يحيى الأمير
يحيى الأمير
إعلامي سعودي

الأفق الجديد في المنطقة

السبت ١٩ يناير ٢٠١٩

كان العام ٢٠١١ مهيأ بالفعل لكل ما حدث؛ آفاق مسدودة في عيون الشباب العربي في مختلف العواصم، وثورة اتصالية جديدة تم استثمارها لبناء منصات للأصوات الغاضبة وحالة من ترقب الفرصة للانقضاض على كل ذلك من القوى ذات الطموحات التوسعية في المنطقة. لا مبادرات ولا خطط ولا قيادات تقدم شيئا جديدا، فكان الشارع قابلا للتثوير واستخراج أسوأ ما فيه من تطرف وحدة وعنف. تحولت الدوحة إلى جهاز مالي وإعلامي وسياسي في قلب المنطقة لإدارة ذلك الخراب، وأخذت طهران خطواتها ضمن مشروعها القائم أصلا والمتمثل في تصدير الثورة، بينما اتجه النظام التركي للتحالف مع المشروع والدفاع عنه والبحث عن نفوذ جديد في المنطقة. ولأن الثورة أصلا وبذلك النموذج الذي شهدته العواصم العربية لم يعد نموذجا صالحا للتغيير ولا أداة يمكن أن تبني مستقبلا، ولأن الفوضى التي اشتعلت كانت خرابا ودمارا وتطرفا لم تعرفه المنطقة منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية، ولأن دول الاستقرار في المنطقة وجدت أنها أمام لحظة تاريخية تستدعي موقفا محوريا في إعادة الاستقرار ودعم الدولة الوطنية، لكل ذلك انهار المشروع في كثير من تلك العواصم ولا ترال عمليات إخماد الحرائق قائمة في عواصم أخرى. كانت المنطقة بحاجة للغة جديدة ووعي جديد يخرج بها من حالة الرتابة والخوف من المستقبل إلى أعلى مستويات الحيوية والانطلاق إلى المستقبل بدلا عن الخوف منه، ولن…

عن خالد الفيصل.. التجربة.. الدولة

السبت ١٢ يناير ٢٠١٩

يوم لم يكن للتنوير والاعتدال سند ولا منبر، وفي أوج صعود الأصوات المتشددة التي كانت تنقض على كل صوت جديد، حمل الأمير خالد الفيصل قلقه على وطنه وآمن بمسؤوليته الثقافية والوطنية وفتح بابا جديدا للوعي ومواجهة الحزبية والتطرف وتعرض لكثير من الهجوم من أعداء الوطنية وممن أصابهم الذعر وهم يسمعون بكل وضوح حديثا عن (المنهج الخفي). أدرك الأمير مبكرا أن التطرّف لا يمكن مواجهته فقط من خلال القضاء على الجماعات والخلايا المسلحة بل لا بد من مواجهته فكريا، وكان صاحب أول تحذير من تكرار ما حدث بعد حادثة جهيمان: لقد قضينا على الجماعة ولم نقض على فكرها. مبكرا أيضا عرف الأمير أهمية الفنون والآداب في بناء الشخصية المعتدلة وعرفت عسير أبرز وأشهر الحفلات الغنائية والمتاحف وكثيرا من الاحتفاء بالفنون والجمال والتراث، بالإضافة إلى النقلة التنموية الضخمة التي شهدتها المنطقة وفي كتابه: (مسافة التنمية وشاهد عيان) ما يعكس التجربة وتحدياتها. جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 وما تلاها من أحداث العنف والإرهاب التي شهدتها بعض المدن السعودية وحين وجد أصحاب الفكر المتشدد أنهم أصبحوا في دائرة الاتهام غيروا جلودهم ومنطقهم وأصبحوا دعاة تعايش ووسطية، وفي الواقع فقد انطلى على كثير منا ذلك التحول، لكن وفي العام 2004 وفي أحد اللقاءات التلفزيونية تساءل الأمير: ماذا عن خطابهم السابق؟ وكيف تحولوا…

