مشعل السديري
مشعل السديري
كاتب بصحيفة الشرق الأوسط

قاتلهم الله… ورانا ورانا

الأحد ٢٦ أغسطس ٢٠١٨

زرت لندن قبل سنوات عدّة، وحظيت برفقة صديق – أكل الدهر عليه وشرب - وهو شبه مقيم دائم في تلك المدينة. ومجاملة مني لذلك الصديق المغرم بالمتاحف، انصعت إلى أمره عندما سحبني من أذني وراءه؛ لهذا وضع جدولاً لا يخر منه الماء وعليّ أن أتقيّد به، والمشكلة أنني إنسان شبه «بوهيمي» أتوق إلى الانعتاق والانشراح والفلّة بين الحين والآخر، لكن هيهات. ورغم أنني أحب زيارة المتاحف، لكن ليس لدرجة أننا نقضي تقريباً في كل متحف يوماً كاملاً، فزرنا على سبيل المثال: متحف العلوم، والمتحف البريطاني الذي تأسس عام 1753، ومتحف التاريخ الطبيعي، ومتحف الشمع، وأروع المتاحف التي سعدت بها هو المتحف الوطني، وتمتعت خلالها بمشاهدة أعمال الكثير من الفنانين. وعندما انتبه أني بدأت أتذمر أو أتململ من قبضته الحديّدية، قال لي وكأنه يبشرني: أريد أن آخذك إلى مكان مذهل، فرحت واعتقدت أنه سوف يذهب بي إلى مكان استعراض أو سهر، وإذا به يذهب بي إلى متحف يقال له: الأرشيف الوطني للأصوات. وفيه كل ما يخطر وما لا يخطر على بالك من الأصوات الطبيعية والحيوانية والإنسانية، سمعت خلالها أصوات العواصف والصواعق، ونقيق الضفادع، والنشيد القتالي لقبائل الزولو الأفريقية، وموسيقى بتهوفن وغناء البيتلز وكلمات آرمسترونغ على سطح القمر، وخطاب الملك إدوارد الثامن عند تنازله عن العرش، ومقابلة للملك فيصل في عام 1945،…

تكسرت النصال على النصال

الأحد ١٢ أغسطس ٢٠١٨

العلم يتطور بشكل مذهل، ولم يكن يخطر على بال أحد في تاريخ البشرية منذ عهد آدم إلى ما قبل قرن من الزمان، أنه من الممكن زرع أعضاء إنسان في جوف إنسان آخر، من الكِلية إلى القلب إلى الكبد إلى الرئة إلى البنكرياس إلى قرنية العين، وإلى... وهلمّ جراً، وما دام أن هناك عقولاً تفكر وتبحث وتطور وتجرب، فلا بد لعجلة العلم أن تفاجئنا بما هو أعظم لإسعاد الإنسان أولاً وأخيراً. وإليكم ما حدث في بريطانيا، حيث صوّت مجلس العموم في حدث تاريخي لصالح تقنية الإخصاب الصناعي الثلاثي العلاجية، التي يقول الأطباء إنها ستحول دون توارث الأمراض المستعصية، وسيتضمن النسل جينات من الأم والأب ومن أنثى أخرى متبرعة؛ مما جعلهم يصفونها بأنها خطوة نحو «إنجاب أطفال أسوياء حسب الطلب». وجاء التصويت لصالح تلك التقنية، ليجعل بريطانيا أول دولة في العالم تسمح بها بالتدخل في عملية الإخصاب لإزالة «الميتوكوندريا» التالفة من الحمض النووي، التي تتسبب في حالات مرضية وراثية، منها مشكلات القلب القاتلة، وقصور وظائف الكبد، واضطرابات المخ والعمى، وضمور العضلات، والتخلف العقلي. وفي جلسة مجلس العموم وصف وزير الصحة العامة البريطاني الخطوة بالجريئة، وأنها تعبّر عن تفكير مستنير يميز العلم المتطور ضمن نظام رقابي يحظى باحترام كبير من العالم، ويمثل أملاً كبيراً لكثير من الأسر التي تفقد أبناءها. ومن وجهة نظري…

وما أدراكم ما الكرامات!

