محمد الرميحي
محمد الرميحي
محمد غانم الرميحي، أستاذ في علم الاجتماع في جامعة الكويت

سوريا… تقتيل وتشريد

السبت ٢١ أبريل ٢٠١٨

نعم الشعب السوري العربي ليس قطيعاً من الخرفان ينتظرون الذبح بقلة حيلة، تلك الفكرة يجب أن تحارب وتقتل بأي ثمن كان، ويؤكد الواقع أنه شعب حي، حتى وكالات الأمم المتحدة أوقفت تسجيل عدد القتلى السوريين في هذه الحرب المدمرة، وهي التي تقع بين طلاب الحرية وحقوق الإنسان الطبيعية في الاختيار وفي القول، وبين ديكتاتورية قاهرة. منذ سنتين على الأقل أوقفت الوكالات الدولية المتخصصة تعداد القتلى السوريين، توقفت عام 2016 على أربعمائة ألف قتيل مؤكد قضوا تحت تدمير سلاح النظام السوري وبراميله المتفجرة وخلطته الكيماوية، وهي الأعداد المؤكدة التي ذبحها النظام وحلفاؤه في المدن والبلدات والقرى السورية، كما أوقف تعداد المُهجّرين والنازحين الذين شُتتوا الآن في كل مناطق الدنيا وأركانها، ويُعدون بالملايين. هل لمثل هذا النظام، بصرف النظر عن التفاصيل، أن يبقى وأن يعاد تأهيله؟ ذلك مضاد لمسيرة التاريخ، كما هو مضاد للمنطق، على الرغم من مرور سبعين عاماً من الاستقلال السوري عن فرنسا، الآن، فإن «حكم الأسد» العائلة، قد أخذ أكثر من نصف كل تلك المدة، وكأنها ملكت سوريا بشراً وأرضاً.. لم يقم نظام سياسي بربع ما قام به نظام الأسد من قتل وتدمير، وبقي على حاله. في المدى المتوسط سوف يسقط النظام؛ فقد خلّف الكثير من الكراهية العميقة والمقت لدى أوساط الشعب السوري بكل مكوناته، حتى من يخرج اليوم…

وُلدت قبل ثلاثة أرباع القرن وتحتاج إلى تجديد شبابها!

السبت ١٤ أبريل ٢٠١٨

قد يكون العنوان السابق غامضاً، لكن التي أعنيها في مسيرتها الطويلة أكثر غموضاً في دورها ومهماتها من العنوان؛ فهي من أحاجي السياسة العربية المعاصرة، تلك التي وُلدت قبل خمسة وسبعين عاماً تقريباً، هي الجامعة العربية، التي أعلنت في 22 مارس (آذار) 1945 في قصر الزعفران في القاهرة، بعد تمهيدات ومفاوضات استمرت قبل ذلك لبضع سنين.. ميثاقها الذي اتفق عليه الموقّعون، يتكون من عشرين مادة، وثلاثة ملاحق، غير الديباجة. تعقد القمة العربية التاسعة والعشرون، وهي إحدى مؤسسات الجامعة وأهمها، في جو سياسي غير مسبوق، والتاسع والعشرون هو الرقم الرسمي لقمة الظهران، إلا أن عدد القمم - إن حسبنا غير العادية - أكثر من ذلك، فهو، أي العدد، كمعظم أعمال الجامعة، ليس هناك توثيق دقيق له. من يقرأ اليوم ميثاق الجامعة يشعر بأنها «نظام يريد ولا يريد»! حيث إن تفسير مواد ذلك الميثاق مطاطي «إقامة وطن عربي مع احترام سيادة الأعضاء»، ذلك أحد نصوص الميثاق! كما نص أيضاً «لا يجوز استخدام القوة لفض المنازعات البينية»، كما نص «لا يجوز اتباع سياسة خارجية تضر بسياسة الجامعة العربية»! من المهم أن نلحظ أن البروتوكولات - التي سميت بروتوكولات الإسكندرية - ومهدت للميثاق، أي القواعد العامة التي نبع منها ميثاق الجامعة، أفردت تلك البروتوكولات قرارين خاصين؛ واحداً لفلسطين، وآخر للبنان، وهما البلدان، بعد أكثر من…

الاستسلام ليس خياراً!

