تركي الدخيل
تركي الدخيل
سفير خادم الحرمين الشريفين في دولة الإمارات العربية المتحدة

السعودي إماراتي.. والإماراتي سعودي

الأربعاء ٠٤ ديسمبر ٢٠١٩

انعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق السعودي الإماراتي، قبل أيام في أبوظبي، خلال زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، دولة الإمارات، ورئاسته، مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة، للمجلس، جاء ضمن احتفالات الإمارات بيومها الوطني الثامن والأربعين، الذي نباركه للإمارات، قيادة وشعباً، وندعو الله أن يحفظها بأمن وخير ورخاء وعز. وضمن الاحتفالات البهيجة، احتفل أهل الإمارات ومسؤولوها في استقبال فاخر، وحفاوة غير مستغربة، بالأمير محمد بن سلمان، بما يُظهر حباً مُقدراً للمملكة العربية السعودية، ولملهم التغيير فيها، وولي عهدها الأمين. انعكاس محبة أهلنا في الإمارات للأمير محمد بن سلمان، كانت تنطق بها الوجوه، قبل المباني التي تزينت بصور وعبارات الترحيب، بأبي سلمان، وأضيئت بألوان العلم السعودي الأخضر الذي يجسد نماء وتنمية. ما أسفرت عنه اجتماعات مجلس التنسيق بين البلدين، من مذكرات تفاهم، ومبادرات استراتيجية مشتركة، أكدها الشيخ محمد بن زايد، في تغريدة قال فيها عن العلاقات السعودية- الإماراتية: «ماضون بتعزيز تكامل علاقاتنا الاستراتيجية، في المجالات كافة». هل هناك أجمل لشرح العلاقة بين البلدين، من استشهاد ولي عهد أبوظبي، بحديث الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عندما سُئِلَ…

الحب… والاختراع!

الثلاثاء ١٩ نوفمبر ٢٠١٩

العظماء، هم الذين يخترعون الاختراعات التي تشكل فرقاً في حياة البشر، فتحول المعاناة، إلى راحة، والألم، إلى شفاء، والصعوبة، إلى سهولة. إنهم أولئك الذين يكتشفون الأدوية، التي تشفي من الأسقام، والأمصال، التي تصبح ترياقاً لكل علة كانت تجثم على نفس المصاب بها، والقريبين منه، والمعرضين للعدوى إذا كانت هذه الأدواء، من القابلة للانتقال بالعدوى. إنهم، أشخاص مميزون، يهبهم الله، الذكاء، والجَلَدَ على ممارسة عشرات المحاولات الفاشلة، وربما مئات المحاولات، دون أن يحبطهم تكرار الفشل، تلو الفشل، ولو استسلموا للإحباط، وأعرضوا عن مواصلة العمل بهمم تطاول عنان السماء، لما أصبحوا هم العظماء. إنهم أولئك الذين يهبون أنفسهم، وأوقاتهم، وعقولهم المميزة، للبحث مئات الساعات، بدأب لا يعرف الملل، ويقضون في معامل الأبحاث، الأيام والليالي، يرتكبون الأخطاء، تلو الأخطاء، والتجارب الفاشلة، إثر التجارب الفاشلة، حتى تضيق دائرة الخطأ، فتظهر بارقة النجاح، وضوء الصواب، ولا تسل ماذا يغير هذا النجاح، في حياة البشرية، لأنه يقلبها في كثير من الأحيان، رأساً على عقب، ويحولها من حالٍ، إلى حال! كيف كانت الحياة، ستكون، لو لم يخترع السيد ويليس كارير، جهاز التكييف، في عام 1902؟! ولا أحد يعرف معنى الإحساس بهذا السؤال - المعاناة، والأكثر إحساساً بعظمة هذا الاختراع، هم الذين يعيشون في بلدان، مثل بلداننا في الجزيرة العربية، حيث لا تخشى درجات الحرارة عندنا، من معاقرة…

الصديق الذي لا يخون!

