محمد الرميحي
محمد الرميحي
محمد غانم الرميحي، أستاذ في علم الاجتماع في جامعة الكويت

أميركا… في انتظار الطحن والحسم

السبت ٢٧ يوليو ٢٠١٩

في نحو أسبوع واحد، انفجرت قضيتان في الولايات المتحدة؛ الأولى قضية السفير البريطاني في واشنطن، ثم قضية النائبات الأربع من الحزب الديمقراطي ذوات الأصول المشرقية في مجلس النواب الأميركي. والطرف المقابل في القضيتين هو السيد دونالد ترمب. وهما جزء من سلسلة الأزمات المتجددة للرئيس الأميركي؛ فأولاهما أزمة دولية ومع أقرب حليف للولايات المتحدة، والثانية داخلية تجاه صلب التكوين الأميركي المتآلف - المختلف من مهاجرين، ما دفع مجلس النواب لإدانة الرئيس بالعنصرية.  ذلك غيض من فيض من الأحداث التي يمكن أن نلاحظ منها عدم انتظام سياسي معيقاً ومقلقاً للبعض في حده الأدنى. الرئيس ترمب له معارك أخرى خارجية مع الحلفاء والأعداء، وهو ربما يسير على عكس القول الشعبي الأميركي الذائع: «قبل أن تدخل معركة عليك حساب التكاليف»! يبدو أن التكاليف السياسية بعيدة المدى هي آخر ما يفكر فيه ساكن البيت الأبيض! ليس من السهل لأي متابع لتغريدات السيد ترمب وقراراته أن يدعي أنه يعرف «الثيمة» الترمبية التي يسير عليها الرئيس، فهي ثيمة سياسية وشخصية غير قابلة للتفسير أو حتى التوقع، قبل سبر عدد من الوقائع الحالية والتاريخية. تَسرَّع بعضُهم وقال إنها ثيمة رجل الأعمال، ولكن حتى «رجل الأعمال» هذا يمكن أن تُفسَّر تصرفاتُه بعقلانية ويمكن التنبؤ بكثير منها. إن الأكثر قابلية إلى التفسير المعقول أمران؛ الأول أن القوة الأميركية تفقد «زخمها»…

حراك الجزائر… قراءة في الاحتمالات

السبت ٠٦ أبريل ٢٠١٩

مع إعلان استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، تتحرك الأزمة الجزائرية إلى احتمال حدوث انفراج، ولكنه احتمال لأن الطريق إلى الحل النهائي ما زالت ضبابية على الأقل. بعض المحللين الجزائريين فيما يكتبون حول الحراك الحاصل في الجزائر أن هذا الحراك يمثل «الموجة الثانية من الربيع العربي»، والتي قد تستفيد من أخطاء الربيع الأول، وقد يكون ذلك صحيحاً وقد يكون مبالغاً فيه.  ما يحدث في الجزائر لافت للنظر ونتائجه الأخيرة سوف تقرر الكثير، ليس لمستقبل الجزائر، بل ربما لمستقبل منطقة الشمال الأفريقي العربي برمتها. ليس بالأمر السهل توقع أي طريق سوف يسلكها الحراك، فهو في جزء منه يشابه حراك الربيع الذي اجتاح المنطقة العربية في العقد الثاني من القرن الحالي، وفي جزء منه مختلف. المتشابه كثير، أولاً الحراك لم يكن وليد يومه، بل بدأت جذوره ربما في العهدة الثانية للرئيس بوتفليقة الذي استطاع في البداية أن يُضمد جراح الجزائر بعد عشرية سوداء (هي في الحقيقة حمراء من كثرة ما أريق فيها من دم)، إلا أن النظام في العهدتين الأخيرتين أصبح قعيداً، يدار تدريجياً من أشباح في مؤسسة الرئاسة، مع تهميش للمؤسسات الأخرى، ومع تفاقم المرض على الرئيس أصبح في عزلة، كما أصبحت أختام الدولة المركزية في يد مجموعة صغيرة غير منتخبة، لها قدرة التحريك وليس عليها عبء المساءلة، فزادت مساحة الفساد…