إعادة التفكير في القضية السورية

السبت ٢٩ ديسمبر ٢٠١٨

هكذا كانت المعادلة في العام ٢٠١١ ؛ شرارة تنطلق في شوارع العواصم العربية، تندلع الفوضى تتدخل جماعات وقوى وأموال خارجية وتقوم بتوجيه حالة الجريان القائمة إلى مصب واحد ينتهي باستبدال القوى الوطنية القائمة في تلك البلدان بقوى حزبية أيديولوجية ذات ولاءات خارجية. وتوافرت الأطراف على كل المقومات التي تعين على ذلك ومثل النظام القطري وكيل ذلك المشروع في المنطقة بالمال والإعلام سعيا منه ليكون اللاعب الكبير في المنطقة، وبينما حملت تركيا مسؤولية التغطية الأيديولوجية للمشروع وحملت إدارة أوباما مسؤولية التغطية السياسية الدولية انفجر الشارع العربي وتحققت انتصارات مؤقتة كان أسوأها ذلك الذي شهدته مصر حين حكمت جماعة الإخوان المسلمين. كان الوضع مأساويا للغاية وأصبحت الدولة الوطنية مهددة بالكامل في مصر وسوريا وليبيا وكانت المسارات واضحة تعتمد في الغالب على جماعات الإسلام السياسي بوصفها الخيار القادم لتسلم السلطة في كل تلك البلدان. كان تفكيراً كارثيا للغاية ولو تحقق لتحولت المنطقة إلى البقعة الأسوأ في العالم، خاصة وأن الدفع بجماعات الإسلام السياسي من شأنه أن يستلزم بناء نماذج تخدم ذلك المشروع وتقدمه بصفته الخيار الأنسب، ومن أبرز تلك النماذج تنظيم داعش في العراق والشام وما تبعه من ظهور مفاجئ وانتشار سريع في البلدان التي شهدت تلك الفوضى. كانت ليبا واليمن ومصر بلدانا تضم تشكيلات واسعة لجماعات الإسلام السياسي لذلك كانت المهمة ظاهريا…

التفكير الناقد في التعليم السعودي مادة أم منهج

السبت ٢٢ ديسمبر ٢٠١٨

يحرز كثير من الطلاب والطالبات في السعودية مراكز متقدمة جدا في مختلف المسابقات ولقاءات الأولمبياد العالمية في الرياضيات والفيزياء والعلوم، والكثير منهم يدرسون في مدارس عادية على مستوى التجهيزات والتقنيات ولكن بالمقابل لا نشهد كثيرا من تلك النجاحات في العلوم الإنسانية ولا نعرف نماذج قدمت رؤى جديدة في الفلسفة والفكر واللغة والفقه وغيرها من العلوم ويمتد ذلك من مدارس التعليم العام وصولا إلى الجامعات. كان الحدث الأبرز القادم من وزارة التعليم ومنذ أعوام ليس خاصا بالمباني ولا بالتجهيزات التعليمية الحديثة فكل هذه العوامل رغم أهميتها لا ترتبط بلب العملية التعليمية، لكن الحدث الأبرز تمثل في إعلان الوزارة إدراج مادة مهارات التفكير الناقد والفلسفة ومادة القانون ضمن مناهج المرحلة الثانوية. في الواقع أن هذا يمثل تحولا مهما في فكرة التعليم السعودي نفسه ما هو وما الغرض وما الطالب الذي نريد، وبالنظر إلى المخرجات التعليمية السعودية على مدى الأعوام الماضية سندرك أن ثمة قصورا في الوعي والمعرفة والتفكير وهذه كلها مهارات أصيبت بنوع من التخثر جراء هيمنة الرؤية الواحدة على مختلف العلوم الإنسانية وبأسلوب تلقيني واحد وجامد. وربما لا تكون هذه مشكلة في التعليم في السعودية فقط بل هي من وجهة نظري مشكلة في الثقافة العربية بأكملها، وبما أننا نتحرك اليوم وفق رؤية واعية ومستقبلية لتجاوز السائد والنمطي فلن ننتظر حتى يصلح…