الثلاثاء ٢٩ أكتوبر ٢٠١٩

اسمحوا لي، أيها السيدات والسادة الكرام، أن أحدثكم اليوم، عن غذاء العَقل، وغاية الفؤاد، ومقصد الشغف، ومستودعِ الحكمة، ومكمن الخلاصات، ومستقر الزُبَد. من عرف قدره، عَدَّه غاية المُنى، ونهاية المراد، فهو المنقوعُ بالمعْرِفَة، ونتاج عَرَق الْمُتَضَلِّعين. مكمن إجابات السَّائِلين، ومَوضِعُ آمالِ الباحثين، وبهجة النَّاظِرين، وذكرى العَارِفِين، وسلوى العُلماء العامِلين. هو مَصْنعُ الأسئلة، وأطيب ثَمرات الأفْئِدَة، بيتُ العَاقِل، ومَرْكَبُ طالب العَلياء. أقوى أسلحة المعَارِك، وأفسح ميادين الأفهام والمدارك. ملجأ الحيارى، والحكم الفصل بين المختلفين، ودواء الشاكين من الوحدة، والمتألمين من ضيق دائرة الأصدقاء، وطريق من يرجو الارتقاء، وعلاج من يعاني الهم والأرق. إنه الكتاب، وأنعمْ به أنيساً، وأكرمْ به جليساً. لقد كان اليوم الأول الذي حَملت فيه كتابي الأولَ على كتفي، يوم سعدٍ، وحسن فأل، حتى صرت انتظر الفراغ من كتاب، لأحمل آخر. ومن فضل الله علي، أن متعة الحصول على كتاب، فيه بحث نادر، توازي متعة إدمان التسوق عند المصابين بهذا الإدمان. لقد كانت التجربة على يفاعتها، المحطة الأولى على يقيني بأن تمام إدراك الحياة، ومعرفة بعض من فلسفتها، لا يتم إلا بطرح الأسئلة، ومتى توقفت عن خلق هذه الأسئلة وطرحها، استحلت طريداً في مهب الجهل. إن من متع الغوص في كتاب يحمل معنى جديداً، وفكرة مختلفة، وأسلوباً أخَّاذاً، أنه يضعك في موضع يلجم فيك التضخم، ويكسر فيك الكِبر الفارغ،…

من المدينة المنورة إلى نعوم تشوميسكي

الأربعاء ٢٨ أغسطس ٢٠١٩

في عام 1944 ولد الدكتور حمزة المزيني، أستاذ اللسانيات السعودي، في المدينة المنورة التي شهدت حرّاتها، ركضه الأول. الشاب المدني، وهو يرى أهمية الترجمة في المدينة، للتعامل مع الحجاج الذين لا يتحدثون العربية، وكيف كان الحديث بلغتهم، ميزة لمتقنها... هل كان يختار خلال طفولته، أن يتخصص بالترجمة، واللسانيات؟! من يدري! المدينة المنورة التي تضم بمحبة، المنتقلين للسكن إليها، وهو ما يسمى بالجوار، أي جوار مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومرقده، كانت جامعاً لاختلافات معرفية واجتماعية، بحكم تباين واختلاف أماكن القادمين للمدينة من العالم كله، حاملين معهم كل ثقافاتهم. وما كان موقع الولادة، إلا نتيجة وسبباً في رغبة دائمة عند الدكتور المزيني، بفتح كوى الاختلاف، وصناعة الأسئلة، والرغبة باكتشاف المزيد من الآراء. فالمدينة المتعددة الهويات، مدينة عالمية لا تقف عند نمط واحد، حتى أن الأستاذ عثمان العمير، الصحافي السعودي الشهير، الذي قضى جزءاً من نشأته بالمدينة، يعتبرها أحد أكثر مدن العالم تنوعاً، إذ تطعمك يومياً بدهشة الاختلاف وروعته، وتمنحك التكيف على فهم البشرية، واستيعاب التنوع. تخصص المزيني باللسانيات، دارساً ومدرساً، فحاز الماجستير والدكتوراه من جامعة تكساس، ولم تغيبه الأكاديميا عن مشاركة القضايا العامة، على المستويات السياسية، والفكرية، والعلمية، بل والفقهية، حيث كتب وألّف حول «الأهلة»، إثر نقاش صحفي طويل، مع الشيخ صالح اللحيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، حول حساب…

