تركي الدخيل
تركي الدخيل
كاتب سعودي

صالح العزاز… في معرض الكتاب!

الإثنين ٢٠ مارس ٢٠١٧

يحضر صالح العزاز معرض الرياض الدولي للكتاب، هذه المرة ليس من خلال كتابه الشهير: «المستحيل الأزرق»، وإنما بوفاءٍ لافت من صموئيل شمعون، الذي طرّز على مدخل كتابه: «عراقي في باريس -رواية- سيرة ذاتية» ذكراه لـ«شريف الربيعي، ونيكولا غيوم رواييه، وميشيل فرح، وعلي عثمان، وجان كلود مينغ، وصالح العزاز، وجيمس نوتون، وأبي». ذكرى أبهجت أبناء الراحل الكبير صالح، رحمه الله. والحقيقة أن صالح العزاز، وفق برفقةٍ وفيّةٍ لم تنسه، يُصر عثمان العمير، على تذكر العزاز كثيراً، وفي مكتبته بمراكش، التي نقلها من بيته بلندن، وضع على واجهة المكتبة، وبجوار الموسوعات كتاب صالح العزاز، شامخاً كما في الفيديوهات، التي يصورها العمير من مكتبته حول المؤلفات والمراجع. صالح العزاز سِرُّه في خُلِقهِ ودماثة أدبه، وتعدد مواهبه... كان شاعر الكاميرا بامتياز، وكل صورة تحمل قصيدة، وبكل زاوية جملة شعرية، أو سيرة ذاتية... وكثير من الأنسنة. إنه الحاضر دائماً، وإن غاب!. المصدر: عكاظ

المبدعون والوقت… تجارب وحوارات

الأربعاء ١٥ فبراير ٢٠١٧

كم هي مبهرة الشخصيات التي تستطيع خلق الوقت من العدم... وأنا أسأل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في القمة العالمية للحكومات، كنت مذهولاً من جدوله اليومي... يصحو مع الطيور... يمارس الرياضات بأنواعها... يذهب إلى أكثر من إمارةٍ، لنشر فرح أو مواساةٍ بترح... يسافر... يلاعب أحفاده، ويشاهد معهم التلفاز، ويقضي وقتاً للترفيه، والمتعة، والبرية. هذه الشخصيات الفريدة تكاد أن تكون استثناءً بعالم الإدارة. قل مثل ذلك عن شخصية عبقرية إدارية مثل غازي القصيبي، رحمه الله، الذي سألته في برنامج إضاءات، عن سيل كتاباته، ورواياته، ومشاركاته الإعلامية ورزم الورق التي يكتبها، ومع ذلك هو «ذو الوزارات»، و«الوزير المرافق» للملوك، ورجل الدولة الحاذق والحاسم بإنجازاته وآثاره... وقد أجابني أنه يقضي وقته مقسماً بالترتيب، ويحضر اجتماعاتٍ وراء بعضها بوقت واحد، وكنت قد سألت قريباً من هذا السؤال سمو الشيخ عبدالله بن زايد، في حوار تلفزيوني أجريته معه، إذ يقضي اجتماعاته بطريقة خلاقة تخلق وقتاً إضافياً ضمن الترتيب الذي يمارسه، ولهذا نراه لا يفوت حصته الرياضية، ولا حزبه من القراءة اليومية، بل يعيش إدارياً منتجاً وبنفس الوقت يمارس واجباته، وحصصه اليومية من الاطلاع، أو الرياضة، والتنزه. من هذه الزاوية فإن الوقت أنفس ما لدى الإنسان، حين يستثمره بنجاح، فإنه يخلق إبداعاتٍ علمية وعملية، فالوقت الذي لدينا بساعاته هو نفسه الذي لدى صاحب السمو الشيخ…

معرض الشارقة وشعار «اقرأ أكثر»!