نشوء الحضارات الجديدة.. الخليج والطاقة (2)

السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨

توزعت عناصر القوة في العالم على مستويين متوازنين: المنتج العالمي العابر للحدود، والطاقة التي يحتاجها ذلك المنتج ليصبح مجديا. وانتهت أزمنة الحضارات الجغرافية الخاصة بإقليم ومنطقة ما، كانت العواصم الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية مصدر الآلة التي انتقلت لكل العالم، وما لبث أن أصبح الخليج مصدر الطاقة التي تعتمد عليها تلك الآلة، لكن النفط ليس كل شيء. عرفت بلدان مثل العراق وليبيا وفنزويلا الطاقة ولكنها لم تصنع حضارة ولم تشهد تنمية ولا استقرارا وهو ما يؤكد أن الطاقة ليست كل شيء. إذن.. لماذا ازدهر الخليج وأصبح شريكا عالميا مؤثرا وأصبحت دولة كالسعودية عضوا في مجموعة العشرين وأصبحت دولة كالإمارات نموذجا تنمويا مدهشا للعالم ؟ القضية ليست في النفط فقط لكنها تكمن أولا في الرؤية والعقيدة السياسية التي تدير تلك البلدان. نشأت دول الخليج على أيدي قادة نوعيين في الفترات الأكثر تحولا في تاريخ وجغرافيا المنطقة ورغم أصالتهم العربية والإسلامية إلا أن أبرز ما أسهم في بناء كياناتهم والحفاظ عليها كان إيمانهم المبكر بالدولة الوطنية. الدولة الوطن هي الهدف والمشروع والقضية، مع إيلاء أهمية قصوى لدعم بناء محيط إقليمي مستقر ينعكس استقراره إيجابا على كل المنطقة. كان الوعي بالدولة الوطنية الحديثة هو التحول الحضاري الكبير الذي وصلت إليه بلدان العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي كشفت وسابقتها للبشرية أن زمن…

نشوء الحضارات الجديدة.. الخليج والطاقة «1»

السبت ٠٨ ديسمبر ٢٠١٨

وصلت الحضارة الإنسانية اليوم إلى تحولات مفصلية للغاية، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن تلك التحولات تمتد لتشمل إعادة بناء معايير الحضارة أصلا وتفتيت القوالب والإطارات القديمة باتجاه نماذج جديدة ومختلفة في كل شيء. ظل العالم يعتمد الزمن والتقادم كعامل محوري وأساسي في قياس الحضارة وهيمنت على الذهنية الإنسانية تلك الفكرة إلى الدرجة التي ترسخت معها الزمنية بصفتها معياراً أساسياً للحضارات، وتتكرر دائما أوصاف عن حضارات إنسانية عديدة بأنها حضارات تمتد لأكثر من كذا ألف سنة ويحدث التنافس أحيانا في حساب السنين لتقول كل حضارة عن ذاتها بأنها الأقدم والأكثر عراقة. العامل الثاني الذي يمكن ملاحظته أثناء قراءة الحضارات الإنسانية وصورتها في الذهن العام، سنجد أن معظمها حضارات ماضوية سابقة ولا تحمل في داخلها أية أبعاد مستقبلية وفي الثقافة العربية يضاف إلى ذلك أثناء تناول وقراءة الحضارات الكثير من التفاخر والاعتزاز وفي سياق ماضوي سحيق في الغالب لا قيمة ولا تأثير له في المستقبل وفي مجرياته. التحول الإنساني الكبير الذي حدث تمثل في أن البشرية تجاوزت الحضارات الجغرافية الإقليمية إلى الحضارة الإنسانية الشاملة، فبينما كانت معابد السومريين وحدائق بابل المعلقة في العراق أمراً لا يتخيله ابن الصحراء مثلا لأنها كانت حضارة محدودة في جغرافيا محدودة، فقد أخذت الإنسانية ومنذ منتصف القرن التاسع عشر بإنتاج ما يمكن وصفه بالأدوات الحضارية أو…