أخت الرجال

السبت ٠٢ مارس ٢٠١٩

إن البحث عن دور ومكانة المرأة في الخليج ليس جديداً، فقد عقد في الكويت منذ أربعة وأربعين عاماً، أي سنة 1975، أول مؤتمر لدراسة «دور ومكانة المرأة الخليجية المرتجى في التنمية». ولم يكن ذلك المؤتمر ومخرجاته مقبولين من بعض قطاعات المجتمع، إلا أنه حدث. ثم كرت المسبحة، فعقدت «ندوة التنمية في دول الخليج»، وهي مجموعة تطوعية من أبناء وبنات دول الخليج، وما زالت تلك المجموعة مستمرة تقوم باجتماعاتها البحثية التطوعية حول التنمية، وتنشرها في موقعها، وكل عام تدرس موضوعاً له علاقة بالتنمية. وقد زارت موضوع المرأة الخليجية (بحثياً) مرتين؛ الأولى في عام 1987، والثانية في فبراير (شباط) هذا العام، في محاولة دؤوبة ومستمرة لخلق رأي عام في المنطقة، يثمن أهمية تمكين نصف المجتمع في الحياة العامة.  وعلى مدار نصف القرن الماضي، تسارع العمل على ما يمكن تسميته «تمكين المرأة في الخليج»؛ لأن كثيرين ممن ساروا في الدعوة لتمكين المرأة، لديهم قناعة بأن التمكين شرط مسبق لتحقيق التنمية، وكان عليهم أن يواجهوا مخزوناً من الممارسات والأفكار التراثية المناوئة والصلبة والمستقرة في المجتمع. مع الإعلان عن تعيين الأميرة ريما بنت بندر، سفيرة للمملكة العربية السعودية في واشنطن، تكون الدائرة تقريباً قد اكتملت. لقد شقت المرأة في دول الخليج اليوم طريقاً واسعاً في المساهمة في التنمية منذ ذلك الوقت، فقد أصبحت المرأة الإماراتية…

هل هرمت الثورة؟

السبت ١٦ فبراير ٢٠١٩

المناصرون للثورة الإيرانية احتفلوا بالعيد الأربعين لها اتكاءً على أن بقاءها إنجاز يتوجب الفخر به! وآخرون يرون أن الثورة في عيدها الأربعين قد هرمت، فهي لم تنجز ما وعدت به، وهو أن تكون إيران أرض اللبن والعسل لكل سكانها، بالمعنى المجازي. أول ما يصادف الباحث أن إنجاز الثورة، على كثير من الأصعدة، إن كان يسمى إنجازاً، متواضع في المحصلة العامة في مكان، وسلبي للغاية في مكان آخر. لقد صرفت «الثورة الإيرانية» على الخارج بلايين الدولارات، وحرمت الداخل من موارد وثروات كان يمكن أن تعينه على اجتياز بعض الأزمات، وانتهت بأنها أشعلت حروباً وحملت على ظهر الاقتصاد الإيراني «أزلاماً» سرعان ما ينفضّون إن نضب كيس التمويل! في الداخل ظهرت معالم الحرمان في عدد من المؤشرات كالفقر وسقوط سعر العملة، وتدني الخدمات، وضيق في الحريات، وغيرها من المؤشرات، ما لا يستطيع عاقل أن يتجاهله. ذكرى «الأربعين» لها مكانة رمزية لدى القائمين بالثورة، وتعني في الميثولوجيا الإيرانية «انتهاء الحزن»، فهل الأربعين يبشِّر بانتهاء «حزن الإيرانيين»؟! اليوم ظهر جيل جديد في إيران له مطالب جديدة ورافض تماماً الوضع برمّته، حيث أصبح ثلث الشعب الإيراني تحت خط الفقر، وأصبحت إيران تستورد ما كانت تصدِّر. جردة مهمة ومتوازنة جرت الأسبوع الماضي في الرياض لسبر سيرة الثورة، حيث احتضن المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، ندوة ليوم واحد أسهم…

الاختلاف على الخلاف مع إيران!

