يحيى الأمير
يحيى الأمير
إعلامي سعودي

اقتصاد الأفكار الجديدة

السبت ١٥ سبتمبر ٢٠١٨

أدت التحولات الاقتصادية الضخمة التي تمر بها المملكة إلى ما يشبه عمليات الفرز الحقيقية لمجتمع الأعمال والتجارة، لنصبح اليوم أمام مستويين من الاستثمار: الاستثمار الربحي والاستثمار التنموي. يقوم الاستثمار الربحي على أنماط تقليدية من التجارة تعتمد على قوتها المالية وعلى أهمية البضاعة التي تتاجر بها، وتهيمن عليها التقليدية والثبات ولا تحمل أية أفكار جديدة، بل قد تتحول أحيانا إلى عنصر إعاقة للتنمية العامة، خذ تجارة الأراضي مثلا والتي وإن كانت صالحة لمرحلة إلا أنها بالتأكيد لا يمكن لها الاستمرار. وبالنظر إلى كون الأراضي مكونا من مكونات الإنشاء والبناء سواء للمنزل أو المدرسة أو المصنع، فإن استخدام أحد تلك المكونات وتحويله إلى منتج من شأنه أن يقضي على كل العملية ويعيق اكتمالها. وحين تم إقرار نظام رسوم الأراضي البيضاء كان الغرض الأبرز منه تحويل تلك المساحات الهائلة من كونها عناصر اقتصاد مهملة ومعطلة لتصبح عناصر منتجة. الاستثمار التنموي يختلف عن كل ذلك؛ يحمل الاستثمار التنموي قيما جديدة في داخله وفي أدواته ويرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بمعادلات التنمية الوطنية وأهدافها، ويقوم الاستثمار التنموي على بعدين هما: الأفكار الجديدة التي تتحول إلى أنشطة استثمارية واقعية، وأعمال التطوير والابتكار في الأنشطة الاستثمارية القائمة والمعروفة. تطوير وابتكار على مستوى الأفكار والأدوات سعيا للجودة الأمثل والتكلفة المناسبة والقدرة على التطور المستمر. الأنظمة والتحولات والتشريعات…

الأجهزة القديمة في عالم جديد

السبت ٠٨ سبتمبر ٢٠١٨

في يونيو العام ١٩٤٥ صدر ميثاق الأمم المتحدة، وأصبح نافذا بعد ذلك التاريخ بأشهر، أي منذ أكثر من 65 عاما. تغير كل شيء في العالم؛ في أفكاره وقيمه وأدواته، ومر العالم بثورات معرفية واتصالية وتقنية ولا يزال الميثاق كما هو، تهيمن عليه لغة يسيرة ومثالية ومحايدة للغاية. هذا الحياد وتلك اللغة الحالمة جعلت الأمم المتحدة أقل جدوى وأقل تأثيرا وفاعلية خصوصاً أمام الملفات والأحداث الجديدة التي شهدها العالم. تسعة عشر فصلا تتضمن 111 مادة تمثل محتويات ومضامين ميثاق الأمم المتحدة: «نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف، وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية، وأن نبيّن الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدماً، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح». بهذه اللغة المثالية الحالمة تبدأ ديباجة ميثاق الأمم المتحدة وتهيمن بشكل شبه كامل على كل الفصول والمواد، وتضع قوالب عامة ربما كانت صالحة وجيدة في الفترة التي كتب بها الميثاق لكنها بالتأكيد لن تظل كذلك إلى الأبد. القضية الفلسطينية،…

السعودية الأكثر اعتدالاً

السبت ٠١ سبتمبر ٢٠١٨

في الواقع، ليس من الضروري على الإطلاق أن يكون جميع الناس متفقين على كل ما تشهده السعودية اليوم وما ستشهده من تغييرات قادمة، لكن الأهم هو أن لا تكون ثمة سلطة في أيدي الممانعين وألا تكون الآراء والقناعات الشخصية قادرة على التأثير في اختيارات الآخرين. أستطيع القول إن تلك الحالة المؤلمة والقاهرة انتهت تماماً بعد التنظيم الجديد لعمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي ظلت لسنوات تمثل بسلوكها وتحركها دون سند قانوني واضح أزمة كبرى في الحياة اليومية في السعودية، ولكي تؤسس لزمن المؤسسات والحياة المدنية وتسهم في بناء الاستقرار والسلم الاجتماعي كان صدور ذلك التنظيم ضرورة ملحة للغاية. في كل بلدان العالم يمثل القانون والنظام الضابط الأول لحياة الناس اليومية وتمثل وظيفته الكبرى في حماية حق الاختيار والتنوع بينما تدير مؤسسات الدولة ذلك التنوع من خلال توسيع دائرة الخيارات في الحياة العامة وتكاد تتضح يوما بعد يوم ملامح تلك المعادلة في الحياة السعودية. إن أكثر ما يستفز خصوم السعودية اليوم ليست الحرب في اليمن ولا الموقف من تدخلات الحكومة الكندية، إنه هذا الاعتدال الذي بات واقعا ملموسا وتوجها مستقبليا، يمثل الاعتدال في السعودية إفسادا لكل مشاريع التربص التي ظل يبنيها خصوم المملكة، والذي طالما ارتكزوا فيه على قضية التشدد والوجود السابق لهيئة الأمر بالمعروف وحظر قيادة المرأة للسيارة…