الأحد ٢٢ يوليو ٢٠١٨

في مقالي المعنّون «عقولنا ليست عقول عصافير»، حدثت غلطة مطبعيّة وذكر اسم عبد الله بدلاً من عايض، ومن هو الذي لا يعرف الدكتور الداعية الشيخ عايض القرني (وهل يخفى القمر)؟!، لهذا أعتذر وأرجوه أن (يمسحها بوجهي). وقد رد السيد الحبيب الجفري على مقالي الذي كان موجهاً له وللشيخ عايض القرني، وفي الواقع كان ردّه مؤدباً يشكر عليه، وها أنا ذا أبادله الأدب وأزيد عليه قائلاً: إن آراءنا تحتمل الصواب والخطأ. أنا أؤمن تماماً بما جاء في القرآن الكريم، أما ما عدا ذلك فيحتمل الأخذ والرد. ومن حسن الحظ أن الشيخ عايض تراجع بشجاعة أدبية عن رواية كرامة أو حادثة لعمر بن الخطاب: من أنه عندما مات وأدخلوه القبر، أخذ هو يسأل الملائكة لا العكس: من ربكم ومن نبيكم وما دينكم. وهذه الكرامة لا تختلف عن رسالة نهر النيل، ولا صيحة: يا سارية الجبل. أكرر أنا أؤمن يا شيخ حبيب بالقرآن مثلما أنت تؤمن به، والمعجزات والكرامات هي للأنبياء فقط، فحقاً تكلم المسيح بالمهد، وموسى ضرب بعصاه البحر فانفلق، وسليمان عرف لغة الطير والنمل، ويونس ابتلعه الحوت ولم يمت، وصالح أخرج الناقة من الصخر، وإبراهيم رموه في النار ولم يحترق، ورسولنا الكريم عرج به للسماء في ليلة واحدة. ولكن كيف أفهم وأهضم مثلاً تصديقك لكرامة جريج الراهب الذي اتهمه قومه بالزنا…

أحب النساء وأفخر بهن

الخميس ٢٨ يونيو ٢٠١٨

تقول كتب التاريخ - والله أعلم - إن كسرى ملك فارس أراد الزواج من حرقة بنت النعمان فأبت هي ورفض والدها كذلك، لهذا جند كسرى جنوده وفتك بالنعمان، وهربت حرقة ملتجئة إلى بوادي العرب في الخفاء، وقالت هذه الأبيات: لم يبق في كل القبائل مطعم لي في الجوار فقتل نفسي أعود ما كنت أحسب والحوادث جمة أني أموت ولم يعدني العود حتى رأيت على جراية مولدي ملكاً يزول وشمله يتبدد فسمعت ذلك صفية الشيبانية، فاستدعتها وأجارتها، وحرضت صفية أخاها عمرو بن ثعلبة الشيباني، الذي جمع قومه وأحلافاً من القبائل، فتصدوا لكسرى وهزموه شر هزيمة في موقعة «ذي قار» قبل البعثة المحمدية. فقالت الشاعرة حرقة بعد ذلك النصر: رغمنا بعمرو أنف كسرى وجنده وما كان مرغوماً بكل القبائل هذا قصارى الأمر فاحمل محسراً لكميك ما بين الظبا والذوابل وفي قصيدة أخرى وجهتها إلى صفية كأنها تشكرها، تقول فيها: المجد والشرف الجسيم الأرفع لصفية في قومها يتوقع ذات الحجاب لغير يوم كريهة ولدا الهياج يحل عنهم البرقع نطقاء لا لوصال خل نطقها لا بل فصاحتها العوالي تسمع لا أنس ليلة إذ نزلت بسوحها والقلب يخفق والنواظر تدمع ثم أتبعتها بأبيات تشيد فيها بعمرو الشيباني تقول فيها: لقد حاز عمرو مع قبائل قومه فخاراً سما فوق النجوم الثواقب هم قلدوا لخماً وغسان منة…