السبت ٣١ مارس ٢٠١٨

العنوان السابق ليس من عندي، هو عنوان كتاب السيد جون بولتون، الذي عُين مستشاراً للأمن القومي الأميركي مؤخراً، ومن المفروض أن يتسلم مهام عمله منتصف شهر أبريل (نيسان) المقبل. شخصياً تعرفت على السيد جون بولتون في إحدى العواصم الخليجية، ودار حوار مع آخرين، حول رؤيته للعلاقات الدولية، وكان قد غادر منصبه منذ زمن، وجاء إلى الحكم في الولايات المتحدة الرئيس باراك أوباما وفريقه المعروف بتبني سياسة الاشتباك السلبي. وقتها لم يخفِ السيد بولتون اختلافه مع سياسة أوباما في الشرق الأوسط، وخاصة فيما يخص إيران، على أنها استرضائية، وسوف تترك نتائج سلبية على العلاقات الدولية والسلم الإقليمي. السيد بولتون محامٍ بالتدريب، وخدم مندوباً دائماً للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة 2005 - 2006 في فترة إدارة الرئيس جورج بوش الابن، وقتها كان السائد أن تطلق الصحافة على الرجال حول بوش الابن أو أكثرهم، أنهم المحافظون الجدد، وكان بولتون واحداً منهم، وفي كتابه «الاستسلام ليس خياراً» الذي صدر عام 2007، لا يبخل السيد بولتون برأيه في نقد البيروقراطية في وزارة الخارجية الأميركية، عندما كان يعمل معها، كان يرى أنها معطلة وبطيئة في اتخاذ القرار، بما لا يناسب موقع الولايات المتحدة العالمي، كما يسرد بالتفصيل معاركه في ساحة الأمم المتحدة، من حيث نقد بيروقراطيتها وبعثرتها للأموال من جهة، ومن حيث أهمية إصلاح مؤسساتها من…

لبنان وممارسة الإغراء!

السبت ١٧ مارس ٢٠١٨

من أجل النظر في أحواله، يمارس لبنان إغراءً متعاظماً على دارسي العلوم الاجتماعية - السياسية في الفضاء العربي، هو مركز التجارب، واستخلاص العبر، ومكان دراسة مركز الجاذبية لما يعرف بالديمقراطية في طبعتها العربية. صحيح أن لبنان بلد صغير، بالنسبة لكثير من البلدان العربية، لكن فيه الكثير من الصفات التي تشترك مع محيطه العربي، من حيث الممارسة السياسية، ومن حيث تأثير التركيب الاجتماعي على نتائجها، ومن حيث المراوحة في المكان شبه الحداثي. بعد أشهر وفي 6 مايو (أيار) سوف يذهب لبنان (بطوائفه المختلفة) إلى الانتخابات التي تأجلت أكثر من مرة، فأصبح لبنان مثل غيره من بلاد العرب، ليس لانتخاباته الدورية زمناً معيناً، فمتى توافق «آلة الكتل» على تصور، ذهب اللبنانيون إلى الاقتراع، ومتى اختلفت تلك «الآلة» جددوا لأنفسهم!، لبنان في الوقت نفسه ذاهب إلى حضور «مؤتمرات» دولية في أوروبا «في روما» و«باريس»، من أجل النظر في «تمويل القوى الأمنية» في الأول، ومن «أجل تمويل المشروعات الإنمائية» في الثاني، وقد ضرب لبنان المثل الأكبر في «جمع الدول» نظرياً على الاهتمام بتنميته، كما جمعهم في الوقت نفسه على عدم الوفاء بما تعهدوا به! لبنان مثل باقي الدول العربية أو أكثرها، فيه جزر اجتماعية حداثية، ترغب في إقامة دولة حديثة وطنية وعادلة.. مثل هؤلاء مجاميع من المثقفين الحداثيين العابرين للطوائف، موجودون لكن صوتهم خافت.…

الإفاقة من «الصحوة»!

