يحيى الأمير
يحيى الأمير
إعلامي سعودي

معركة المغرد السعودي.. كيف انتصرنا للتنمية والمستقبل؟

السبت ٠٩ مارس ٢٠١٩

نحن لا نؤمن بنظرية المؤامرة فقط بل نؤمن بكشفها أيضا، وكل المواقف السعودية الرسمية والشعبية في السنوات القليلة الماضية بمثابة إعلان للتصدي لكل تلك المؤامرات والمكائد التي ظلت تحاك وتنفذ ضد المملكة. كانت قضية الرأي العام السعودي وتوجيهه مشروعا كبيرا جدا وتم العمل عليه والتخطيط له وبدأت خطوات التنفيذ مبكرة. يتمثل الهدف العام في بناء وتوجيه الرأي السعودي كمرحلة أولى، وفي حال لم يتحقق ذلك يتم العمل على إيهام المجتمع أن ثمة رأيا سائدا هو الذي يمثل رغبة المجتمع وتوجهه الحقيقي. الغرض من بناء تلك المعادلة إيجاد شقاق بين توجهات التنمية والوطنية التي تقودها الدولة والنخب الوطنية وبين المجتمع. لقد شهدت هذه المؤامرة نجاحا مؤقتا تمثل في إيهامنا بالتالي: المجتمع ليس مستعدا لأي تغيير. أدت مثل هذه المفاهيم إلى تكدس كبير في الخطوات المؤجلة ووجدنا أنفسنا في واقع يتغير فيه المجتمع وتطمح الدولة للمزيد من التغيير لكن ثمة انطباع عام أن لا أحد يريد ذلك. يحقق نجاح هذا الجزء من المؤامرة فائدتين للخصوم؛ الأولى صناعة مناخ عام يوحي بأن ثمة تنافرا بين توجهات الدولة وتوجهات المجتمع وبالتالي يسهم في تقييد خطوات التطور، والفائدة الثانية تتمثل في ترويج صورة متشددة عن المملكة أنها البلاد التي تقيد الحريات ولا يسمح فيها بقيادة المرأة للسيارة وتمنع فيها حفلات الموسيقى. الخط الثاني لتلك المؤامرة…

العقيدة الإيرانية وليست التدخلات الإيرانية

السبت ٠٢ مارس ٢٠١٩

فيما لو تم تنفيذ الاتفاق الإيراني - الإسرائيلي بإخراج القوات الأجنبية من سوريا فالمنطقة كلها أمام تحول مهم للغاية؛ أشبه ما يكون بإعلان نهاية وفشل أي تدخل تقوده دولة أو جماعات أيديولوجية وفشل للتدخلات الميليشياوية المسلحة التي لم تقدم سوى المزيد من القتل والفوضى والدمار. لم تتدخل إيران في سوريا ولا في اليمن ولا في لبنان تدخلا سياسيا بهدف حماية مصالحها أو أمنها الإستراتيجي، النظام في طهران لا يفكر هكذا أصلا، إنه نظام يهتم بالمراقد والمزارات وتصدير الثورة وخروج المهدي من السرداب، وأي نظام يملك هذه العقيدة المتطرفة لن يؤمن أبدا بالدولة الوطنية ولا بالمصالح الإستراتيجية وبالتالي لن يجد شريكا له من دول العالم ولن يعتمد عليه العالم في القيام بأي دور إقليمي أمني أو اقتصادي. لا يمكن للعالم أن يستمر صامتا أمام تلك النيران المشتعلة في سوريا وبدخول روسيا لاعبا محوريا في القضية السورية، وبدخول إسرائيل في المعادلة أدرك الطرفان أن سنوات الدمار والحرب لا يمكن أن تنتهي بوجود شريك متطرف ونظام بدائي كالنظام الإيراني، وبينما تفكر روسيا في القضية السورية من خلال أبعاد إستراتيجية مختلفة وتفكر إسرائيل في القضية من زاوية مصلحتها الأمنية، يفكر النظام الإيراني في حماية المراقد! منذ عقود لم تعد إيران لاعبا سياسيا تحركه المصالح والحسابات الإقليمية كبقية الكيانات في المنطقة، لقد تحول بفعل عقيدته…