السبت ١٩ يناير ٢٠١٩

على الفضائيات الدولية، وفي بعض المقالات التحليلية، يتبرع بعض الإخوة المعلقين من العرب، خصوصاً على الفضائيات التابعة لدول أجنبية، التي تملأ الساحة الإعلامية اليوم، بالقول بنبرة جازمة حول العلاقات العربية - الإيرانية بشكل عام، ومن جهة خاصة العلاقات الخليجية - الإيرانية. خلاصة قولهم في هذا الملف إن «الأفضل والأكثر حكمة، وربما توفيراً في الجهد والمال» أن يتوافق الخليجيون مع إيران! وهذا القول بأشكال مختلفة وبعبارات متغيرة ينقله أيضاً بعض المحللين الخليجيين، على الأقل في الندوات المغلقة. لا أريد ولا أرغب ولا أسمح لنفسي بالدخول في مناقشة النيات، فذلك علمه عند الله، ولكن أريد أن أناقش الموضوع من زاوية تحكيم المنطق العقلي. أعرف مسبقاً أن البعض لن يروقه هذه التحليل، فنحن كعرب اليوم منقسمون في كثير من القضايا، والناس تنقسم في الآراء بسبب خلفيتها السياسية أو تحيزها المسبق، أو بسبب معلومات ناقصة أو غير متوفرة، أو في بعض الأحيان من أجل المناكفة والنكاية لا غير. كل ذلك وارد وممكن، فطبيعة الاختلاف ربما هي الطبيعة الثانية للبشر. نعود إلى القول إن الأفضل أن يكون هناك «وفاق» خليجي مع إيران، يجنّب المنطقة الكثير من الشر الذي يختفي خلف أقنعة كثيرة، يبدو القول على كلياته قريباً إلى القبول! ولكن كما يقال دائماً «الشيطان في التفاصيل». فأولاً إن أيَّ «وفاق» يحتاج إلى أن يكون أطرافه…

مسرح الشرق الأوسط السياسي… تآكل ثقة وعدم قدرة!

السبت ١٢ يناير ٢٠١٩

اللاعبان الأساسيان على مسرح الشرق الأوسط السياسي هما الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، وكلاهما اليوم يتنازعان في وقت، ويتفقان في وقت آخر على رسم خريطة جديدة لمنطقتنا، وكلاهما غير قادر على أن يفعل ذلك منفرداً! الأقدم في التعامل مع قضايا المنطقة هي الولايات المتحدة، وهي اليوم، تحت قيادة السيد ترمب، في مكان رمادي ومحفوف بالمخاطر، ليس فقط بالنسبة لنا، ولكن أيضاً حتى بالنسبة لحلفاء أميركا التقليديين في الغرب والشرق، أيضاً للجمهور الأميركي الأوسع الذي تتصاعد انتقاداته لسياسات الإدارة. تعقد الوضع في الداخل الأميركي توصفه مجلة «الإيكونوميست»، في عددها الأول لعام 2019، بالتالي: لو كان البيت الأبيض شركة مساهمة وتفاقم عدد المستقيلين والمقالين في إدارتها، كما هو واضح في البيت الأبيض، لفكر كثير من حاملي الأسهم في بيع أسهمها، لأنها شركة يمكن أن تفلس في أي وقت. إلى هذه الدرجة يبلغ عدم اليقين في سياسات البيت الأبيض، التي تبنى في الغالب على (انطباعات) بدلاً من الحقائق الموضوعية المعتمدة على سماع الاستشارات من ذوي الاختصاص. قضية السيد دونالد ترمب تتوجه إلى خواتيمها المحتملة، فهو قد جعل مناصريه وأعداءه، على السواء، يجمعون اليوم على أنه يدير البيت الأبيض ومصالح الولايات المتحدة الكبرى والأساسية حسب (هواه الشخصي)، فقد فشل في عدد من الملفات، من بينها كوريا الشمالية، وأطلق معركة تجارية مع الصين أضرت في النهاية…