العقائد السياسية التي تنتهي بالفشل

السبت ٠١ ديسمبر ٢٠١٨

ترى من كان يتوقع أن إرهابيا ينتمي لمليشيا مسلحة يمكن أن يمنح مساحة للكتابة في صحيفة عريقة كالواشنطن بوست؟ لكن ذلك حدث بالفعل؛ محمد علي الحوثي يكتب مقالة في تلك الصحيفة ضمن حربها الإعلامية الشعواء التي شنتها على المملكة منذ بداية أزمة الصحفي السعودي جمال خاشقجي، حيث أعلنت الصحيفة بكل وضوح أنها طرف في الأزمة وأنها ستواصل الهجوم على السعودية وهو ما يحدث يوميا. لم يكن ذلك موقفا فرديا من الصحيفة بل تضافرت معه كل القوى التي يمكن وصفها بالقوى الموجهة والقوى التي أسهمت السعودية بشكل رئيسي في إفشال أبرز مشاريعهم في المنطقة. يعتنق اليسار الليبرالي النظريات ويتعلق بها على حساب الواقع، لديه معاييره للخير والشر والعدل والمساواة والحقوق ويتعامل معها كعناوين مطلقة يسعى لتطويع الواقع واعتسافه لتحقيقها من وجهة نظر مثالية وغير واقعية. ويمكن اعتبار فترة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أبرز سنوات تجلت فيها أفكار اليسار الليبرالي ومشاريعه في المنطقة. صحف وشخصيات ومنظمات دولية استغلت الحادثة أبشع استغلال، كانت الفرصة الأكبر للنيل من المملكة وقيادتها ومحاصرة مشروعها النهضوي التنموي المعتدل. كل الأطراف الذين استغلوا هذه القضية هم ذاتهم أطراف معادلة الربيع العربي، من قوى ومؤسسات اليسار الليبرالي في واشنطن إلى تركيا والدوحة وطهران وجماعات الإسلام السياسي في المنطقة إضافة إلى المنظمات الحقوقية الموجهة حول العالم. أدركت تلك القوى…

انتصار الواقعية السعودية

السبت ٢٤ نوفمبر ٢٠١٨

انتهت الأزمة الكبرى التي مرت بها المملكة؛ مواطن إعلامي سعودي يتعرض لحادثة فاجعة في قنصلية بلاده، وفجأة يجد الخصوم أنهم امتلكوا سلاحا فريدا من نوعه يمكن تصويبه للسعودية وتحديدا لولي عهدها الذي باتت كل مواقفه تمثل هاجسا مقلقا للغاية لكل قوى الشر والمؤامرات الموجهة نحو بلاده ونحو المنطقة. فجأة أيضا وجدت كثير من القوى السياسية المتصارعة حول العالم ورقة سياسية جديدة فاتجه كل طرف لاستغلال الحادثة واستثمارها بما يصب في مصالحه. حرب إعلامية غير مسبوقة ونموذج سيئ لتسييس القضايا الإنسانية واستخدامها ورقة للضغط والابتزاز والمناورات، لكن شيئا من ذلك لم يكن مجديا على الإطلاق والسبب في كل ذلك مستوى الواقعية السعودية في التعامل مع هذه الأزمة وغيرها من الأزمات. أول قيمة في تلك الواقعية هي إشراك الرأي العام العالمي في كل التفاصيل والتحولات التي مر بها الحادث، ومن خلال الجهات الرسمية المخولة بذلك، انطلاقا من أن القيادة السعودية ليس لديها ما تخفيه في القضية وتتعامل معها على أنها جريمة شنيعة ويجب محاسبة المسؤولين عنها. كانت تلك الواقعية بحد ذاتها أزمة كبرى لكل من عملوا على تسييس القضية واتخذوها حربا إعلامية مفتوحة ضد المملكة. وهكذا بدأت حالات الانفعال التي صاحبت تلك الهجمات ولم تتبق للخصوم في تلك الحرب إلا أداة واحدة؛ التشكيك في كل الروايات السعودية واستمرار الاستهداف الموجه تحديدا لولي…