كسرٌ في سنِّ الضاحك

الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩

حسبُ السعادة، أنها تضرب إليها أكباد الإبل، ويبحث عنها البشر على تفاوت أصنافهم، حتى صارت من الأشياء القليلة التي يتفق عليه الناس. البحث عن السعادة، والتطلع لها، وادعاء امتلاكها زوراً أحياناً، من أعز الأشياء التي يتساوى فيها الآدميون، وإن اختلفوا، في مسالك الوصول إليها، وطرائق اقتناصها. ولأن الموضوع يشغل الناس، من كل الطبقات والأجناس، تنافس العلماء، والفلاسفة، والشعراء، والأطباء، ولم يخرج من هذه المنافسة حتى المنجمون والعرافون، في محاولة، تأطير هذه السعادة، والقبض على زمام تعريفها، وسكب قالب يظهر ملامحها، ويبين شكلها ووجوهها، ليسلك بنو البشر، طرائق في الموضوع قدداً، مجددين عهدهم بالاختلاف، فقلَّ أن تجد من يمسك بيدك تجاه وجهة للسعادة، قريبة من وجهة الآخرين، وإن لم تطابقها! وربما، لو اتفق البشر على وصفة موحدة للسعادة، لتقاتلوا عليها! وبينما العبد الفقير إلى الله، يقلب التوصيفات المتباينة، والتعريفات المتضادة، حتى وقعتُ على بحث شائق عن السعادة، جرى في الولايات المتحدة، في ستينات القرن الماضي، كشف أن الأقل دخلاً، والمنتمين للأقليات، كانوا حريصين خلال الاستبيان على تأكيد أن الصعوبات في حياتهم بوصفهم مهمشين، ليست في نشرهم سبباً في تعاستهم، بل تعاملوا معها بوصفها أسباباً كافية للاستيقاظ من الغفلة، ومطاردة قطار السعادة السريع، الذي ينطلق مبكراً دون أن يعبأ بأحد، فينتظره! لم أندهش شخصياً، وأنا أرى أثر المضايقات اليومية المتكررة المنغصة على…

رجل له من اسمه النصيب الأوفر

الأربعاء ٢٩ مايو ٢٠١٩

قبل خمسة عشر عاماً، وتحديداً في شهر رمضان، شهدت بنفسي، حزن الناس، من كل الجنسيات في الإمارات، على رحيل رجل عظيم، أسس دولة، على أسس متينة، وبنى إنساناً، كما يليق بناء البشر، وكانت محبة الناس له صادقة، وفي الحديث: أنتم شهود الله في أرضه. كان حزن الناس على وفاة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، صادقاً لا مراء فيه. لأحدثكم عن وطني، المملكة العربية السعودية، لا أحسب أن أحداً يمر عليه ذكر زايد، غفر الله له، دون أن يعلن دون مواربة، تقديره لشخصيته، ومحبته لرجل صدق في محبة الناس، فبادلوه صدقه صدقاً، في التقدير والإجلال والمحبة. في الحادي عشر من فبراير 2019، كان الأمير تركي الفيصل، السفير السعودي السابق، بلندن، فواشنطن، يحاضر في وزارة الخارجية الإماراتية بأبوظبي، فنقل الأمير أن الشيخ زايد، كان في آخر أيام حياته، في اللقاءات التي جمعتهما، يوصي أبناءه من بعده، بتوثيق العلاقات مع السعودية، قائلاً، بنص حديث الأمير: «السعودية هي عزوتكم إذا جار الزمن». كان وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية الدكتور أنور قرقاش، حاضراً المحاضرة، فعلق في تويتر على نقل الأمير عن الراحل الكبير: «هي قناعات راسخة، تتجدد، وتتعزز». الحقيقة أن السعوديين يحبون الشيخ زايد، قبل أن يسمعوا بكلمته هذه، ومن سمعها، علم أنه أحسن الظن برجل عظيم، وازدادت قناعته بمشاعره. كان رحمه…