إسرائيل العلمانية أم إيران الثيوقراطية ؟

السبت ٢٣ فبراير ٢٠١٩

لا تزال المبادرة السعودية للسلام التي تحولت إلى مبادرة عربية هي المسار الأنسب ربما للتخلص من كل الآثار التي خلفتها وتخلفها يوميا القضية الفلسطينية في المنطقة وكيف تحولت من قضية شعب وأرض محتلة إلى حفلة مزايدات سياسية لا تنتهي. كل الكيانات والأنظمة التي لديها مشكلة في الشرعية جعلت من القضية الفلسطينية شعارا لها ومادة للمزيدات والبحث عن أدوار كارثية في المنطقة. ربما يكون النظام الإيراني أبرز من تاجر في قضية فلسطين، ولا تكاد تمر خطبة ولا مناسبة يتحدث فيها قيادي إيراني إلا وكانت فلسطين والقدس والتحرير حاضرة وبكثافة؛ سرايا القدس، فيلق القدس، وغيرهما من التسميات التي تم إطلاقها على فرق عسكرية إيرانية تعكس ذلك التعلق الزائف بالقضية، ومحاولة جعلها قضية وجود بحثا عن شرعية للكيان، وبينما يتطلع المواطن الإيراني لحلول لقضاياه الداخلية يجد أن كل مقدرات بلاده موجهة لإذكاء الصراعات ودعم الميليشيات الإرهابية المسلحة تحت شعار الموت لإسرائيل وتحرير الأراضي الفلسطينية. حزب الله في لبنان مثلا يجعل من المقاومة والقضية الفلسطينية مبررا لوجوده وانتهاكاته للسلطة واختطافه الدولة اللبنانية، مما يعني أن أي حل للقضية الفلسطينية يمثل تهديدا وجوديا للحزب وانشطته ومبررات بقائه. حماس الفلسطينية أيضا سيتحول كوادرها إلى عاطلين عن العمل فيما لو شهدت القضية الفلسطينية أي انفراج نحو الحل. أنظمة مثل النظام التركي والنظام القطري وفي سياق سعيها للعب…

إعادة بناء التعليم الديني

السبت ١٦ فبراير ٢٠١٩

الفقه القائم والمتداول اليوم هو وبلا جدال فقه قديم جدا، قادم من مرحلة تاريخية موغلة في القدم، إذ لم يشهد التاريخ الإسلامي منذ القرن التاسع الميلادي ظهور مصنفات وأعمال فقهية جديدة؛ جديدة في آلياتها وأفكارها وخطابها، إذ مثلت تلك الفترة تأسيسا لمنهج فكري يقوم على الثبات والأحادية وكثير من الصرامة والحدة إضافة إلى أنه مرتبط بالجغرافيا والأحداث التي ظهرت فيها. أخطر ما في تلك المراجع الفقهية أنها مراجع؛ أي أن كل ما سيأتي بعدها يجب أن يدور في فلكها شرحا وتفسيرا وتحقيقا لكن الآليات والأدوات البحثية ظلت ثابتة كما هي، وساعد على ذلك كثرة الاستدلال بالمرويات الحديثية والنقلية وتراجع كبير في قراءة وبحث النص القرآني مما توجد خطا موازيا لعملية التشريع وبناء الأحكام الفقهية تكاد تكون في جانب كبير منها مجافية لما جاء به التنزيل الحكيم. 1. إنه الفقه العربي الذي تأثر بالأزمة الكبرى التي مرت بها اللغة العربية والمتمثلة في طغيان علوم النحو والصرف على حساب علوم الدلالة وفقه اللغة، ولأن نصوص الحديث الشريف لا تحتاج تأويلا وذات معان واضحة ومباشرة فقد كانت أسهل للاتكاء عليها استدلالا واستشهادا إلى الدرجة التي ربما هيمنت معها على نصوص التنزيل الحكيم. ورافق ذلك سطوة عارمة لأسماء ومصنفات تاريخية باتت ثقافة الدرس الفقهي تتخوف من نقدها أو الدعوة لإعادة قراءة نتاجها الفقهي. ومثلما…