الحرب على الاعتدال

السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨

كل خطوات الانفتاح التي تعيشها المملكة اليوم تمثل أزمة كبرى للجماعات والكيانات المعادية في المنطقة التي ظلت تراهن على التشدد بصفته العامل الأبرز الذي يمكن من خلاله تهديد استقرار المملكة والتأثير في مستقبلها. إذ تم التحفيز المستمر لقوى التشدد والأصوات المتشددة والدفاع عنها على أنها أصوات فكرية معارضة وترويج ذلك في منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام العالمية. ومن خلال مسارين اثنين تم العمل من الخارج على التشدد: المسار الأول يتمثل في تنشيط ودعم التشدد وإذكائه داخليا ليمثل ثقافة تناهض كل خطوة جديدة تقودها الدولة وكل تغيير يشهده المجتمع في حياته اليومية وهو الأمر الذي لو تحقق فسيمثل صراعا داخليا مستمرا وتأخيرا لمسيرة الدولة نحو المدنية والتنمية والاعتدال. المسار الثاني في التعامل مع التشدد والتطرف يتمثل في ترويج صورة متشددة للعالم عن المملكة والتركيز على بعض المظاهر الاجتماعية التي كانت قائمة كعدم تمكن النساء من قيادة السيارة سابقا وغياب الاحتفاء بالفنون والثقافة الجديدة وبالتالي على العالم ألا يثق بالمملكة كشريك مستقبلي؛ لأنها لا تزال تشهد ممارسات غريبة وغير واقعية. جاءت التحولات الجديدة التي شهدتها المملكة لتمثل إعاقة كبرى لتلك المشاريع والمخططات؛ لقد فقدوا فجأة كل تلك الأدوات وأصبحوا في حالة من التوتر العالي الذي حولوا معه كثيرا من الأسماء المتشددة المتطرفة التي كانت تمدهم بآرائها وفتاواها الغريبة بعناوين لحملاتهم الإعلامية التي…

في فهمنا الجديد للسيادة

السبت ٢٩ سبتمبر ٢٠١٨

الدوائر السياسية التقليدية في أوروبا تعيش حالة ذهول كبرى وهي تراقب المواقف السعودية الصارمة من كل تدخل في شؤونها الداخلية ومن كل المواقف السياسية التي تخالف أبسط أبجديات العلاقات المتكافئة بين البلدان؛ الموقف من ألمانيا والموقف من كندا تمثل أبرز الشواهد على الأداء السياسي السعودي الجديد وتمثل أيضا دليلا على أن ثمة ذهنيات سياسية أوروبية توقفت أفكارها ورؤيتها السياسية عند زمن الحرب الباردة والمعادلات السياسية المألوفة، التي تنظر لدول العالم الثالث باعتبارها قاصرة حضاريا وإنسانيا. في الواقع أن هذا التصنيف (دول العالم الثالث) هو أيضا من الماضي، وأول من استخدمه كان الباحث الفرنسي الفريد سوفيه العام ١٩٥٢، في إشارة إلى البلدان المتراجعة اقتصاديا والتي ليست جزءا من النهضة الصناعية والتي تعتمد في اقتصادها على الدول الاستعمارية. اليوم لا يكاد يصدق أي من هذه الأوصاف على كثير من دول المنطقة وعلى رأسها دول الاستقرار: السعودية، الإمارات، وغيرها، فلا اقتصادها معتمد على المستعمر ولم يحدث أن كانت عرضة للاستعمار أصلا، إضافة إلى أن ما تشهده من ثورات حقيقية تنموية واجتماعية وما لديها من قوة اقتصادية جعلتها ضمن مجموعة العشرين، وما تحمله اليوم من تطلع وعمل نحو المستقبل يجعل من المستحيل أن تقبل الإملاءات أو المواقف غير الراشدة سياسيا، كالتي جاءت في تصريح وزير الخارجية الألماني السابق أو التي فجرت الأزمة الكندية. التصريحات…