إعادة زيارة للبيت الخليجي

السبت ٠٨ ديسمبر ٢٠١٨

55 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للعرب جميعاً نابع من دول مجلس التعاون، ويعيش 14 في المائة من مجموع العرب في هذا الإقليم. جزء من ذلك الناتج الاقتصادي يذهب إلى تمويل مشروعات تنموية وحيوية في بلاد عربية. النتيجة أن استقرار إقليم مجلس التعاون، حجر زاوية لاستقرار المنطقة بكاملها، وأن أي اضطراب فيه سوف يؤثر لا محالة على الأمن والسلام في المنطقة.  إنها صورة سريعة مختصرة للثقل الذي يمثله هذا الإقليم، وهو جزء من صورة تأثيره في الاقتصاد العالمي، إلا أن القلق على أمن هذه المنطقة واستقرارها يتزايد. المخاطر قادمة من جهتين؛ الأولى وربما الأخطر، من قبل «خلاف الإخوة» على تحديد المخاطر وفهم أولوياتها وكيفية مواجهتها، فبعض يرى عن حق أن الاستمرار في تعضيد عناصر «الانقلاب على الوضع القائم»، هو تهديد حقيقي للأمن الوطني والإقليمي كافة، ولن تقتصر الخسائر إن سمح له بالتمدد على الآخرين، بل سوف تطال لا محالة في المدى المتوسط من قام بتعضيده سياسياً أو مالياً أو إعلامياً، لأنه نقيض طبيعي لمشروعه، كونه مشروعاً انقلابياً على كل الشرعيات وعابراً للأوطان بامتياز، يقع على الجميع شرره. بجانب تهديدات «خلاف الإخوة» الذي يسبب العجز، هناك تهديدات متجاوزة للحدود، منها الاستراتيجي والمالي، ومنها العسكري. المالي والاقتصادي تظهر صورته جلية في تسارع بين دول العالم الصناعي بإيجاد بدائل للنفط، فإن علمنا…

الإبهام والإظهار في علاقة بغداد بطهران

السبت ١٥ سبتمبر ٢٠١٨

ماذا يعني أن تقوم جماهير البصرة بإحراق القنصلية الإيرانية من ضمن عدد من الأعمال التخريبية لمنشآت حكومية؟ قراءة الفعل من منظور سياسي، تعني أن الجمهور في البصرة، المدينة المحاذية لإيران، أراد أن يقول لطهران إن نظامكم السياسي لا يناسبنا. الفعل ذاك متوقع من أي مراقب يعرف عن قرب الشعور الوطني العراقي، الذي تكوّن على مدى طويل، إلا أن المعضلة السياسية العراقية ليست قريبة إلى الحل، فهناك عدد من السيناريوهات المحتملة لتطور المشهد السياسي العراقي، بعضها مع الأسف خطير، وقد تؤثر نتائج بعض تلك السيناريوهات السلبية على جوار العراق أيضاً. اليوم اتضحت الاستراتيجية الإيرانية في الجوار، وهي تعتمد على تكوين قوة أو قوى مسلحة في الداخل الوطني (العراقي أو السوري أو اللبناني أو اليمني) موالية كليا أو جزئيا لإيران، ومُؤْتَمِرة بأوامرها ومشحونة بالطقوس، من أجل التأثير في مسيرة العمل الوطني في تلك الأوطان، وإلحاقها جزئياً أو كلياً برغباتها، تكبر تلك الجماعات أو تصغر، مسلحة كما في أماكن، وغير مسلحة في أماكن أخرى، ظاهرة في أماكن، وكامنة في أماكن أخرى، بفعل إغراء مادي، أو بفعل إغراء معنوي (مذهبي) أو بفعل إغراء مصلحي (نفوذ وسلطة). في الحالة العراقية، وبسبب التطورات في العلاقات الدولية، خاصة الإيرانية - الأميركية، يظهر الصدام وشيكاً، بعد انقضاء التعايش بين القوتين. إيران تريد أن تكمل المسيرة على أن الساحة…

