عبدالله المغلوث
عبدالله المغلوث
كاتب وصحفي سعودي

«ما عندك عند جدتي»

آراء

كنت في منزل صديق وكنا نتحدث عن أحد الأشخاص. ففاجأني صديقي معلقا عليه: “ما عنده عند جدتي” دلالة على أنه لا يفقه شيئا. دخلت في حوار طويل معه احتجاجا على حطه من قدر ذلك الشاب وأكثر على تقليله من شأن جدته وجداتنا عبر إشارته السلبية لهن. لكنه لم يكترث. للأسف ليس هذا الصديق الوحيد، الذي يسيء لجداتنا. معظمنا نرتكب هذه الحماقة بقصد أو دون قصد.

هل هذا هو ذنب جداتنا اللاتي بذرونا في هذه الأرض. غرسونا برفق وسقونا بسخاء حتى ترعرعنا وارتفعنا. وعندما حان وقت الحصاد نقذفهن.

وكما يقال، لا يؤلم الشجرة الفأس. ما يؤلمها حقا أن يد الفأس من خشبها. محزن أن يكون جزاء جداتنا التهكم والسخرية والانتقاص.

فبدلا من أن يرتبطن في أمثالنا وأحاديثنا بالحنان والدفء والنقاء والسخاء، ارتبطن بقلة الثقافة والوعي.

لو تأملنا قليلا في هذه العبارات الغبية التي نرتكبها سنعلم تماما من هو الفقير في العلم والأدب والثقافة؟

يقاس كثير من الأمم والحضارات والشعوب من أمثلتها والعبارات التي يرددها أهلها. فهل هذا فعلا ما نود أن يذكرنا به العالم، ما نود أن يرتبط بنا؟

نملك ذخيرة من الألقاب عن جداتنا: حبابة، وتيته، وستي، وحنونة.. فلمَ لا نكرسها أقوالا وأفعالا؟ هل تستحق حبابة ما نقترفه بحقها. الله ما أجمل هذا الاسم. تأملوه جيدا. أي أنها كمن يمشي ويوزع الحب ذات اليمين وذات الشمال. وهي فعلا تقوم بذلك بكفاءة لا يجيدها أحد سواها. يمتلئ صدرها بأدعية لا تتوقف عن الهطول. في كل مرة كنت أزورها، رحمها الله، كانت تغمرني بأدعيتها التي ينطق بها لسانها ويداها ومسبحتها. أذكر أنها كانت تودعني حتى أصل إلى الباب. لا أنسى أنه من فرط إخلاصها في توديعي وكل أحفادها كانت تغلق الباب على غطائها فتستنشق الحارة بأسرها دهن عودها ودعواتها التي التصقت بها. هل من العدل أن نقابل كل هذا الإحسان والدعاء بعبارة ساذجة؟

عاقبوا كل من سولت له نفسه أن يرتكب مثل هذه العبارة. اهجروه حتى يستيقظ من غيبوبة جهله. هذه حبابة. لا تستحق سوى الحب.

المصدر: الإقتصادية
http://www.aleqt.com/2015/05/31/article_961776.html