الأفق الجديد في المنطقة

السبت ١٩ يناير ٢٠١٩

كان العام ٢٠١١ مهيأ بالفعل لكل ما حدث؛ آفاق مسدودة في عيون الشباب العربي في مختلف العواصم، وثورة اتصالية جديدة تم استثمارها لبناء منصات للأصوات الغاضبة وحالة من ترقب الفرصة للانقضاض على كل ذلك من القوى ذات الطموحات التوسعية في المنطقة. لا مبادرات ولا خطط ولا قيادات تقدم شيئا جديدا، فكان الشارع قابلا للتثوير واستخراج أسوأ ما فيه من تطرف وحدة وعنف. تحولت الدوحة إلى جهاز مالي وإعلامي وسياسي في قلب المنطقة لإدارة ذلك الخراب، وأخذت طهران خطواتها ضمن مشروعها القائم أصلا والمتمثل في تصدير الثورة، بينما اتجه النظام التركي للتحالف مع المشروع والدفاع عنه والبحث عن نفوذ جديد في المنطقة. ولأن الثورة أصلا وبذلك النموذج الذي شهدته العواصم العربية لم يعد نموذجا صالحا للتغيير ولا أداة يمكن أن تبني مستقبلا، ولأن الفوضى التي اشتعلت كانت خرابا ودمارا وتطرفا لم تعرفه المنطقة منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية، ولأن دول الاستقرار في المنطقة وجدت أنها أمام لحظة تاريخية تستدعي موقفا محوريا في إعادة الاستقرار ودعم الدولة الوطنية، لكل ذلك انهار المشروع في كثير من تلك العواصم ولا ترال عمليات إخماد الحرائق قائمة في عواصم أخرى. كانت المنطقة بحاجة للغة جديدة ووعي جديد يخرج بها من حالة الرتابة والخوف من المستقبل إلى أعلى مستويات الحيوية والانطلاق إلى المستقبل بدلا عن الخوف منه، ولن…

عن خالد الفيصل.. التجربة.. الدولة

السبت ١٢ يناير ٢٠١٩

يوم لم يكن للتنوير والاعتدال سند ولا منبر، وفي أوج صعود الأصوات المتشددة التي كانت تنقض على كل صوت جديد، حمل الأمير خالد الفيصل قلقه على وطنه وآمن بمسؤوليته الثقافية والوطنية وفتح بابا جديدا للوعي ومواجهة الحزبية والتطرف وتعرض لكثير من الهجوم من أعداء الوطنية وممن أصابهم الذعر وهم يسمعون بكل وضوح حديثا عن (المنهج الخفي). أدرك الأمير مبكرا أن التطرّف لا يمكن مواجهته فقط من خلال القضاء على الجماعات والخلايا المسلحة بل لا بد من مواجهته فكريا، وكان صاحب أول تحذير من تكرار ما حدث بعد حادثة جهيمان: لقد قضينا على الجماعة ولم نقض على فكرها. مبكرا أيضا عرف الأمير أهمية الفنون والآداب في بناء الشخصية المعتدلة وعرفت عسير أبرز وأشهر الحفلات الغنائية والمتاحف وكثيرا من الاحتفاء بالفنون والجمال والتراث، بالإضافة إلى النقلة التنموية الضخمة التي شهدتها المنطقة وفي كتابه: (مسافة التنمية وشاهد عيان) ما يعكس التجربة وتحدياتها. جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 وما تلاها من أحداث العنف والإرهاب التي شهدتها بعض المدن السعودية وحين وجد أصحاب الفكر المتشدد أنهم أصبحوا في دائرة الاتهام غيروا جلودهم ومنطقهم وأصبحوا دعاة تعايش ووسطية، وفي الواقع فقد انطلى على كثير منا ذلك التحول، لكن وفي العام 2004 وفي أحد اللقاءات التلفزيونية تساءل الأمير: ماذا عن خطابهم السابق؟ وكيف تحولوا…