السبت ٢٤ فبراير ٢٠١٨

استخدام الدين في السياسة ليس بالأمر الجديد، إذ منذ أن عرف الإنسان «الدين» بمعناه العام، عرف أيضاً كيف يوظفه ويستخدمه من أجل الدفع بمصالحه الذاتية! والإسلام ليس استثناءً، فقد وظفته كل من الإمبراطورية البريطانية، من أجل تحقيق مصالحها، من خلال إعلان «الجهاد» في الحرب العالمية الأولى، لحشد مشاعر المسلمين، وبخاصة في الهند، للالتحاق بجيشها ورفده برجال مقاتلين، كما فعلت الإمبراطورية الألمانية بالضبط منذ فيلهلم الثاني، حتى أدولف هتلر! أيضاً لحشد الأنصار ضد العدو، وتمكين المصالح الألمانية! حسن البنا استمد فكرة تنظيمه الحلقي، من التنظيم الحديدي النخبوي، الذي أسسه هتلر تحت اسم «إس إس»، ولم يكن ذلك التنظيم إلا مرتكزاً على فكرة مسيحية قديمة، بناء «مجتمع نخبوي له مهمات ربانية»! أي إقصاء غير المتماثل وتهميش المختلف. على مدى قرن تقريباً في عالم العرب، تجمعت ظروف سياسية مختلفة ممتزجة مع أوضاع اقتصادية اجتماعية سياسية، لتخرِج في النهاية شيئاً من الحركة الاجتماعية، سميت «الصحوة»، قليل من المتابعين انتقدوا تلك الفكرة وقتها، من بينهم، وربما يعجب البعض، الشيخ المرحوم محمد الغزالي، الذي نشرت له مجلة «العربي» مقالاً بهذا المعنى في الثمانينات من القرن الماضي، أما الدكتور أحمد أبو المجد، فقد ساهم أيضاً في نقد «الحركة» الواسعة، وبخاصة أطرافها «المغالية» في عدد من المقالات في المجلة نفسها، كانت بعنوان جامع «حوار لا مواجهة» نشرت في…

تحول في استخدام الأذرع الإيرانية الخارجية!

السبت ١٠ فبراير ٢٠١٨

بالعودة إلى المشروع الإيراني الذي ربما يرى البعض أنه عودة ثانوية في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، والمنذرة بمخاطر كبرى، يرى كثيرون، وكاتب هذه السطور منهم، أن المشروع الإيراني هو من أهم العوامل المؤدية للاضطراب في منطقتنا، وسوف يتعاظم دوره في الأشهر المقبلة، لأنها أشهر الحسم، كما أنه يفتح على اضطرابات أكبر وأعمق في المستقبل المتوسط. بداية لا أقصد هنا بـ«المشروع الإيراني» شعوب إيران، كما بالتأكيد لا أقصد المذهبية الشيعية، ما أقصده هو «مشروع النظام الإيراني» الذي يبدو كلما زاد التحرك الداخلي الإيراني في مقاومته نوعاً وكيفاً، اعتقدت أن التمدد الخارجي ينقذ ما وصل إليه من سكة تنموية مسدودة، نتيجة ضيق اقتصادي وسياسي وقمع للحريات، ضاقت بهما الشعوب الإيرانية، وكُلما بدت السكة التنموية مسدودة، ضغط هذا المشروع في اتجاه التوسع في الجوار، تنفيساً عن ضغوط الداخل، وتحويلاً للأنظار إلى مكان آخر. ما إن تحررت المنطقة نسبياً من الدولة الداعشية، التي أفشت الفساد، وقتلت العباد، وهدّمت المدن، حتى أصبح المشروع الإيراني التوسعي أكثر وضوحاً وتوحشاً وشهية في الاستيلاء على مقدرات الدول المحيطة. العلامات البارزة للتوسع الإيراني هي الادعاء أنها (هزمت الدولة الداعشية)! ووجب أن تأخذ مقابل ذلك بقاء طويلاً في الجوار، وهو ادعاء تجافيه الحقيقة، فمن هزم الدولة الداعشية هو تحالف دولي واسع، إلا أن تغيب الوعي، يجعل من ذلك…

زيارة أخرى لمواجهة التطرف!

