ياسر الغسلان
ياسر الغسلان
كاتب و مدون سعودي

‭‮شهر الأخلاق التجارية

آراء

أبدأ بالقول: “رمضان كريم وكل عام وأنتم جميعا في أتم صحة وعافية”، وأذكّر نفسي وإياكم بأننا لسنا الوحيدين الذين نصوم الشهر الفضيل، فكل مسلم على وجه المعمورة يواجه ويعيش في هذه اللحظة الشعور ذاته الذي تواجهه أنت الآن، من عطش وتعب ورغبة قوية في الاستمتاع بوجبة شهية، وكأس خاثر من التمر هندي أو بارد من الفيمتو.

نتحجج ويتحجج كثير منا -كل في مكانه- بأن سوء أدائه وانخفاض إنتاجيته تعود إلى أنه صائم، وأن نفسيته المتوترة وردوده الجافة وأخلاقه التجارية كما يقال تعود إلى أنه صائم، فحروب المركبات تدور رحاها في الشوارع العامة، وأصوات المتذمرين تعلو في المؤسسات الحكومية، والكل يمضي باتجاه “مقاتلة ذباب وجهه” جارا وراءه أكواما من شتائم المتضررين من كلامه، وأرتالا من ذنوب تنوع مرتكبوها.

لن أتطرق إلى شرح المكانة الروحانية التي يعنيها رمضان لكل مسلم، فهذا أمر لا أعتقد أن أحدا منا يجهله، ولكني أود أن أركز على مسألة أن التجربة التي يمر بها الجميع مهما كانت شاقة لا تعطي الفرد الحق في أن يستخدمها ذريعةً في تحوله إلى غول متحرك، أو متذمر بائس يصبغ بسلبيته كل ما -وكل من- يحيط به.

سنجد أن الموظف في مكتبه سيتأخر عن الحضور، وسيقوم بالتهرب من أداء عمله لأنه منهك من طول نهار رمضان، فينظر إلى المراجعين على أنهم أعداء أتوا ليحيكوا له مؤامرة لإسقاطه من على كرسيه المخملي، وستجد الأب يتعامل مع أبنائه وكأنهم خلقوا لتعكير مزاجه، وكأنهم نقمة اُبتلي بها في ليلة “ما صلى فيها على البني”، والأم من طرفها تتحول إلى تجسيد حقيقي لمعنى النكد، فكل ما حولها قبيح، وكل من حولها مزعج ومتسلط وبائس.

من يقرأ ما سطرته أعلاه يتصور أن هذا الشهر الكريم هو شهر الانتقام لا شهر الرحمة والتراحم والعبادة والطمأنينة، ولعلي بما كتبته قصدت أن أسلط الضوء على أهمية ألا يكون وتكون تصرفاتهما كما وصفتها بل على النقيض منها، فقد كان وسيبقى إلى الأبد شهر رمضان شهرا يغتسل فيه الإنسان من ذنوبه ويتقرب فيه إلى الخالق جل جلاله، ويعمل على إخراج أجمل ما في روحه من إنسانية وحب في عمل الخير، والتعاون على البر والتقوى، وأن يتجلى ولو لشهر واحد إنسانا أقرب إلى مواصفات المؤمن الأقرب إلى الكمال.

المصدر: الوطن اون لاين