الأربعاء ٠٢ نوفمبر ٢٠١٦

يفتتح اليوم معرض الشارقة الدولي للكتاب. لو سألت أي ناشرٍ عربي عن المعارض الأكثر أهميةً في العالم العربي فسيأتي معرض الشارقة ثانياً أو ثالثاً على أبعد تقدير، وله خصوصيةٌ عالية باعتبار حاكم الشارقة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، مؤرخاً ومثقفاً، ويهتم كثيراً بالكتاب. ‬في برنامجٍ معه يسرد ذكريات حياته مع الكتاب، ذكر في تلفزيون الشارقة أنه يخصص أسفاراً خاصةً بالكتابة والتأليف، وهذا يذكّرنا بأنماط التأليف لدى الروائيين الكلاسيكيين، الذين ينهضون من أماكنهم المعتادة لخلق بيئة للكتابة خارج المكان، ويهتم ويشرف على المعرض بنفسه. هذا يجعل الإقبال عليه كبيراً من مختلف أنحاء المنطقة، عدا عن كثافة البيع في معرض الشارقة، إلا أنه يحوي سنوياً ندواتٍ فريدة، ومحاضرات ماتعة، ويقام على هامشه ما لا يقل عن فوائد الكتاب وفرائده، وقد كان لي حظ المشاركة فيها بأكثر من مناسبة خلال الأعوام الماضية. لو أخذنا هذا الحدث، لوجدناه يأتي ضمن سياق الاحتفالات الثقافية بالإمارات من أبوظبي، ودبي إلى الشارقة، وبقية المدن. قبل أيام كانت مسابقة «تحدي القراءة» في دبي، وفي الثلاثين من أكتوبر أطلقت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة هويتها المؤسسية المحدثة، وأعلنت عن خطة تسويقية، والآن يأتي معرض الشارقة للكتاب. والمعارض التي تقام في المدن الإماراتية يشارك فيها الطلاب، وذلك من خلال كوبونات الشراء المدعومة من الحكّام. هذا نمط من التشجيع…

الكتابة أسهل المهن وأصعبها

الأربعاء ١٩ أكتوبر ٢٠١٦

تبدو الكتابة أسهل المهن وأصعبها، الكل يمتلك ورقة وقلماً، أو شاشة ولوحة مفاتيح. العبرة بالأحبار المستخدمة، بلون المعاناة الذي يطبع الأسطر، ويلون الحروف. لو استعرضنا تاريخ الكتّاب الكبار في العالم، لوجدنا أن نبضاً من معاناة كان المحفّز على الكتابة والإبداع. «لصوص النار» للكاتبة جمانة حداد، الحافلة بالمقابلات الثرية مع كتاب عالميين كانوا توّاقين إلى القبض على أصل الكتابة وسرها، لكنهم لم يصلوا إليها. في هذه الجريدة نشر في الرابع من أكتوبر ملف مهم عن «كارول بيرتش» الروائية والكاتبة، ترى أن سبب كتابتها يعود إلى الرغبة بتجاوز المحن، ثم التفوّق عليها، والانتصار عبر الكتابة. نهى حوّا، التي استعرضت حياة الروائية وأعمالها تقول: «في روايتها «يتامى الكرنفال»، التي ستصدر في نوفمبر المقبل، تعود بيرتش بالتاريخ إلى العصر الفيكتوري، لتروي حياة المكسيكية جوليا باسترانا، المولودة عام 1834، باضطراب جيني أفضى إلى نمو شعر كثيف على وجهها وجسدها، ونتوء حاد في فكيها.. والتي كانت ضمن استعراضات المخلوقات الغريبة في ذاك العصر. وتشير بيرتش أن اختيارها لحياة تلك المرأة المضطهدة يرجع إلى أنها منجذبة للكتابة عن الموضوعات الكئيبة، مثل المعاناة والمجاعة والموت وغيرها؛ وما ترغب بتحقيقه هو المرور عبر كل تلك المحن، والخروج ببعض العناصر الإيجابية. وما يثير دهشتها، حسب قولها، «هي المرات العديدة التي يمر بها الناس عبر تجارب قصوى، دون أن يفقدوا صوابهم،…

إيرانيون ضد أخطاء «خامنئي»!