السبت ٠٣ فبراير ٢٠١٨

على مدى ثلاثة أيام، آخر الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني) التأم عدد كبير من المهتمين والدارسين العرب والأجانب ذوي القامات الفكرية المتميزة، نساءً ورجالاً، في رحاب مكتبة الإسكندرية، تلبية لدعوة مديرها العام الدكتور مصطفى الفقي، وهو من أعلام الثقافة المصرية المعاصرة، لتدارس موضوع حيوي يشغل بال كثيرين هو «الفن والأدب في مواجهة التطرف». وفي مثل هذا المحفل تتعدد الآراء وتختلف وجهات النظر، كل يحاول وضع تصور لمفهوم التطرف (التعصب) وأسبابه. ولأن الحضور من مدارس مختلفة، وعلى سوية مختلفة من التجارب والمواقف والخلفيات، فمن الطبيعي أن تتعدد زوايا الرؤية والاجتهاد. عناوين الجلسات تراوحت بين الثقافة والتقدم في العالم العربي، مروراً بالنقد الأدبي والفني، وصولاً إلى الإعلام والمسرح والسينما، وكذلك الوعي القانوني، وأخيراً دور المؤسسات الثقافية، من بين عناوين أخرى. واضح بالطبع مساحة التفكير وفضاؤه التي سارت عليه الندوة. سردت ذلك لأنقل للقارئ (نبض مسرح الأحداث) في تلك الأيام الثلاثة المائلة إلى البرد على شاطئ البحر الأبيض، التي تم الحديث والنقاش فيها حول تلك الظاهرة، وهو كما يتضح مسرح واسع متعدد المداخل. ما سوف يلي هو انطباعاتي الخاصة حول مجمل ما دار في ذلك اللقاء الفكري المهم، ناقلاً ليس فقط الانطباع، ولكن مدلياً أيضاً برأيي في مجمل النقاش الذي دار. قلت من الطبيعي أن تتعدد مداخل فهم ظاهرة التطرف (التعصب) وتفسيرها، وهي…

المجتمع الدولي!

السبت ٢٧ يناير ٢٠١٨

كثيراً ما يردد الساسة والمنظمات السياسية وبعض القوى الأهلية نداء لطلب المساعدة من «المجتمع الدولي»، وليس أكثر مرواغة والتباساً وغموضاً في العلاقات الدولية السياسية اليوم من هذا المفهوم، فأين هو المجتمع الدولي؟ هو إرادة تتحقق عندما تتسق مصالح دول كبيرة بعضها مع بعض، وغالباً على حساب دول ومجتمعات أصغر، غير ذاك فلا يوجد مجتمع دولي. أما أن يفترض أن هناك «مجتمعاً دولياً» عقلانياً ينحاز إلى الحق والعدل والمبادئ الإنسانية، فذلك غير محقق إلا في عقول الحالمين أو السذج. سبع سنوات حتى الآن والنظام السوري وحلفاؤه الدوليون والإقليميون يعيثون قتلاً وترويعاً للآمنين المدنيين في بلدات ومدن وقرى سوريا، ولا يوجد شيء اسمه «المجتمع الدولي» يردع ذلك القتل الجماعي المنظم، وتستخدم في الإبادة الغازات السامة، من دوما إلى الغوطة الشرقية إلى خان شيخون إلى غيرها من المدن السورية، والمجتمع الدولي على أكثر تقدير «متصدع» حول تلك الحقيقة. العالم منذ الحرب العالمية الأولى أدان استخدام الغازات السامة في الحروب، مروراً بالغازات التي استخدمها النظام الألماني النازي ضد مواطنيه، والتي أحدثت تداعيات كبرى في العالم، ولا تزال تتفاعل نتائجها حتى اليوم، مع كل ذلك فإن استخدام الغازات السامة في سوريا «مسألة فيها نظر» وموضوع يستحق التأني! أما استيلاء ميليشيات ممولة ومسلحة من إيران على مقدرات الدولة اليمنية، والضرب عرض الحائط بكل ما توافق عليه…

صراع الثقافات وفقر الأمم!