إعادة التفكير في القضية السورية

السبت ٢٩ ديسمبر ٢٠١٨

هكذا كانت المعادلة في العام ٢٠١١ ؛ شرارة تنطلق في شوارع العواصم العربية، تندلع الفوضى تتدخل جماعات وقوى وأموال خارجية وتقوم بتوجيه حالة الجريان القائمة إلى مصب واحد ينتهي باستبدال القوى الوطنية القائمة في تلك البلدان بقوى حزبية أيديولوجية ذات ولاءات خارجية. وتوافرت الأطراف على كل المقومات التي تعين على ذلك ومثل النظام القطري وكيل ذلك المشروع في المنطقة بالمال والإعلام سعيا منه ليكون اللاعب الكبير في المنطقة، وبينما حملت تركيا مسؤولية التغطية الأيديولوجية للمشروع وحملت إدارة أوباما مسؤولية التغطية السياسية الدولية انفجر الشارع العربي وتحققت انتصارات مؤقتة كان أسوأها ذلك الذي شهدته مصر حين حكمت جماعة الإخوان المسلمين. كان الوضع مأساويا للغاية وأصبحت الدولة الوطنية مهددة بالكامل في مصر وسوريا وليبيا وكانت المسارات واضحة تعتمد في الغالب على جماعات الإسلام السياسي بوصفها الخيار القادم لتسلم السلطة في كل تلك البلدان. كان تفكيراً كارثيا للغاية ولو تحقق لتحولت المنطقة إلى البقعة الأسوأ في العالم، خاصة وأن الدفع بجماعات الإسلام السياسي من شأنه أن يستلزم بناء نماذج تخدم ذلك المشروع وتقدمه بصفته الخيار الأنسب، ومن أبرز تلك النماذج تنظيم داعش في العراق والشام وما تبعه من ظهور مفاجئ وانتشار سريع في البلدان التي شهدت تلك الفوضى. كانت ليبا واليمن ومصر بلدانا تضم تشكيلات واسعة لجماعات الإسلام السياسي لذلك كانت المهمة ظاهريا…

التفكير الناقد في التعليم السعودي مادة أم منهج

السبت ٢٢ ديسمبر ٢٠١٨

يحرز كثير من الطلاب والطالبات في السعودية مراكز متقدمة جدا في مختلف المسابقات ولقاءات الأولمبياد العالمية في الرياضيات والفيزياء والعلوم، والكثير منهم يدرسون في مدارس عادية على مستوى التجهيزات والتقنيات ولكن بالمقابل لا نشهد كثيرا من تلك النجاحات في العلوم الإنسانية ولا نعرف نماذج قدمت رؤى جديدة في الفلسفة والفكر واللغة والفقه وغيرها من العلوم ويمتد ذلك من مدارس التعليم العام وصولا إلى الجامعات. كان الحدث الأبرز القادم من وزارة التعليم ومنذ أعوام ليس خاصا بالمباني ولا بالتجهيزات التعليمية الحديثة فكل هذه العوامل رغم أهميتها لا ترتبط بلب العملية التعليمية، لكن الحدث الأبرز تمثل في إعلان الوزارة إدراج مادة مهارات التفكير الناقد والفلسفة ومادة القانون ضمن مناهج المرحلة الثانوية. في الواقع أن هذا يمثل تحولا مهما في فكرة التعليم السعودي نفسه ما هو وما الغرض وما الطالب الذي نريد، وبالنظر إلى المخرجات التعليمية السعودية على مدى الأعوام الماضية سندرك أن ثمة قصورا في الوعي والمعرفة والتفكير وهذه كلها مهارات أصيبت بنوع من التخثر جراء هيمنة الرؤية الواحدة على مختلف العلوم الإنسانية وبأسلوب تلقيني واحد وجامد. وربما لا تكون هذه مشكلة في التعليم في السعودية فقط بل هي من وجهة نظري مشكلة في الثقافة العربية بأكملها، وبما أننا نتحرك اليوم وفق رؤية واعية ومستقبلية لتجاوز السائد والنمطي فلن ننتظر حتى يصلح…