الأحد ١٨ سبتمبر ٢٠١٦

أكّدت تصريحات البعثات الإيرانية التي قدمت للحج من الخارج، أن تصرفات وتصريحات خامنئي لم تصب في مصلحة معركته ضد السعودية. ثمة فرق بين إيران الشعب وإيران النظام. الأصوات المعتدلة التي تطالب بضرورة تحسين العلاقة مع السعودية ودول الخليج يتم قمعها في مهدها. المعارضون للنظام الإيراني في الداخل لا يتاح لأصواتهم الخروج، ليستمع العرب والمسلمون إلى الكوارث التي تجري في الداخل. هناك صوت واحد وقمع لكل الآراء التي لا ترى الصدام مع الجيران مفيداً للإيرانيين. كانت نتيجة ذلك الصوت الأحادي الديكتاتوري عزلة إيران إقليمياً، بقي لها دور واحد فقط هو دعم أكثر من 70 ميليشياً في المنطقة، وحراسة العنف، ودعم الإرهاب. السعودية أحرجت النظام الإيراني ووضعته في الزاوية، فقد كان نص تصريح الأمير محمد بن نايف حين قال: «ما تثيره وسائل الإعلام الإيرانية وبعض المسؤولين الإيرانيين لا يستند إلى المصداقية والموضوعية، وهم يعلمون قبل غيرهم أن المملكة قدمت للحجاج الإيرانيين مثل بقية حجاج بيت الله الحرام كل التسهيلات»، مدوّياً في الداخل الإيراني بحسب محلل إيراني معارض، إذ علا صوت الناشطين في إيران ضد خامنئي الذي يصر على معاداة السعودية التي لم تبادر إلى الخصومة والمواجهة، بل وقفت دفاعاً عن الخليج ضد عدوان صريح. أصوات إيرانية كثيرة ضد خامنئي؛ لأنه وضع الشعب الإيراني في خصومةٍ لا علاقة له بها مع دول الجوار.…

عودة الموسيقى.. وصناعة الترفيه!

الثلاثاء ١٦ أغسطس ٢٠١٦

الترفيه صناعة قديمة ترتبط بالإنسان منذ القدم. يخطئ البعض حين يربط بين الترفيه والرخاء٬ إذ ليس بين الأمرين تلازم في المسار٬ فيمكن للمجتمعات أن ترّفه عن نفسها حتى في وقت الحروب٬ وهذا واضح في «أثينا»٬ حيث الترفيه لم يكن مرتبًطا بأوقات السلم أو الرخاء٬ بل كانت علاقته صميمة بالإنسان نفسه وبوجوده٬ فهو مثل الهواء الذيُيتنفس. وهنا أشير إلى نّص مهم للباحثة والفيلسوفة حنة أرندت التي توّصف الترفيه والمدن بقولها إن الترفيه: «لم ينتج عن وقت فراغ حفًظا من العمل الشاق»٬ ثم تشير إلى ارتباط الترفيه بالاقتناع بالحياة اليومية٬ كما في العصر الكلاسيكي اليوناني٬ وتحّذر من تحّوله إلى نمط استهلاك. الترفيه صناعة متكاملة تؤسس للتقوى الاجتماعية٬ وتدعم الاستقرار السياسي٬ ذلك أن أي مجتمع ينقص فيه الترفيه يكون مظّنة للجريمة وانتشارها٬ وتشّوه الحياة واضطرابها٬ وتغّول التوحش في النفوس٬ بدلاً من السخاء النفسي والروحي المرتبط بالفنون والجماليات والضحك والفرح بكل أشكاله وألوانه. والصناعة هذه وجدت لدى مجتمعات لا تعيش الرخاء٬ مثل دول أفريقية وأخرى في آسيا٬ بل إن صناعة الترفيه في الصين لا مثيل لها٬ مقارنًة بالظروف التاريخية التي عاشها ذلك المجتمع. أما في السعودية٬ فلدينا كل الإمكانيات لصناعة الترفيه الخلاّق المسبب للتوق نحو الحياة والانشغال بها والتمتع بطيباتها. إن عودة الحفلات الغنائية في السعودية تعيدنا إلى صلب موضوع الترفيه المعتنى به تنموًيا…