السبت ٢٠ يناير ٢٠١٨

في تجمع كثيف من أهل الرأي من كل دول العالم تقريباً، قال السيد جاك شيراك، رئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق، في خطاب له في مؤسسة اليونيسكو في باريس عام 2001، قال مختصراً المشهد الصراعي العالمي، إن القرن التاسع عشر شهد صراع القوميات والقرن العشرين شهد صراع الآيديولوجيات، وأما القرن الواحد والعشرون فسيكون قرناً يشهد صراع الثقافات. الأسبوع الماضي نظم المجلس الوطني للثقافة في الكويت ندوته السنوية حول «اقتصاديات الثقافة وأهميتها كقاطرة للتنمية» تناول المجتمعون فيها دور الثقافة بمعناها الأشمل في تطور أو تعويق المجتمعات، وقد تم طرح حزمة من الأفكار النيرة في نظري حول دور الثقافة في معظم مجالات الحياة الإنسانية، وأنها، أي الثقافة بمعناها العام، غير ملتفت إليها من معظم متخذي القرار في فضائنا العربي كما تستحق. فمعظم الصراعات التي نراها حولنا اليوم هي (صراع ثقافات من نوع ما)، وقد انتبه لفكرة الصراع الثقافي الممكن مفكرون عرب، حتى قبل صمويل هنتنغتون وكتابه ذائع الصيت «صراع الثقافات» أو فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ»، قبل ذاك انتبه للإشكالية مفكرون عرب منهم محمود أمين العالم، وأيضاً المهدي المنجرة وعبد الله العروي. لماذا ما نشهد اليوم هو صراع ثقافات أو صراع هويات؟ لأن أكثر الانفجارات الصراعية في عالمنا اليوم هولاً وتدميراً، هو ما ينتجه الصدام بين فكرتين ثقافيتين متناقضتين ومتضادتين، من حيث القيم والمشاعر…

الهندسة الاجتماعية الجديدة في الخليج

السبت ١٣ يناير ٢٠١٨

هناك خطوات حثيثة تتخذ لهندسة اجتماعية جديدة في الخليج، مشروع تشترك فيه كل دول مجلس التعاون تقريباً بدرجات متفاوتة، يهدف إلى تحويل الاقتصاد ومعه المجتمع من ريعي إلى مجتمع منتج، دون نسيان رعاية من يستحق في المدى القصير والمتوسط. من مظاهر الهندسة الجديدة والخطوات الأولى رفع الدعم التدريجي عن أسعار السلع والخدمات المقدمة للمقيمين والمواطنين من جهة، مع فرض ضريبة القيمة المضافة، مع ضخ بعض المال في جيوب المواطنين من جهة أخرى، من أجل تخفيف أعباء المشروع المباشرة في المدى القصير على أصحاب الدخل المحدود، قلت ذلك هو المظهر، أما الهدف الأكبر في المدى المتوسط والبعيد، هو إعادة هيكلة الاقتصاد وبالتالي المجتمع من أجل تهيئته للظروف المستجدة، وتحميل الجميع أعباء الاقتصاد الجديد، والمساهمة فيه أيضاً. الافتراض الذي يفهمه المتابعون والنشطاء أن تلك السياسة جزئية، وليست كلية أي (سياسة رفع أسعار السلع والخدمات)، بمعنى أن هندسة المجتمع مثلها تقريباً مثل الهندسة الكيماوية، شمولية الطابع في تفاعلاتها، وليست أحادية الجانب، خذ مثلاً تركيب الأدوية، فكل دواء يحتوي على عناصر متعددة ومعروفة تدخل في تركيبته، وإن زاد عنصر منها على العناصر الأخرى، فسد الدواء، بل أصبح مضراً للناس. وهذا ينطبق على المجتمع، فهو مكون من مجموعة من العناصر (الاجتماعية/ السياسية/ الاقتصادية/ الثقافية) يتفاعل بعضها مع بعض، وإنْ أصيب أحد تلك العناصر بالخلل تعثر…

صراع التعافي في العراق!