مشاهدات رمضانية

الثلاثاء ٢٩ مايو ٢٠١٨

أريد أن أترك المجال في عمودي اليوم، وأقتطع بعضاً من الذكريات الرمضانية، التي أوردها أستاذنا إبراهيم مفتاح في كتابه الممتع «خرف مبكر». والأستاذ إبراهيم مثلما هو معروف، الابن البار لجزائر فرسان الحالمات التي هي من دون شك أجمل جزر البحر الأحمر، ولا بد أن يأتي دورها بالتطور، فهي من الكنوز الخالدة فعلاً. ويقول في المشهد الأول من ذكرياته: قد أكون صورة منها قبل أن تعرف شوارعنا كثافة السيارات ولم تألف آذاننا «طرقعات شكمانات» الدراجات النارية، وحتى الدراجات العادية (البيسكليتات) كانت قليلة في ذلك الزمان عندما كنا نحمل كتبنا المدرسية ونذهب إلى المدارس مشياً على الأقدام في صباحات أيام شهر رمضان الكريم، وفي أجفاننا بقايا نعاس تجففه أشعة الشمس. نظام بدء اليوم الدراسي وبداية الحصص لا يزال ساري المفعول إلى يومنا هذا، وهو العاشرة صباحاً، والحصة ثلاثون دقيقة كما هو الحال اليوم، لكن الأمر الذي اختلف عن تلك الأيام أن فصول الدراسة لم تكن تعرف أو تتذوق هواء التكييف، ونوافذ تلك الفصول كانت مشرعة للنسمات القادمة من كل الجهات، وفي كثير من الأحيان يشح علينا النسيم بأنفاسه فنتصبب عرقاً، ومع ذلك نكمل أيامنا الدراسية الرمضانية، ولا تمنح لنا الإجازة إلاّ بنهاية اليوم السادس والعشرين من هذا الشهر الكريم. المشاهدة الثانية: أصحاب الجباه السمراء، والسواعد المفتولة الذين لوحت الشمس ملامحهم، وأرهقت المعاناة…

احذروا من «منجنيق الضعفاء»

الأحد ٢٠ مايو ٢٠١٨

إذا جمحت بي نفسي - وكثيراً ما هي تجمح وتتمرد ولا يعجبها العجب - لهذا ألجأ بين الحين والآخر إلى ترويضها بالقراءة في بطون الكتب التراثية، خوفاً من أن أفقد (بوصلتي) وأجنح في لجج الأمواج العاتية في هذه الدنيا الجميلة القبيحة. واكتشفت أن اللغة العربية لغة عبقرية كثيرة الاستعارات والكنايات، خصوصاً في ابتكارات التشابه. ولو أني سألت أحداً عن «خلاخيل الرجال» مثلاً، فقد يهزأ بي، هذا إن لم يلقمني حجراً، ولو أنه علم أنها «القيود» لنام وفي بطنه بطيخة صيفيّة، وهذا هو علي ابن الجهم يقول عندما كان في حبسه: إذا سلمت نفس الحبيب تشابهت حروف الليالي سهلها وشديدها فلا تجزعي أما رأيت قيوده فإن خلاخيل الرجال قيودها أو ما هو «سهم الإسلام»؟!، لأجبت: كان السلف يقولون في وصاياهم إذا مررت بقوم فابدأهم بسهم الإسلام وهو: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وهل تعلمون أن «الحمّى» هي «داء الأسد»، لأنها كثيراً ما تغزو الأسد حتى أنّه قلّما يخلو منها ساعة، وقال أبو تمام: فإن يك قد نالتك أطراف وعكة فلا عجب أن يوعك الأسد الوردُ وأنا في هذه الأيام مصاب بذلك الداء، وأكتب هذه الكلمات، ودرجة حرارتي 39 وشرطتان. ويقال إن «كنز الجنة» أربعة هي: كتمان المعصية، وكتمان المرض، وكتمان الفاقة، وكتمان الصدقة، وأنا أكتم ثلاثة مما ذكرتهم. و«عناق الطير» أحرارها،…