لماذا يعتدون على «المباح» في الشريعة؟

الأربعاء ٠٦ يوليو ٢٠١٦

جزء من المشكلة الفكرية الكبرى التي نعانيها اليوم هي الحرب على المباح. هذا أسس للكثير من الإرهاق الوجودي لدى الجيل الجديد من الشباب والفتيات. تدخّل الحكم بكل شيء، مع أن المباح ليس موضوع سؤالٍ أو استفتاء، بل منطقة متاحة، يسميها الفقهاء «منطقة العفو»، والشريعة تحذّر من السؤال عن المباحات، والرسول عليه الصلاة والسلامّ طالما ذكّر صحابته بأن الله سكت عن أشياء رحمةً بعباده غير نسيان، ومن هنا فإن تضخّم المحرّم على حساب المباح الذي هو الأصل في الأمور الدنيوية شكّل خطراً فكرياً على المجتمعات الإسلامية. الأصل في الأمور الدنيوية هي الإباحة، كل ما تراه أمامك هو مباح إلا ما ورد نصّ في تحريمه وهو الاستثناء والقليل جداً، أما العبادات فهي مبنيّة على التوقيف والأصل فيها التحريم إلا ما ورد الدليل على تشريعه، هذه قاعدة أساسية يدرسها طلاب الفقه وأصوله بالكليّات، لكن لا أدري لماذا تمّ تغييبها عن الجيل الحالي؟! لم يكن إهمال المباح مقتصراً على عصرنا الحاضر، بل أرّق حتى الإمام الشاطبي صاحب كتاب (الموافقات)، والذي تبلور على يديه مجال «مقاصد الشريعة» فقد أولى المباح عنايةً خاصة من بين بقية الأحكام كالمندوب، والمكروه، والحرام. يشير المفكّر المهم عبدالمجيد الصغير في كتابه: «الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام ـ قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة» إلى أن سبب اهتمام…

عراق «الصدمة» ضد عراق «سليماني»!

الإثنين ٢٠ يونيو ٢٠١٦

في الوقت الذي يعيش فيه العراق أدمى أيامه، الطوائف تأكل بعضها، والأرض الشاسعة ضاقت بأهلها، يأتي ضوء الإنسانية الكامن في نفوس أبنائها. في برنامج «الصدمة» كانت المشاهد بالغة الإنسانية. وبما أن فكرة البرنامج تمثيل حدث إنساني معين ومن ثم انتظار ردة فعل الآخرين، فقد كانت ردود الأفعال عميقة في إنسانيتها رغم الجراح الغائرة! إحدى الحلقات مُثّل دور رجل يضرب زوجته في مطعم، هبّ الرجال والنساء لإيقاف هذا العنف. وسالت الدموع على المشهد الإنساني المؤذي. أحدهم حين سئل بعد المشهد: لماذا تدخلت؟! أجاب: إنه يضرب إنسانا، حتى وإن لم أعرفها فإنها عراقية! وقال آخر: أنا إذا أسعفتُ مصابا أو مريضا هل تريدونني أن أساله: ما هو مذهبك؟! عاش العراق قرونا من الانسجام بين مكوناته العرقية والدينية، وبين أقلياته التاريخية، والبرنامج آنف الذكر يبين كيف أفسدت السياسة الواقع! بينما لم تستطع إفساد ما تبقى من إنسانية بين مواطنيه. حين ينهار العراق تنهار المنطقة، وبلا شك أن الحرب الأميركية على العراق في عام 2003، كسرت النسيج العراقي وأرهقت ظهره وزادت من أحماله التاريخية، وأذكت الحرب الطائفية. برنامج «الصدمة» على «mbc» يصدمنا، لأنه يكتشف ما بقي من إنسانيتنا، فالبشر إخوة على هذا الكوكب، فرق شاسع بين العراق الذي رأيناه بالبرنامج، العراق البريء، وبين العراق الذي يتجوّل فيه قاسم سليماني، فرق كبير! المصدر: عكاظ

أقدم كنيسة في الإمارات وأصول التسامح!