أفكار جديدة في اليوم الوطني

السبت ٢٢ سبتمبر ٢٠١٨

السعودية اليوم أكثر حيوية ونشاطا من أي وقت مضى، والذي يحدث اليوم هو التتويج الأنسب والفعلي لكل تلك المراحل السابقة التي عاشتها المملكة تدرجا متصلا كانت فيه كل مرحلة تنقل معها الدولة إلى المستوى الأنسب والأقدر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. شكلت مرحلة التأسيس والتوحيد إحدى أبرز وأضخم التجارب التي عرفها العصر الحديث، كيان جديد تتضافر فيه مجموعة من أهم عناصر القوة تتنوع من القوة الروحية التاريخية ثم القوة الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية. استثمرت المملكة هذه القوى لهدف واحد انطلقت فيه من وعي حديث بالدولة الوطنية بصفتها الوصفة الحضارية الأخيرة للتمدن والسلام والاستقرار وبناء العلاقات الدولية الواعية. لقد مثل هذا الإيمان العميق بالدولة الوطنية سببا لكل التحديات والمواجهات التي خاضتها المملكة طيلة مسيرتها؛ كل تلك المواجهات كانت في حقيقتها للحفاظ على الدولة الوطنية ومواجهة مع من لم يؤمنوا بها، سواء في الداخل أو الخارج. كان التحول المدني الأبرز في السعودية هو أنها انطلقت لتأسيس دولة لا إمبراطورية ولا كيان توسعي ولا كيان دعوي. وكلما انحرفت بعض التوجهات والأصوات التي أرادت تحويل الكيان إلى كيان دعوي تحركت الدولة لإعادة توجيه المسار باتجاه الدولة الوطنية، وبناء فهم جديد ومدني لدورنا الدعوي يتمثل في خدمة المقدسات الجامعة للمسلمين ومواجهة الإرهاب وبناء هذا النموذج المتجدد. كل الكيانات والأنظمة الثابتة أو ذات التوجهات الدعوية والتوسعية سقطت…

اقتصاد الأفكار الجديدة

السبت ١٥ سبتمبر ٢٠١٨

أدت التحولات الاقتصادية الضخمة التي تمر بها المملكة إلى ما يشبه عمليات الفرز الحقيقية لمجتمع الأعمال والتجارة، لنصبح اليوم أمام مستويين من الاستثمار: الاستثمار الربحي والاستثمار التنموي. يقوم الاستثمار الربحي على أنماط تقليدية من التجارة تعتمد على قوتها المالية وعلى أهمية البضاعة التي تتاجر بها، وتهيمن عليها التقليدية والثبات ولا تحمل أية أفكار جديدة، بل قد تتحول أحيانا إلى عنصر إعاقة للتنمية العامة، خذ تجارة الأراضي مثلا والتي وإن كانت صالحة لمرحلة إلا أنها بالتأكيد لا يمكن لها الاستمرار. وبالنظر إلى كون الأراضي مكونا من مكونات الإنشاء والبناء سواء للمنزل أو المدرسة أو المصنع، فإن استخدام أحد تلك المكونات وتحويله إلى منتج من شأنه أن يقضي على كل العملية ويعيق اكتمالها. وحين تم إقرار نظام رسوم الأراضي البيضاء كان الغرض الأبرز منه تحويل تلك المساحات الهائلة من كونها عناصر اقتصاد مهملة ومعطلة لتصبح عناصر منتجة. الاستثمار التنموي يختلف عن كل ذلك؛ يحمل الاستثمار التنموي قيما جديدة في داخله وفي أدواته ويرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بمعادلات التنمية الوطنية وأهدافها، ويقوم الاستثمار التنموي على بعدين هما: الأفكار الجديدة التي تتحول إلى أنشطة استثمارية واقعية، وأعمال التطوير والابتكار في الأنشطة الاستثمارية القائمة والمعروفة. تطوير وابتكار على مستوى الأفكار والأدوات سعيا للجودة الأمثل والتكلفة المناسبة والقدرة على التطور المستمر. الأنظمة والتحولات والتشريعات…