السلعة الأكثر غلاءً في العالم.. الضحك

الأربعاء ٢٧ فبراير ٢٠١٩

حين تقف على شباك شراء التذاكر في قاعات السينما، ترى تباين اختيارات وأذواق الناس، بعضهم يهوى أفلام الرعب، وآخر يفضل الحركة والإثارة، والبعض لا يستمتع إلا حين يعثر على فيلم تاريخي متشعب. ثمة من لا يحب أفلام الإثارة، وينفر من أفلام الرعب، لكن، يكاد الجميع يتفقون على محبتهم للأفلام الكوميدية. لماذا؟! لأنها ترسم الضحكة، على الوجوه. نعم الضحك... إنها السلعة الأغلى في العالم. من أصعب المهام أن تملك القدرة على رسم ضحكة، من خلال التلفزيون أو السينما أو المسرح، ولذلك فإن الفنان الكوميدي، ليس الأشهر فقط، وإنما الأكثر أجراً، لأن الإنسان قد يجامل ضاحكاً في وليمة، ولكن في السينما أو المسرح لن تجد من يضحك للمجاملة، إنه يصرف من ماله، لأجل شراء ضحكة، باذخة، ماتعة. أكثر الأفلام حضوراً في السينما، الحب، والضحك، لأنها من أساسيات السعادة في الحياة، فمن دون حب وقدرة على الابتسامة تصبح الحياة جامدة خاملة، ويكون الإنسان كآلة صماء بكماء، بلا مشاعر ولا أمل. ولكن ما تعريف الضحكة؟! بالعودة لمن كتب عنها من المنظرين، يمكن اعتبارها، إدراك حالة من التناقض، تجعل الصورة المدركة ذهنياً، موضعاً يدفع الإنسان نحو الضحك. فالواقعة الدافعة للضحك، تكون ضمن إدراكات الإنسان، وأمثلته، لذلك تعتبر النكتة في كل مجتمع أحد عوامل شرح خيال الناس، وبيان اهتماماتهم، ومستوى وعيهم، ودرجة سخريتهم. النكتة تشرح الفرز…

حتى تجود وما لديك قليل…

الثلاثاء ٢٦ فبراير ٢٠١٩

... ولا أصعب من توصيف الكرم، لمن لم يره بقلبه، إلا التعذر لمن تعلم أن مرضه الكرم، وأن تلفه العطاء، وعلة نفسِه أن تقصر يده عن معروف لمن يستحق. سألني صديق ذات نقاش: أضروري أن يمر الشاعر بالفقر أو الأسى ليستطيع بلغته حمل الشعور وإن لم يجربه؟! لا أدّعي أني أحمل جواباً شافياً، لكني استشهدت بالكريم الذي لم يرَ الفقر يوماً، لكن إحساسه بحاجة المحتاج وتلبيته لحاجته، عوضت مرارة المرور بالتجربة، ولا أزعم سبقاً، فقد جعل الله في محكم تنزيله، العين البصيرة للحاجة تكريماً لمبصرها عن الجهل، فقال تعالى: «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف»، فوصف الذي فات عليه تعفف الفقير بالجاهل، ونقيض الجهل العلم، ولعمري إن معرفة حاجة السائل قبل سؤله، فطنة لا يُؤَتّاها إلا ذو علم بخبايا النفوس وحاجاتها. وقد يبدأ الشعراء قصائدهم بالشكوى والاعتذار، وهو قليل، لكن شاهداً واحداً يكفي، فكيف إذا كان مستفيضاً، يقال ويعاد! ومن حقوق الأبناء على الآباء، إرشادهم مبكراً إلى هذا النوع من الدراسة، التي لا تنتهي بأمر الانصراف، فالشعر ديوان العرب، وكتاب حياتهم، وفيه من الجمال، ما يمكن أن يكون مرشداً لحياة راقية. عاش صاحبُنا حياتَه مقنعاً أو متقنعاً، ولست مع القائلين بأن جماله سبب تقنّعه مدى الحياة، كما ذهب لذلك الأصفهاني في «الأغاني»، ولا بمصدقٍ أن كريماً، سليل ملك، وصاحب سيف، يخشى…