الجنّي لا يتلبّس جنيّاً مثله

الأحد ١٣ مايو ٢٠١٨

اللحية مثلما يقول البعض هي (زينة الرجل) - طبعاً إذا كانت نظيفة ومنسّقة، وليست مثل لحية رجل أوروبي يتباهى بأنه حصل على الرقم القياسي في طول لحيته التي زادت على 60 سنتيمتراً، وهناك رجال دين أتقياء يربونها لأنها سنّة حسنة، ورجال يربونها لأنها عنوان الرجولة والشهامة - وهذه كلها لا غبار عليها، بل إنني أشجعها وأقول: اللهم زد وبارك. غير أن ما يرفع ضغطي انتشار ظاهرة إطلاق اللحى بين الشباب، فاختلط الحابل بالنابل، وأصبحنا لا نعرف الصالح مِن الطالح. وأكبر دليل ومثال هو ما فعله عميل الاستخبارات الأميركي (توم دانيال)، الذي أطلق لحيته وانضم لـ(القاعدة) تحت اسم (تيسير عبد الهادي)، وكان له الدور الرئيسي في اغتيال أبو مصعب الزرقاوي وأبو أيوب المصري. وتحضرني الآن قصة خيالية، جاء فيها أن طائراً حطّ على بركة ماء ليشرب فوجد أطفالاً بالقرب منها، فانتظر حتى غادر الأطفال وابتعدوا، ولكن جاء رجل ذو لحية إلى البركة، فقال الطائر في نفسه: هذا رجل وقور ولا يمكن أن يؤذيني، فنزل إلى البركة، فرمى الرجل الطائر بحجر ففقأ عينه!! فذهب الطائر إلى نبي الله سليمان شاكياً... استدعى النبي الرجل وسأله: ألك حاجة عند هذا الطائر ورميته؟! قال: لا، فأصدر النبي حكماً بفقء عين الرجل، ولكن الطائر اعترض قائلاً: إن عين الرجل لم تؤذِني، بل اللحية هي التي خدعتني،…

عندما صليت صلاة الراحلة

الأحد ٢٩ أبريل ٢٠١٨

قبل عدة سنوات كنت مع ثلاثة أشخاص نركب السيارة، ومنطلقين من مكة إلى جدة، وفي منتصف الطريق حان موعد صلاة العشاء، فاقترح علينا أفهمنا أن نصلي صلاة «الراحلة»، وهذا ما حصل حيث أمّنا هو لأنه يجلس في المقعد الأمامي، والوحيد الذي لم يشاركنا الصلاة هو من كان يقود السيارة بسبب الحيطة والدواعي الأمنية - مع أنه حاول مشاركتنا إلاّ أنني نهرته. وذكرت ذلك للأستاذ نجيب يماني الذي أكد لي أن صلاتنا تلك كانت باطلة. الحقيقة أنني فوجئت - ورغم اعترافي بأن تفقهي بالدين محدود بجانب غزارة ثقافته الدينية، إلاّ أنني لم أستسلم للاستفادة من معلوماته، فقلت له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الراحلة أينما توجهت، والسيارة في هذه الأيام هي بمثابة الناقة، فقال: هذا يكون في صلاة «النافلة» فقط، أما في صلاة «الفريضة» فينزل ويستقبل القبلة ويصلي. قلت له: إذن كيف نستوعب، أن أماكن الصلاة على الطائرات أصبحت هي العنوان الأبرز في الحملات الترويجية لدى الكثير من الناقلات في المنطقة. أجابني: قال عليه الصلاة والسلام، جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فالفريضة لا تصح إلاّ على الأرض، وفي الطائرة هم محمولون على الهواء، لهذا يجب عليهم أن يؤجلوها حتى ينزلوا على الأرض. وأخذني حب الاستطلاع وسألته: ماذا عن من ركب سفينة؟!، أجابني: الصلاة على السفينة جائزة…