نشوء الحضارات الجديدة.. الخليج والطاقة (2)

السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨

توزعت عناصر القوة في العالم على مستويين متوازنين: المنتج العالمي العابر للحدود، والطاقة التي يحتاجها ذلك المنتج ليصبح مجديا. وانتهت أزمنة الحضارات الجغرافية الخاصة بإقليم ومنطقة ما، كانت العواصم الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية مصدر الآلة التي انتقلت لكل العالم، وما لبث أن أصبح الخليج مصدر الطاقة التي تعتمد عليها تلك الآلة، لكن النفط ليس كل شيء. عرفت بلدان مثل العراق وليبيا وفنزويلا الطاقة ولكنها لم تصنع حضارة ولم تشهد تنمية ولا استقرارا وهو ما يؤكد أن الطاقة ليست كل شيء. إذن.. لماذا ازدهر الخليج وأصبح شريكا عالميا مؤثرا وأصبحت دولة كالسعودية عضوا في مجموعة العشرين وأصبحت دولة كالإمارات نموذجا تنمويا مدهشا للعالم ؟ القضية ليست في النفط فقط لكنها تكمن أولا في الرؤية والعقيدة السياسية التي تدير تلك البلدان. نشأت دول الخليج على أيدي قادة نوعيين في الفترات الأكثر تحولا في تاريخ وجغرافيا المنطقة ورغم أصالتهم العربية والإسلامية إلا أن أبرز ما أسهم في بناء كياناتهم والحفاظ عليها كان إيمانهم المبكر بالدولة الوطنية. الدولة الوطن هي الهدف والمشروع والقضية، مع إيلاء أهمية قصوى لدعم بناء محيط إقليمي مستقر ينعكس استقراره إيجابا على كل المنطقة. كان الوعي بالدولة الوطنية الحديثة هو التحول الحضاري الكبير الذي وصلت إليه بلدان العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي كشفت وسابقتها للبشرية أن زمن…

نشوء الحضارات الجديدة.. الخليج والطاقة «1»

السبت ٠٨ ديسمبر ٢٠١٨

وصلت الحضارة الإنسانية اليوم إلى تحولات مفصلية للغاية، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن تلك التحولات تمتد لتشمل إعادة بناء معايير الحضارة أصلا وتفتيت القوالب والإطارات القديمة باتجاه نماذج جديدة ومختلفة في كل شيء. ظل العالم يعتمد الزمن والتقادم كعامل محوري وأساسي في قياس الحضارة وهيمنت على الذهنية الإنسانية تلك الفكرة إلى الدرجة التي ترسخت معها الزمنية بصفتها معياراً أساسياً للحضارات، وتتكرر دائما أوصاف عن حضارات إنسانية عديدة بأنها حضارات تمتد لأكثر من كذا ألف سنة ويحدث التنافس أحيانا في حساب السنين لتقول كل حضارة عن ذاتها بأنها الأقدم والأكثر عراقة. العامل الثاني الذي يمكن ملاحظته أثناء قراءة الحضارات الإنسانية وصورتها في الذهن العام، سنجد أن معظمها حضارات ماضوية سابقة ولا تحمل في داخلها أية أبعاد مستقبلية وفي الثقافة العربية يضاف إلى ذلك أثناء تناول وقراءة الحضارات الكثير من التفاخر والاعتزاز وفي سياق ماضوي سحيق في الغالب لا قيمة ولا تأثير له في المستقبل وفي مجرياته. التحول الإنساني الكبير الذي حدث تمثل في أن البشرية تجاوزت الحضارات الجغرافية الإقليمية إلى الحضارة الإنسانية الشاملة، فبينما كانت معابد السومريين وحدائق بابل المعلقة في العراق أمراً لا يتخيله ابن الصحراء مثلا لأنها كانت حضارة محدودة في جغرافيا محدودة، فقد أخذت الإنسانية ومنذ منتصف القرن التاسع عشر بإنتاج ما يمكن وصفه بالأدوات الحضارية أو…

