاخمة للشريط الحدودي، آنذاك كان عدد الصواريخ قد تجاوز المئة تقريبا وكان الوضع مزعجاً ونحن ننتظر نتائج المفاوضات الأممية لتثبيت نوع من الحل السياسي للأزمة اليمنية، لكن الأمور مضت إلى مزيد من السوء بتدشين هجمات الطائرات المسيرة المفخخة، ثم صواريخ نوعية جديدة قيل إنها من نوعية كروز، لينتهي بنا الحال إلى محاولة استهداف مرافق إستراتيجية حساسة كمحطات الكهرباء وتحلية المياه والمطارات المدنية في ظل تجاهل تام للمجتمع الدولي واستمرار التواطؤ الأممي. الهجمة الثانية الأخيرة على مطار أبها بعد وقت قصير من الهجمة السابقة يفترض أن تشكل منعطفاً جديداً في التعامل مع الحوثيين بتقييم الوضع سياسيا وعسكريا ثم تنفيذ إستراتيجية جديدة لمنع اعتداءاتهم علينا. نعرف أن حسابات الحرب معقدة جدة ولا تخضع للانفعالات لكن الحوثيين أصبحوا يستعرضون قوتهم علينا، وللتنويه فإنه لابد من إعادة النظر في القول بأنهم مجرد ميليشيا تضرب وتختبئ في جحورها، لأنهم الآن يملكون عتاداً عسكريا كبيراً ولديهم قيادة مشتركة مع الخبراء الإيرانيين تدير مجاميعهم الكبيرة التي انضم اليها عدد كبير من القوات النظامية السابقة، وهذا ما يجب أن يغير معادلات المواجهة معهم، ومن شروط ذلك…

الوطن وفضيلة النقد الحر

الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩

نكتب ونتحدث لنرصد ملاحظاتنا على الأداء في كثير من شؤون وطننا، ننتقد الخطأ والتقصير والتسيب والإهمال والفساد الذي لا يمكن تنزيه أي مجتمع منه مهما كانت صرامة قوانينه ومهما كان وعيه متقدما، نفعل ذلك لأن الدولة أصبحت (تلعب على المكشوف) مع كل الذين يعيقون مسيرة الوطن بممارساتهم السلبية أياً كان نوعها، لم يعد هناك كبير فوق المحاسبة، ولم تعد هناك تصنيفات تجعل من أناس فوق القوانين، نفعل ذلك من منطلق وطني نزيه ولا نأبه بالذين بدؤوا يخلطون الأوراق بصورة ممعنة في السطحية والسذاجة، والخبث ربما، عندما ينبرون للقول بأن المتربصين بالوطن من الخارج يتصيدون مثل هذا النقد لترويجه بأن وطننا يمر بأزمة داخلية نتيجة مشاكل يعاني منها وبالتالي لا يصح الحديث عن السلبيات حتى لا نمنحهم فرصة الشماتة والتشفي. مثل هذا الطرح ضار جداً وينم عن رؤية قاصرة وفهم خاطئ لمعنى المواطنة ومسؤوليتها وواجباتها عندما يتعرض للنقد البناء غير المشوب بالمبالغات والمستند إلى معلومات صحيحة والمنزه من التوظيف المشبوه والنيات الملوثة، وغيابه يتيح مجالا لتراكم الأخطاء والسلبيات، وتكريس فكرة تجنبه وعدم ممارسته تنصل من واجب وطني أساسي. الذين لا يريدون الخير لوطنك من الخارج أو الداخل يهمهم أن تتغافل عن تصحيح الأخطاء لتتراكم وتتفاقم حتى تصل إلى مرحلة يصعب التعامل معها ثم يبدأ تأثيرها على المسيرة الوطنية بشكل أكبر، وهؤلاء…

الدراسات الاجتماعية.. الضرورة الغائبة

الأربعاء ١٩ يونيو ٢٠١٩

نشرت صحيفة «عكاظ» يوم الإثنين الماضي ١٧ يونيو تقريراً تضمن إحصائيات عن أعداد الطلاق في مناطق المملكة طبقاً لمعلومات المحاكم الشرعية خلال شهر شعبان الماضي، وكان المثير في التقرير أن عدد حالات الطلاق في بعض المناطق أكثر من حالات الزواج في تلك الفترة، ولعدم توفر معلومات للمقارنة في التقرير لا ندري هل عدد حالات الطلاق في الشهور الأخرى من نفس العام أكثر أو أقل، وكذلك بالنسبة للأعوام السابقة كي نعرف ما إذا كان المؤشر الإحصائي في صعود أو هبوط أو متذبذب أو غير ذلك، وعلى أي حال ورغم أهمية الموضوع اجتماعيا فإن غرض الحديث ليس إحصائيات الزواج والطلاق، وإنما إهمالنا لمجال في غاية الأهمية هو الدراسات الاجتماعية. هذه الدراسات ضرورة قصوى لكل المجتمعات في كل الأوقات، ولاسيما في ظل التغيرات المتسارعة التي مرت وتمر بها خلال العقود القليلة الماضية التي تغيرت فيها أنماط الحياة المتعلقة بالعمل والعلاقات والإنتاج والمكونات الأسرية وكثير من القيم التقليدية المتوارثة، وبما أن مجتمعنا من أكثر المجتمعات التي شهدت هذه التحولات الحادة فإنه من أحوجها إلى الدراسات الاجتماعية العلمية المنهجية التي تُبنى عليها الخطط والإستراتيجيات في كل المجالات، ولا تستطيع دولة التخطيط السليم لإدارة المجتمع بنجاح دون توفر هذه الدراسات بشكل مستمر لأنها أساس كل القرارات الصحيحة التي تحقق نتائج إيجابية، وهذا ما فعلته وما زالت…