سر الغرفة 230

السبت ٢٥ أغسطس ٢٠١٨

يبدو من الأخبار المتعاقبة أن اتفاقاً إسرائيلياً حماسياً يلوح في الأفق بعد زمن قصير، من أجل ما عرف بالتهدئة والتهدئة المقابلة. والاتفاق المرتقب يأتي بوساطة مصرية ودولية، مع شيء من التنازلات التي سُميت إنسانية. شخصياً لا أتحمس لنقد ما يجري حول القضية، ليس لأني غير مهتم كما غيري من العرب الكاثرة، ولكن لأني أعلم أن ما يعانيه الشعب الفلسطيني قد فاق معظم معاناة الشعوب على هذه الأرض وفي التاريخ المعاصر، وعندما أقول الشعب الفلسطيني فإني أفرق بينه وبين القيادة، فلم تتهيأ خبرة أكثر تنوعاً وعمقاً لدى نخب عربية في عصرنا، كما تهيأت للنخب الفلسطينية، لكن تلك النخب العلمية يندر أن تطفو على السطح السياسي، فمنذ أن نشأت القضية قبل مائة عام إلى يومنا هذا، استطاعت قلة من تلك النخب الفلسطينية أن تؤثر في القرار أو تتخذه. فأهل «الشعبوية» هم من يطفون معظم الوقت على السطح السياسي، وما زالت القضية تراوح مكانها بسببهم جزئياً. السؤال الذي يتبادر إلى الذهن والمنطق... إن كانت «حماس» وحلفاؤها في غزة أو في أي مكان آخر من الأرض الفلسطينية، قادرين وقابلين للتهدئة مع إسرائيل، بصرف النظر عن تصنيف تلك التهدئة، أليس من الأولى أن تقوم هي وأيضا «فتح» في الضفة، بالوصول إلى تهدئة مستحقة للجمهور الفلسطيني العريض، والاتفاق على حد أدنى من الخيارات الوطنية؟! لدى قناعة…

موسى وشلقم… من أجل خلق «حوار نشط»

السبت ١١ أغسطس ٢٠١٨

لديَّ قناعة بأن الموضوع الذي أتحدث فيه اليوم لن يعود إليه أحد. ربما هي جملة استفزازية، فقط من أجل إثارة الرغبة لدى البعض، بأن ينظروا إلى الفكرة التي أريد أن أطرحها، وربما يعودون إليها مساهمة في إغناء التفكير بصوت عالٍ، من أجل خلق «حوار نشط» في فضائنا الثقافي العربي، الهدف هو أن نعيد به تقليداً سارت عليه ثقافات أخرى، وأنتج كثيراً من الإيجابيات، وهو الحوار العلمي الندي فيما يكتب وينشر، من أجل الوصول إلى قناعات مشتركة.  في هذا الشهر، وفي الأول منه، نشر السيد عمرو موسى في هذه الجريدة، مقالاً كان عنوانه «التلصيم»، وبعد أربعة أيام نشر عبد الرحمن شلقم، في الجريدة نفسها، مقالاً بعنوان «الوضع العربي... مراجعة المفاهيم» ما لفتني أن كلا الاثنين واحد، وإن تناولاه من زوايا مختلفة. إلا أن مناقشة ما يطرح من أفكار في ساحة الفكر العربي، افتقدت كثيراً وطويلاً، المناقشة الجادة، والأخذ والرد فيما يقال، وكأننا جميعا «جزر» (مع استثناءات قليلة) بها أفراد يصيحون في واد مهجور، كل يقول كلمته ويمشي. أحاول هنا أن أحيي فكرة كانت موجودة في الأدب العربي في سنوات ما قبل «الثورات»، هي تنشيط الحوار العلني في الشأن العام. وهي ظاهرة صحية ومطلوبة، أن يجري النقاش العام لما يطرح من أفكار، لغربلتها تأكيداً أو نفياً أو إضافة أو تعديلاً، ويتدخل فيه…

