عمار بكار
عمار بكار
كاتب و أكاديمي متخصص في الإعلام الجديد

2014.. بداية عهد “ما بعد الإنترنت”!

آراء

العنوان هو حقيقة وليس مجرد عنوان، فشبكة الإنترنت كما نعرفها، سيبدأ العد التنازلي لها هذا العام لتصبح أقل أهمية في حياتنا وأقل تأثيرا، كما أن الاستثمارات التي تتجه إليها ستبدأ بالتناقص، ليبدأ بعدها عهد “ما بعد الإنترنت”..

هذا الانحدار سيكون لصالح بديل مهم بدأ يصعد نجمه، وهناك شواهد عملية بأنه سيشهد قفزة هامة جدا في عام 2014 بعد تمهيد استمر لمدة ثلاث سنوات. هذا البديل اسمه “إنترنت الأشياء” (The Internet of Things).

حتى نبدأ الحكاية من أولها، شبكة الإنترنت التي بدأ استخدامها في عام 1992 تقوم بربط ملايين الخوادم (سرفرات) حول العالم. كل سرفر يحمل عنوانا يميزه ويقوم بعرض معلومات، ومستخدم الكمبيوتر الشخصي يقوم بطلب هذه العناوين ثم التفاعل مع هذه المعلومات. هذا كله خلق عالما افتراضيا غير حياتنا بشكل جذري على كل الأصعدة، وتغير معها العالم إلى الأبد.

لكن العلماء كانوا يتساءلون دائما عن الكيفية التي يمكن من خلالها ربط الناس ببعضهم بعضا من خلال شبكة افتراضية، وربط الناس بالأشياء. بالنسبة للأشياء يمكن استخدام الحساسات (Sensors) والتي يمكنها أن تكون صغيرة جدا (حتى أقل من أن ترى بالعين المجردة) ويمكن للحساسات التعرف على تغيرات معينة وتنفذ أوامر معينة، وعندما صار الإنترنت لاسلكيا (وايرليس) في أواخر التسعينات، زاد الأمل في تحقيق ذلك نظريا، ولكن بقي هناك شك في إمكانية ربط الحساسات بالبشر. هذا الأمر تم علاجه مع وصول الهواتف الذكية، وانتشارها السريع والساحق بين الناس. هنا جاء الجواب على اللغز: لو عددنا أن كل هاتف ذكي يمثل شخصا معينا، وأوجدنا شبكة تشمل الهواتف الذكية والأشياء لأمكن بناء شبكة تشمل كل شيء في عالمنا الحقيقي، ولأصبح من الممكن التفاعل بينها بشكل يجعل تلك الشبكة أمرا مركزيا في كل شيء نفعله في حياتنا.

هنا مثال عملي: تستيقظ من النوم، فتتعرف الأسورة المرتبطة بيدك على أنك استيقظت فترسل إشارة لجوالك الذي يبدأ في تشغيل تطبيقات معينة، وتأتي إشارة لجهاز صنع القهوة فيبدأ في إعداد القهوة، وإشارة أخرى لجوال الخادمة التي تبدأ في إعداد الإفطار. تتحرك في المنزل، ومعك موبايلك فيتعرف كل مكان في المنزل على حركتك ويبدأ في تنفيذ الأشياء حسب ما تمت برمجته عليها. تركب السيارة وتبدأ في القيادة، فيتم بث معلومات قيادتك إلى “جوجل”، التي تبدأ في فهم حركة السيارات في الطريق من المعلومات التي ترسلها تلقائيا من جهازك. تصل إلى محل تجاري، فيتعرف المحل عليك مباشرة من كم هائل من المعلومات موجود عنك على الشبكة، فتبدأ الأشياء في خدمتك فورا بناء على ميولك واحتياجاتك ورغباتك.

تحقيق هذا المستوى المتقدم من التفاعل بين الإنسان والأشياء والمعلومات أمر شديد التعقيد، وتحقيقه يحتاج سنوات طويلة، وكلما اقتربت أكثر من تفاصيل التنفيذ زادت قناعتك بصعوبته. لكن الحقيقة الأخرى تقول بأن الشركات الكبرى قد استثمرت في تحقيق ذلك ملايين الدولارات وهي جاهزة الآن للانطلاق. من جهتها، تملك “جوجل” قدم السبق في هذا المجال لأنها تملك كما خرافيا من المعلومات عن المستخدمين الذين يستخدمون ميزات البحث على “جوجل” بشكل يومي ومتكرر في كل ما يحتاجون إليه. “جوجل” أيضا تملك نظام أندرويد الذي يستخدم حاليا في معظم الأجهزة الذكية حول العالم (ما عدا أجهزة الموبايل). لذلك أطلقت جوجل برنامج Google Now، وهو نظام هدفه أن يتعرف على ما تحتاج للبحث عنه قبل أن تبحث عنه، وذلك من خلال تفاعل بين الأوامر الصوتية للإنسان مع معلومات كثيرة تتعلق بمكانه واستخداماته اليومية والتي تسميها “جوجل” بـCards.

“أبل” من جهتها أطلقت شيئا اسمه iBeacon والذي يتعرف على مكان جهازك في أي غرفة من جميع الأبعاد، وبالتالي عندما تحرك جهازك في أي اتجاه، يمكن التعرف على ذلك. هذا الإنجاز هام جدا لتطبيق فكرة ما يسمى بالأزرار الخفية، وهي عبارة عن أماكن معينة يتم اختيارها قد لا تزيد عن 2 إنش، تتعرف على جهازك أو صوتك أو حتى تغير حراري معين، وتقوم بناء على ذلك بتنفيذ أوامر مبرمجة وكأنك ضغطت على زر معين. مثلا عندما تقترب بجهازك أو أي شيء ذكي معك نحو نقطة معينة في المنزل، تتغير الإضاءة، وعندما تقترب من مكان صغير في طرف كل رف في السوبرماركت يصدر أمرا بشراء هذا الشيء وهكذا.

هذه كلها تفاصيل تقنية قد لا يمكن استيعابها لأول وهلة، ولكن استخداماتها في النهاية متروكة للإبداع الإنساني لدى شركات التقنية الكبرى، التي ستبحث عن الأفكار وتسوقها للناس، حسب العرض والطلب. النتيجة بلا شك هي خلق شبكة عامة نصبح كلنا جزءا منها بشكل يقترب فيها العالم الافتراضي من العالم الحقيقي إلى حد الالتصاق، حتى يصبح من الصعب معرفة ما هو حقيقي وما هو افتراضي أصلا. أو بكلمات أخرى، النتيجة هي قدرة هائلة للإنسان على التحكم في الأشياء من حوله بناء على احتياجاته الدقيقة وحتى عواطفه الخفية. هذا أيضا سيحقق دخلا ماديا ضخما للشركات التي ستستثمر فيه، حيث تقدر شركة سيسكو بأن إنترنت الأشياء ستحقق أرباحا بحدود 14.4 تريليون بحلول عام 2022.

كل ذلك سيبدأ في التكون سريعا ككرة الثلج في عام 2014، عام ينتظر الكثيرون منه في عالم التكنولوجيا أن يكون عالم تحقيق أحلام الخيال العلمي وربما تجاوزها أحيانا.

المصدر: الوطن أون لاين