طبيب العيون الأعمى

الأحد ٢٥ مارس ٢٠١٨

سوريا دخلت العام السابع وهي لا تزال تتقلب على فوهة بركان: تهدمت مدن، وأحرقت مزارع، وقتل مئات الآلاف، وشرّد وهجّر الملايين؛ كل هذا حصل لعيون طبيب العيون السابق بشار، ابن صاحب الانقلاب السابق حافظ الذي جثم على صدر سوريا ما يقارب من 40 عاماً، ثم ورّثها باردة مبرّدة لابنه، على أمل أن يكمل المشوار بأن يجثم كذلك 40 عاماً آخر. مشكلة هؤلاء الانقلابيين العرب أنهم يتحدثون عن (الاشتراكية) وهم أبعد ما يكونون عنها في حياتهم الخاصة، ويتحدثون عن (الديمقراطية) وهم لا يحكمون إلاّ بالحديد والنار، ويهاجمون (التوريث) وسرعان ما يلحسون كلامهم وكأنهم يلحسون العسل. الذي أثار أساي أكثر من حنقي هو ما قرأته عن زواج بشرى ابنة اللواء بسام مرهج حسن، المستشار الأمني لبشار، من خالد ابن رجل الأعمال القريب من النظام، نعيم الجراح. وأقيم حفل الزفاف الأسطوري بمباركة بشار، وعقد القران مفتي سوريا غير المنافق أحمد بدر الدين الحسون، وشهد المنتجع السياحي (أب تاون)، الذي تعود ملكيته لوالد العريس، الحفل الباذخ الذي استمر بين بسط وهز وسط وموائد عامرة إلى طلوع الفجر، وانتهى بهدية من فخامة الرئيس للعروس: طقم معتبر من الماس، ومرسيدس متواضعة للعريس، قيمتها 150 ألف دولار فقط. كل هذا كان يجري والطائرات لا تتوقف عن القذف بقنابلها وبراميلها المتفجرة على كل من هب ودب، مطبقة المثل…

المجرم (النموذجي)

الأحد ١١ مارس ٢٠١٨

كتبت إلى الآن عدة مقالات عن السجون، إما بشكل رئيسي أو عرضي - أبعدنا الله عنها. ولا أدري ما هي الحكاية؛ هل القط - مثلما يقولون - يبحث عن خنّاقه؟! لا أعتقد ذلك لأنني أولاً لست بـ«هر»، ثم إنني أكره ما أكره أن يخنقني أو يحبسني أحد، حتى لو في جنات نعيم الدنيا. إذن، للمرة الثانية: ما هي الحكاية؟! إنني لا أدري، ولكن (شمس تطلع.. خبر يبان) - اللهم اجعله خيراً. المهم، تعتزم البرازيل تقديم طريقة جديدة لنزلاء سجونها الاتحادية المكتظة من أجل تخفيف مدة عقوبتهم، من خلال خصم أربعة أيام من مدة العقوبة مقابل كل كتاب يطالعونه. وستتاح لهم قراءة ما يصل إلى 12 عملاً في الآداب والعلوم والفلسفة والكلاسيكيات لخفض مدة أقصاها 48 يوماً من مدة عقوبتهم كل عام. ولقيت هذه الفكرة إقبالاً من المساجين، على أساس أنها فرصة لا تعوض، غير أن أحد المساجين العتاة، وعمره في حدود الخمسين، رفض نهائياً أن ينخرط مع الآخرين بالقراءة، وكلما أحضروا له كتاباً قذف به أو مزقه بيديه وأسنانه، وحجته التي حكاها هي أنه أولاً يكره القراءة، لهذا لم يكمل دراسته، ثم أنه قد بقي له من محكوميته لكي يخرج من السجن 30 عاماً، ولو أنه قرأ كل سنه 12 كتاباً، فمعنى ذلك أنه سوف يقرأ طوال فترة محكوميته (360)…