الخميس ٣١ مارس ٢٠١٦

عندما وقف الإنجليزي بيتر هايلير على مسرح الفائزين بجائزة أبوظبي، في العام 2013، كان قد أمضى في دولة الإمارات نحواً من أربعين عاماً، مستنفذاً فيها شغفه بالآثار، ممارساً فيها الصحافة والعمل في المجالات الثقافية والنفطية. غير أن ليلة من ليالي بيتر خلال أربعين عاماً قضاها في الإمارات كانت الأصعب، ولم تستطع عيناه أن تغمض للنوم جفناً! في العام 1992، كان برفقة المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في جزيرة صير بني ياس، حيث كان الشيخ زايد، كعادته، يقود فريقاً لتنمية الجزيرة التي يعود تاريخ سكناها لآلاف السنوات. لقد اكتشف بيتر ضمن فريق أن في الجزيرة التي جاء بهم إليها رئيس الإمارات كنيسة يعود تاريخها للقرن السابع الميلادي، وبلغ عمرها 1400 سنة، كيف سيتقبل قائد أمة مسلمة كشفاً أثرياً لكنيسة؟! لا بد أن هذا خبر قد يعكر مزاجه؟ ربما يحرجه أمام شعبه؟! هل أخبره؟ هل يبقى الأمر في طي الكتمان؟ كانت هذه الهواجس تمور في ذهن الرجل موراً! في اليوم التالي، سأله الشيخ زايد، ما سر القلق والإرهاق على وجهك، فتشجع وقال: إننا اكتشفنا بوادر تدل على وجود دير مسيحي، فما كان من الشيخ زايد إلا أن شجعه. وقال: ما الذي يمنع أن يكون أجدادنا الأولون مسيحيون قبل الإسلام؟! وأعطى توجيهاته بالحفاظ على المكان واحترامه والعناية به. كانت…

التسامح في أوروبا وتاريخ من العنف

الأربعاء ٢٣ مارس ٢٠١٦

يشعّ مفهوم التسامح بالأمل لأي مجتمعٍ يطبّقه. لم يكن ترسيخ التسامح عفوياً، بل احتاج إلى جهود اجتماعية وسياسية، وحين نشأ لأول مرةٍ في أوروبا، تبلور نتيجة للحرب التاريخية الكارثية بين البروتستانت والكاثوليك، فجاء مفهوم التسامح، ليضع حداً للجنون غير المسبوق في الحروب الدينية الأوروبية. وهذا ما دفع الفلاسفة حينها إلى وضع المفهوم حيّز التنظير والشرح ليتبعه التنفيذ، بعد ذلك بسنين، عبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. أتوقف عند شخصيتين أساسيتين، لا بد أن نذكرهما إذا ذُكر مفهوم التسامح، وهما فولتير، وجون لوك. كتبا في الموضوع شرحاً وتوضيحاً وتنقيحاً، حتى بات التسامح لا يمكن فهمه أو شرحه، إلا بالدخول على كتابتيهما وفهمها والغرق في بحار معانيها، وإدراك مغزى الأفكار، وذكاء المعالجة في ما كتباه عن الموضوع. لا يكفّ فولتير في رسالته حول التسامح عن توبيخ مجتمعه المسيحي، حيث يشرح كيف كان: «اليابانيون أكثر الناس تسامحاً، فقد تعايشت اثنتا عشرة ديانة بأمانٍ في إمبراطوريتهم، وقد جاء الآباء اليسوعيون ليضيفوا إليها ديانة جديدة هي الديانة الثالثة عشرة، بيد أن هؤلاء سرعان ما جهروا برفض بقية الأديان فتسببوا في نشوب حربٍ أهلية، لا تقل بشاعة عن تلك التي فجّرتها الرابطة الكاثوليكية، فعمّ الدمار والخراب، ومحق الدين المسيحي من الوجود في حمامٍ من الدم. وقد أغلق اليابانيون امبراطوريتهم في وجه بقية العالم، وباتوا ينظرون إلينا وكأننا…

ما الذي يجعل جورج طرابيشي كبيراً… ؟!