سحر الفنون اجتماعياً ودبلوماسياً

الأربعاء ٢٠ فبراير ٢٠١٩

للفنون سحرها في التقريب بين البشر، احتفالاً بشتاء طنطورة، (في العُلا غربي السعودية) وبرامجها الفنية، ارتدى الفنان الأوبرالي، بوتشيلي، الغترة والعقال، بينما وضع العازف والموسيقار، ياني، الشماغ على كتفيه، في تعبير عميق عن احترام الثقافة السعودية، واحتراماً للجمهور الذي رحب بهما، فردا التحية بمثلها. لطالما كانت الفنون عنصر اتصالٍ بين الشعوب والأفراد والحكومات، فالفنون مكمن الجمال، وهي من المشتركات الإنسانية، فلغة الجمال لا تحتاج إلى ترجمة، إذ تنساب بعذوبة للعقول والمشاعر. لقد حضرت الفنون على الدوام في العمل الدبلوماسي والسياسي، منذ عصور الإغريق، مروراً بشكسبير وآثاره، وحتى هذا اليوم. الفن يدني البعيد، ويذلل الصعب، ويفك المستغلق، فيندر أن تجد شخصاً من دولة، إلا ويعرف فناناً من دولة أخرى، يحفظ له أغنية، أو يعرف لوحة فنية شهيرة، رسمها فنان من دولة أخرى، وهنا تكمن قوة التأثير، وفعالية القوة الناعمة. والجمال ببساطة، كما يصفه الفيلسوف الألماني هيغل (1770-1831):«هو الصورة، بوصفها وحدة مباشرة للتصور، وحقيقته الواقعية، بقدر ما تكون هذه الوحدة حاضرة في تجليها الواقعي المحسوس، وبعبارةٍ أبسط: الجمال إنما يقوم في الوحدة بين التصور العقلي للشيء وبين وجوده الواقعي، بحيث يكون الشيء جميلاً إذا تطابق التصور العقلي مع التحقيق الفعلي في الوجود، أو بعبارةٍ أكثر بساطة، الجمال هو التطابق بين المفهوم العقلي وبين الوجود الفعلي. وتبعاً لهذا المبدأ، فإن الحياة المعطاة في…

جيران الشمس… العلوم غربية لكن الروح يابانية

الثلاثاء ١٩ فبراير ٢٠١٩

والحق أني لم أجد فراغاً العام الماضي، إلا هربت إلى مكتبتي، وأغلقت الباب. تارة أدخل في تعريفات التسامح، وحيناً أجدُني غارقاً في شروح أبي الطيب وتجارب الأقوام، ومن ثم شُغلت زمناً بالعفو، حتى وجدته مختلفاً عن التسامح، ومن ثم مرت الأيام، وخالفت نفسي، حتى آمنت بأن الزمن هو الفاصل بين الفضيلتين، فقد يكون العفو بعد حين، وقد يكون في التو والحين. ثم خطر لي أن التسامح، تجربة توصف بها المجتمعات، أكثر من العفو الذي يكون شخصياً بحتاً، وربما أدَّى اتصاف مجموع الأفراد بفضيلة العفو، إلى تطور المفهوم، كي يظهر مفهوم أخضر الأغصان زكي الرائحة، يدعى التسامح، وما زلت بين هذا وذاك حتى عزمت على تأليف كتاب في ذلك، ولعله يزيد من النقاش، ويضيف شيئاً نافعاً. وهذا الباب عجيب عجيب؛ فقد تعلمت دائماً عن الموضوعات التي بحثت فيها بعد صدور أي كتاب لي أكثر مما علمت قبل صدوره، ففي السير الذاتية - وجهدي فيها جهد المقل - وصلتني كثير الرسائل بعد أن طُبع العمل وخرج للنور عن المكتوب عنه، وعن البلدان فقد أكرمني اليمنيون بقصص وحب أكثر بعد «جوهرة الفحام»، وهأنذا أعترف بقصور اليد على أمل أن يكون كتابي القادم المطبوع قريباً دعوة مفتوحة لحوار المعاني في باب أحبه وانشغلت به كثيراً، باب التسامح أيها الكرام. وها هو أبو العتاهية يشاركني…