إعادة زيارة لتاريخ العرب الحديث

السبت ٠٤ أغسطس ٢٠١٨

الصيف يذكّر العربي، على الأقل جيلنا، بالثورات العربية، والتي يفضل البعض أن يصفها بالانقلابات، والتي حدثت في معظمها في السنوات ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية، وبداية السبعينات من القرن العشرين. والسؤال الذي يطرح: هل حققت تلك «الثورات» ما وعدت به عند قيامها؟ وهل العرب بشكل عام، هم أفضل حالاً بعد تلك (الثورات/ الانقلابات) وما صاحبها من صراعات وتغيرات في هيكلية المجتمعات العربية، أم هم أسوأ حالاً، كما يتضح مما نعايشه اليوم؟ ليس بالضرورة أن تكون إعادة الزيارة هي فقط لإظهار مثالب ما مر بنا! ولكن ضرورة إعادة الزيارة كي نفهم أكثر، وربما أعمق من خلال رؤية أكثر خصوبة، ما نحن فيه اليوم من أزمة! أعرف أن إعادة الزيارة لتلك الأحداث، قد تثير البعض، خاصة إذا تم نقدها، ولكني أعرف أيضاً أن الحديث حولها والنقاش المتجدد قد يقود بصيرتنا إلى شيء أفضل في المستقبل، وإن كان لا يغير الماضي. كانت أداة التغيير (الثورة/ الانقلاب) في بلادنا العربية في معظمها الأكثر، هي الجيوش، منذ الضباط الأحرار في مصر، إلى الضباط الأحرار في اليمن! وما بينهما من ضباط أحرار! كان الجيش هو القوة الأكثر تنظيماً، والأكثر احتواء في صفوفه على أبناء الطبقة الوسطى الجديدة في مجتمعاتنا، وكانوا في الوقت نفسه بعيدين إلى حد ما عن الفهم السياسي، الذي تشربته القيادات السياسية المخضرمة…

شروط تأهيل الأسد!

السبت ٢٨ يوليو ٢٠١٨

السياسة مضادة للعاطفة، وحتى تفهم مسار السياسات، لا بد من البعد عن العواطف. هناك الآن ما يشير إلى تأهيل بشار الأسد في سوريا، هذا ما يتناوله المعلقون في الغرب، الذين حصلوا على شيء من المعلومات المسربة من قمة هلسنكي بين الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين يوم الاثنين 16 يوليو (تموز) الحالي. ولأن الاتفاق حدث بين «الكبار»، فهو أولاً لصالحهم، وعلى حساب جميع اللاعبين الآخرين. واضح من تطور الأحداث أن النظام العالمي يتغير، من تحالف القيم إلى تحالف المصالح. صلب الموضوع هو ما يراه الرئيس ترمب في العلاقة مع روسيا، ليس الآن ولكن منذ الحملة الانتخابية، فهو يسعى «لتحالف الكبار» حتى لو كان على حساب الحلفاء التقليديين. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا يجب أن تكون سوية وفي حالة تعاون وثيق. وعلى الرغم من حالة الارتباك لدى كثير من السياسيين الأميركيين حول «العلاقة بين إدارة ترمب وروسيا» التي يصفها بعضهم بأنها تواطؤ، وآخرون يصلون إلى توصيفها بأنها فعل «خيانة» للمبادئ التي تؤمن بها أميركا، فإن ترمب يعطي الجميع الأذن الصماء، ويعتقد أنه وبوتين يمكن أن ينظما العالم ليرقص على الأنغام التي يختارانها! وقد مهد لذلك في أكثر من مناسبة، آخرها قمة الناتو 11 - 12 يوليو. في الشرق الأوسط، هناك لاعب مهم يعمل الطرفان على عدم إغضابه، إن لم يكن إرضاءه، هو…