الأربعاء ٠٩ مارس ٢٠١٦

زخر تاريخنا الفكري المعاصر بأسماء لامعة ومؤثرة، وضعت لها موطئ قدمٍ في التداول الفكري، عالمياً، وليس عربياً فقط! عبد الله العروي، محمد أركون، محمد الجابري، وجورج طرابيشي، من الصعب أن يخرج قارئ من كتبهم كما دخل. إنهم يحدثون خسوفاً وزلازل في القناعات والأفكار المتداولة الموروثة من دون فحص أو تمحيص. إنهم يوقفون الإجازة المفتوحة التي نمنحها لعقولنا، ويعيدون تفعيل الأسئلة المشروعة في أذهاننا. رحلاتهم مع العلم والتعلم هي نبراس للطلبة والطالبات، إصرار وجد، وصبر وجلد على الفهم والتعلم. قبل أيام كتب الدكتور طرابيشي مقالةً مؤثرة بعنوان: «ست محطات في حياتي»، تنقّل بالقارئ فيها بين القوة والضعف، الصلابة والتهشّم، المنشط والمكره. روعة الكتابة تلك، أنها تكشف جانباً من شخصية مفكّر قدير، لا شك أنه أحد أهم المفكّرين المعاصرين والأحياء اليوم. بها تحدّث عن التحوّلات في تديّنه، ومن ثمّ التوجه البعثي، والدخول إلى السجن، وصولاً إلى اهتمامه بدراسات فرويد، والتي أثّرت فيه كثيراً. يروي قصة الدخول إلى عالم فرويد: «قصتي مع فرويد بدأت بواقعة لا تخلو من طرافة. فبعد أن تزوجت وصار عندي بنتان، كنت كلّما جلست إلى المائدة لآكل الطعام، أمسك برغيف الخبز... فلا أجد نفسي إلا وأنا أقطّعه من أطرافه لا شعورياً، وزوجتي وابنتاي قاعدتان أمامـــي على المائدة تأكلان، وكنت لا أستطيع منع نفسي من تفتيت الخبز، حتى عندما يكون…

الغذامي .. الأكاديمي الاستثناء !

الأحد ١٤ ديسمبر ٢٠١٤

شكلت شخصية المفكر السعودي الدكتور عبدالله الغذامي قصة بحد ذاتها، فهو الذي ارتبط اسمه بالحداثة في السعودية، فكان الهجوم عليه كبيرا في الثمانينات، وذلك على أثر أطروحاته حول التشريحية والبنيوية وسواها من الأنماط الحداثية التي كانت سائدة في أوروبا والعالم. أسهم الغذامي مع آخرين في التأسيس للحداثة الأدبية بالسعودية، وقوبل هذا التجديد بالهجوم الكاسح من التيارات الصحوية المعادية لأي تغيير، بل وصل الهجوم حد التكفير والتحريض والعداء. بقي الغذامي أمينا لأطروحاته رغم تمايزه بين الفترة والأخرى. قد تختلف أو تتفق معه في العديد من الأطروحات، لكنك لا تملك إلا أن تقدره وتكبره، فهو شخص على خلقٍ رفيع، كما أنه ساهم في إنتاج الكثير من الأفكار، متجاوزا دور المثقف الكسول أو الأكاديمي الخامل، كما أن الغذامي فوق ذلك محاور من الطراز الأول، مناور بأسلوب فاعل، وهو لا يجد غضاضة في التراجع أو الاعتذار. أجرى الدكتور، قبل أيام، عملية جعلت من تلامذته وقرائه وعشاق كلمته يقلقون عليه، غير أنه طمأن الجميع بأنه أفضل مما كان عليه. شخصية الغذامي ليست من الشخصيات الاجترارية أو التكرارية، بل أعطى الكتاب قدره، والمقالة قدرها، والتغريدة أيضا قدرها؛ لهذا بقي على أساس أخلاقي متين، وحين اقترب منه بعض الرموز الإسلامية ــ أو اقترب هو منهم ــ كان النقد عاليا تجاهه، وبخاصة في أطروحته حول «الليبرالية الموشومة»، حيث…