الزوجة والقرد

السبت ٠٦ يناير ٢٠١٨

علمت أن الإنسان الذي يتناول وجبات طعامه مع الآخرين، تزيد كميتها على 40 في المائة فيما لو أنه أكل لوحده، وقد لاحظت ذلك شخصياً - خصوصاً إذا كانت كمية الأكل الجماعية محدودة، والعدد كبيراً - فكل واحد وقتها يريد أن يملأ طبقه بأكبر كمية ممكنة. لهذا قصرتها أنا من أولها، فـ90 في المائة من وجباتي الثلاث أتناولها في منزلي منفرداً، أولاً: لكي يقل أكلي، وثانياً: لتقل مصاريفي، ثالثاً: لأحافظ على البقية الباقية من رشاقتي. وقد تجبرني الظروف أو المناسبات أو المجاملات أحياناً، على تناول الطعام الجماعي، وهذا هو ما حصل لي قبل عدة أيام، عندما كنت واحداً من ضمن 20 رجلاً متحلقين حول طاولة مستطيلة. ورماني حظي العاثر أن أكون مجاوراً لصديق لا بأس به، لو أنه تخلص من لسانه الطويل الذي لا يتعب من كثرة الرغي - أي الكلام. وأخذ أخونا بالله يغرب ويشرّق، ويعطينا دروساً في الغذاء الصحي دون أن نطلب منه ذلك. ومن ضمن ما قاله اختصاراً: خففوا من تناول اللحم الأحمر، اشحنوا أجسادكم بالكربوهيدرات، لا تنسوا المعادن، حاذروا من الكوليسترول، راقبوا المغنيسيوم، تناولوا المحار. والحمد لله أن أحدهم قاطع استرساله شاكراً له على ما ذكره، ومن حسن الحظ أنه توقف عن النصائح، غير أنه قال من دون أي مناسبة ومقدمات: سبحان الله، فإذا كنت لا تحب…

قانون أنديرا غاندي

الثلاثاء ٢٦ ديسمبر ٢٠١٧

للأبناء حق على الآباء، فالأب الذي لا يتحمل المسؤولية لا يستحق الأبوة، وما أكثر الآباء المحسوبين زوراً وبهتاناً على أنهم رجال، مع أنهم لا يمتّون إلى (الرجولة) الحقّة بأي صلة. كذلك المرأة البليدة أو الظالمة أو المريضة نفسياً، التي تجرّع ضناها مرارة العلقم دون أن ترفّ في رمشها شعرة، أو يتحرك في أعماقها ضمير، مثل تلك المرأة (المشوهة) لا تمت إلى (الأمومة) الحقّة بأي صلة. وما أكثر الوقائع والنماذج التي تخجل المبادئ الإنسانية منها، بعضها معروف وأكثرها مستتر خلف الجدران، وياما في البيوت من أسرار يشيب لها الولدان. انظروا مثلاً إلى ذلك الرجل الإسرائيلي الذي عرض ابنته الرضيعة ذات الـ3 أشهر للبيع، مقابل 25 ألف دولار، لسداد دين مستحق عليه بسبب لعب القمار. وتعثرت صفقة البيع بعدما اتضح أن المشتري هو شرطي سري، فقام بالقبض على الرجل وزوجته المتواطئة معه، بينما تم إيداع الرضيعة مقر الرعاية الاجتماعية. وفي سابقة تعد الأولى من نوعها في تاريخ القضاء، ألزم قاضٍ في ولاية أوهايو الأميركية مواطناً بعدم الإنجاب، وذلك بسبب امتناعه عن إعالة أبنائه الأربعة منذ عام 2009 – انتهى. ومن هذه الناحية (حدِّثوا ولا حرج)، فمثل ذلك الرجل الأميركي هناك أشباه له في بلادنا العربية، هم أكثر من الهم على قلوبنا، ولو أنكم فتّشتم في المنازل والمحاكم والشوارع بل وحتى في السجون…