الحوار ليس مباراةً نهائية

الأربعاء ١٣ فبراير ٢٠١٩

بعد إعلان «وثيقة الأخوة»، في الإمارات، بين البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، من جهة، وشيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، من جهة أخرى، تصاعد الحديث عن جدوى الحوار. الأسئلة لم ترد من المتطرفين بالديانتين، بل من متحذلقين يفهمون الحوار بطرقه التقليدية القديمة. مع أن مفهوم الحوار تطور بعلم الاجتماع وجديد الفلسفة، إلا أن البعض لا زال يعتقد أن مهمة لقاء كالذي حدث بين البابا وشيخ الأزهر، وأثمر الوثيقة الآنفة، هو إنهاء قرون الصراع، وإرثها التاريخي، وكأنها لم تكن، وهو حلمٌ رومانسيٌ ممتنع الحدوث منطقياً. الوثيقة بمضمونها الإنساني، تخاطب العقلاء، والمؤسسات التربوية، والاجتماعية والدينية، وهي بداية لمشروع يحتاج استيعابه، لتضافر جهودٍ كبرى، من شتى الفعاليات والمؤسسات الإسلامية والمسيحية، على حد سواء. خلال القرن العشرين، تطوّرت أخلاقيات النقاش، فالفيلسوف الألماني، يورغن هابرماس (ولد1929)، وضع أطروحته حول أخلاقيات النقاش، وفعل التواصل العمومي، وشدد على ضرورة نشر الحوار العمومي، باعتباره من الأفعال الأخلاقية. مهمة الحوار ليست إنتاج حلٍ ثالث، ولا الرغبة بتحييد النزاع، وإنما جلوس طرفين لسماع بعضهما وهو يعد بحد ذاته فضيلة أخلاقية. حينما يجتمع طرفان مختلفان الأول (أ)، والثاني (ب)، ليتحاورا، فإن فعل الحوار ذاته، تواصل محمود، وممارسة لفضيلة إنسانية. ليس بالضرورة، أن يقنع (ب) (أ) برأيه، ولا العكس، فالثمرة، ليست فرضاً في المناقشة العمومية، وربط الحوار بالتوصل لنتيجة يتفق عليها الطرفان، فيه…

من أجل يوم يزيد على 24 ساعة

الثلاثاء ٠٨ يناير ٢٠١٩

يوماً ما ستتوقف الساعة عن الدوران، ولن يكون على هذه الأرض، من يدوّن أحداث الساعة الأخيرة من الزمن. ربما لا تكون ساعة، بل قد تكون دقيقة، أو أجزاء من الثانية. يومها، لن يملّ القارئ من نصوص نهاية العام، والبكاء على اللبن المسكوب، والوقت الذي هرب من أيدينا؛ الوقت الذي سيكون حينها، مضروباً في الصفر، ولا أحد يستطيع هزيمة الصفر في جدول الضرب! سيأخذ نهر الحياة مجراه، فليتوقف الباكي على الماضي، وليمسك بتلابيب وقته، ولينظر في ساعة يده، فإن شَعُر أنها تُسِّرع من إحساسه بالوقت، وتصيبه بالقلق، فليضع ساعة رملية على مكتبه، أو ليراقب الشمس وهي تشرق، أو القمر وهو يميل باتجاه رحلة أخرى. المهم أن نملك الزمن... ولن يملك الزمنَ أحد! ستبقى أبعد أمنياتنا، وضع الزمن في المسار الذي يخدم أحلامنا وأهدافنا. لست مثالياً، ولا عائداً من القمر، كي أُنَظِّر عليكم عن أهمية الوقت، لكني أنذر نفسي قبلكم، فقد مضى العام قبل فترة وجيزة، بأيامه وساعاته، وأكثر من خسره، الذين لا يعرفون ما يريدون من فكرة الوقت. أما عامنا هذا، فهو عام سعيد، لمن يضعون خططاً واضحة، ليكونوا على أهبة الاستعداد لتنفيذ ما خططوا له، وكأن تلك الخطط، تحفزهم للاستمتاع بشروق شمس يوم جديد، يتكون من 24 ساعة. لا بد من الإشارة، إلى مفهوم، قد لا يعجب بعضاً، وهو أني…