السبت ٢٣ ديسمبر ٢٠١٧

أمام المتابعين افتراضان لا أكثر حول مستقبل العراق السياسي؛ إما التعافي، وله شروطه، أو الدخول في أشكال أخرى وجديدة من الصراع تقضي على بقية «الوطن العراقي» كما عرف. طريق التعافي بدأت تظهر معالمها من خلال موقفين؛ الأول هو موقف المرجع الشيعي العراقي السيد على السيستاني الأسبوع الماضي، حين أعلن متحدث باسمه أنه على «الحشد الشعبي» أن يسلم سلاحه للدولة، انطلاقاً من أن لا سلاح خارج سلطة الدولة، والدولة بسلاحين تعني الفوضى، وقبله بأيام أعلن المجتهد الشيعي العراقي مقتدى الصدر حل الميليشيات التابعة له، وتسليم سلاحها إلى الدولة، الأمر الذي رحبت به الدولة العراقية من خلال تصريح رئيس الوزراء حيدر العبادي، الأمر الآخر في طريق التعافي التي تسير في هذا الاتجاه دعوة الكويت لمؤتمر المانحين من أجل إعمار المناطق المتضررة في العراق، الذي سوف يعقد في فبراير (شباط) المقبل 2018. إلا أن الأمور على الأرض تختلف عن الإعلانات من المراجع أو الدولة العراقية، أو حتى المجتمع الدولي، فهناك شروط للتعافي على الأرض العراقية لم تتحقق، لأنها أكثر تعقيداً من إعلان النوايا، فمن جهةٍ هناك صراع خلف الأبواب حول من يخلف السيد على السيستاني، وهو يبلغ من العمر اليوم سبعاً وثمانين عاماً (من مواليد 4 أغسطس/ آب 1930). النظام الإيراني لا يرى في السيستاني حليفاً، حيث إنه من مؤيدي ما يعرف بـ«الحوزة…

مَن المنتصر؟

السبت ٠٢ ديسمبر ٢٠١٧

ماكينة ما يسمي نفسه «محور الممانعة» المكونة من عدة رؤوس، من طهران إلى «حزب الله» مروراً بدمشق، تعلن «الانتصار» في مهمتها التاريخية لمحازبيها وأنصارها، وتبيع تلك الفكرة على مناصريها الذين فقد كثير منهم أي منعة أو تحكيم عقل فيما يسمعونه، يعتقدون بما يُقال لهم دون تساؤل أو اعتراض، ماكينة الانتشار الإعلامي التي تقع على مجمل متلقين ضعيفي المناعة، تروج أن المشروع الإيراني قد ساد في المنطقة العربية وانتهى الأمر، وأن نظام الأسد باقٍ لن يغير، وأن إسرائيل ترتعد خوفاً من القادم إليها، ولم يبقَ إلا اجتياح الدول العربية الأخرى وتخريبها وإشاعة الفوضى فيها، كي يعلن الانتصار التاريخي، لمشروع الخميني الخرافي. بالفحص الأكثر قرباً إلى المنطق السليم، نرى أن حزب الممانعة، كما يسمي نفسه، بفروعه المختلفة، هو في خسران. دعونا ننظر إلى الأمر من زاوية ما يحدث على الأرض. الفكرة الرئيسية لتسمية ذلك المحور نفسه بـ«الممانعة» هو حرب ضد إسرائيل، والعالم يعرف أن إسرائيل هي التي تفرض أجندتها عليه اليوم، إن كان في لبنان، فإن فرع الممانعة هناك، أي «حزب الله»، يقف بعيداً عن الحدود الدولية، وتفصله مجموعة كتائب دولية قوامها خمسة عشر ألفاً من الرجال الدوليين مسوَّمين بقرارات دوليه قاطعة، أما في الجولان فإن الاتفاق الإسرائيلي الروسي أصبح معروفاً ومنشوراً على نطاق واسع، والذي يفرض أن لا تقترب أي قوات…