العقائد السياسية التي تنتهي بالفشل

السبت ٠١ ديسمبر ٢٠١٨

ترى من كان يتوقع أن إرهابيا ينتمي لمليشيا مسلحة يمكن أن يمنح مساحة للكتابة في صحيفة عريقة كالواشنطن بوست؟ لكن ذلك حدث بالفعل؛ محمد علي الحوثي يكتب مقالة في تلك الصحيفة ضمن حربها الإعلامية الشعواء التي شنتها على المملكة منذ بداية أزمة الصحفي السعودي جمال خاشقجي، حيث أعلنت الصحيفة بكل وضوح أنها طرف في الأزمة وأنها ستواصل الهجوم على السعودية وهو ما يحدث يوميا. لم يكن ذلك موقفا فرديا من الصحيفة بل تضافرت معه كل القوى التي يمكن وصفها بالقوى الموجهة والقوى التي أسهمت السعودية بشكل رئيسي في إفشال أبرز مشاريعهم في المنطقة. يعتنق اليسار الليبرالي النظريات ويتعلق بها على حساب الواقع، لديه معاييره للخير والشر والعدل والمساواة والحقوق ويتعامل معها كعناوين مطلقة يسعى لتطويع الواقع واعتسافه لتحقيقها من وجهة نظر مثالية وغير واقعية. ويمكن اعتبار فترة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما أبرز سنوات تجلت فيها أفكار اليسار الليبرالي ومشاريعه في المنطقة. صحف وشخصيات ومنظمات دولية استغلت الحادثة أبشع استغلال، كانت الفرصة الأكبر للنيل من المملكة وقيادتها ومحاصرة مشروعها النهضوي التنموي المعتدل. كل الأطراف الذين استغلوا هذه القضية هم ذاتهم أطراف معادلة الربيع العربي، من قوى ومؤسسات اليسار الليبرالي في واشنطن إلى تركيا والدوحة وطهران وجماعات الإسلام السياسي في المنطقة إضافة إلى المنظمات الحقوقية الموجهة حول العالم. أدركت تلك القوى…

انتصار الواقعية السعودية

السبت ٢٤ نوفمبر ٢٠١٨

انتهت الأزمة الكبرى التي مرت بها المملكة؛ مواطن إعلامي سعودي يتعرض لحادثة فاجعة في قنصلية بلاده، وفجأة يجد الخصوم أنهم امتلكوا سلاحا فريدا من نوعه يمكن تصويبه للسعودية وتحديدا لولي عهدها الذي باتت كل مواقفه تمثل هاجسا مقلقا للغاية لكل قوى الشر والمؤامرات الموجهة نحو بلاده ونحو المنطقة. فجأة أيضا وجدت كثير من القوى السياسية المتصارعة حول العالم ورقة سياسية جديدة فاتجه كل طرف لاستغلال الحادثة واستثمارها بما يصب في مصالحه. حرب إعلامية غير مسبوقة ونموذج سيئ لتسييس القضايا الإنسانية واستخدامها ورقة للضغط والابتزاز والمناورات، لكن شيئا من ذلك لم يكن مجديا على الإطلاق والسبب في كل ذلك مستوى الواقعية السعودية في التعامل مع هذه الأزمة وغيرها من الأزمات. أول قيمة في تلك الواقعية هي إشراك الرأي العام العالمي في كل التفاصيل والتحولات التي مر بها الحادث، ومن خلال الجهات الرسمية المخولة بذلك، انطلاقا من أن القيادة السعودية ليس لديها ما تخفيه في القضية وتتعامل معها على أنها جريمة شنيعة ويجب محاسبة المسؤولين عنها. كانت تلك الواقعية بحد ذاتها أزمة كبرى لكل من عملوا على تسييس القضية واتخذوها حربا إعلامية مفتوحة ضد المملكة. وهكذا بدأت حالات الانفعال التي صاحبت تلك الهجمات ولم تتبق للخصوم في تلك الحرب إلا أداة واحدة؛ التشكيك في كل الروايات السعودية واستمرار الاستهداف الموجه تحديدا لولي…