هل يمكن أن يعود التطرّف والإرهاب؟

السبت ٢٥ أغسطس ٢٠١٨

كل موجات العنف والتطرف التي عرفتها المنطقة قلما كانت تأتي منفردة، فغالبا ما تكون ضمن سياقات تمثلها أحداث كبرى مفصلية؛ الحرب الأفغانية، احتلال العراق، الثورة السورية، ولكن أبرز ما يمكن ملاحظته في تلك الموجات أن الأحداث الكبرى تمثل إحياء وإيقاظا للمارد الإرهابي بكل تجلياته الفكرية والحربية والتعبوية، ويصاحب ذلك نشاط واسع في إبراز المرتكزات التي يقوم عليها. الجهاد ينطلق أولا من فكرة خطيرة ومحورية في المدون الفقهي، وهي: الإنكار، (حيث يجب أن يتحمل المسلم مسؤولية تجاه ما يتعرض له المسلمون في أي مكان في العالم وأن يهب لنصرتهم) بالتأكيد التوصيفات في الفقه لهذه الحالة أكثر تعبوية واندفاعا. ربما يكون ذلك الواقع طبيعيا بالنظر للسياقات التاريخية والمعرفية التي كتب فيها ذلك المدون، لكن الأزمة نشأت حين لم يوجد فقه معاصر يستوعب كل المتغيرات الحضارية والإنسانية التي شهدها العالم والتي كان من أهمها نشوء الدولة الوطنية الحديثة. هذا يعني أن السند الفكري للعنف والإرهاب لا يزال قائما وحاضرا، وإلى الآن ومع كل المحاولات التي قامت بها كثير من الشخصيات والهيئات الشرعية للرد على أفكار الإرهابيين والجهاديين إلا أنها لا تزال مجرد مساجلات فقهية وعظية أكثر من كونها مشروعا فقهيا واعيا وجديدا. كل موجات الإرهاب التي شهدتها المنطقة لم تكن في الغالب تلقائية؛ فقد تم استثمارها استخباراتيا وأفرزت تلك المراحل ما يمكن تسميتها…

تركيا وإيران وقطر.. ما بعد فشل «الربيع»

السبت ١٨ أغسطس ٢٠١٨

كل الكيانات في المنطقة التي تشهد اليوم أوضاعا غير مستقرة، هي في الغالب تلك التي شاركت ومثلت أضلاع المربع الأخطر الذي أراد الإحاطة بالمنطقة في أحداث ما سموه بـ(الربيع العربي)، وما يحدث لهم هو بمثابة ارتدادات تلك العملية المريعة التي شهدتها المنطقة والتي لا تزال نتائجها المدمرة ونيرانها المشتعلة في أكثر من مكان. قطر وإيران وتركيا، بكل ما يتبع لها من خلايا وتنظيمات ومؤسسات وميليشيات هي اليوم في زاوية الخسارة لكنها لم تعترف بعد ولا تزال في حالة إنكار وهروب من تورطها في ذلك المشروع التدميري الأسود. كان الراعي الأبرز الذي منحهم القوة ليكونوا أعضاء في ذلك المشروع، الإدارة السابقة في البيت الأبيض وما تحمله من قيم ونظريات سياسية لا علاقة لها بالواقع ولا بقراءة النتائج التي يمكن أن تؤول إليها الأمور في المنطقة. مثلت الأنظمة في كل من الدوحة وطهران وأنقرة الوكلاء لتنفيذ وإدارة واستثمار كل ما شهدته المنطقة من أحداث لصالحهم؛ وحيث إن لكل نظام من هذه الأنظمة أطماعه التوسعية فقد كانوا أحصنة الرهان لإنفاذ مشروع الثورات، لكنها أحصنة ما لبث أن تعثرت في منتصف الطريق وأصبحت في دائرة الاتهام، وبدأت تحاصرها الارتدادات العنيفة جراء تورطها وفشلها. لماذا هذه الأنظمة الثلاثة تحديدا؟ أولا: لكل منها مشروعاته وتطلعاته التوسعية خارج حدوده: • طهران بأيديولوجيتها المتطرفة التي تجاهر منذ العام…

الرياض.. عاصمة التحولات والسيادة

السبت ١١ أغسطس ٢٠١٨

العالم كله منشغل بالموقف السعودي الجريء والنوعي الذي جاء ردا على التدخلات الكندية السافرة في الشأن السعودي. وتكاد تدور مختلف التحليلات الإعلامية حول كون الموقف السعودي جاء صادما ومخالفا لأقصى التوقعات، وأنه يمثل رسالة سعودية للعالم بشأن الملف الأكثر عرضة للانتقاد وهو ملف حقوق الإنسان، لكن العامل المشترك بين كل تلك التعليقات مستوى الصدمة الكبير وغياب أي قراءة جديدة مقنعة. يحدث كل ذلك لأن العالم كله اعتاد أن منطقتنا سيئة الصيت في العالم اعتادت على شخصية التلميذ البليد الذي يتلقى التأنيب والتقريع يوميا من منظمات وهيئات حقوق الإنسان في العالم بينما يكتفي بالصمت والتبرير أحيانا. لم يحدث أن كان ملف حقوق الإنسان ملفا نزيها وصادقا، لقد تحول إلى وسيلة من وسائل الضغط والتوظيف السياسي، وتشكلت عبر مختلف البلدان الأوروبية جماعات ومنظمات ترضخ لسيطرة الجهات الممولة وتلعب وظيفة رئيسية تتمثل في اللعب بالورقة الحقوقية. العامل الآخر في فساد تلك المنظمات ما يمكن وصفه بالفساد المعرفي والثقافي؛ إنها منظمات تقليدية في الغالب ولا تتطور كثيرا ولديها حزمة من العناوين المطلقة الجاهزة التي تظل ترفعها دون أدنى استيعاب للمتغيرات أو الأبعاد الثقافية والاجتماعية والسياسية في أي مجتمع، وبالمال وبالأنشطة المشبوهة تستطيع تلك المنظمات أن تمثل عامل ضغط على الحكومات وتؤثر في قراراتها وتوجهاتها. هل من المبالغة القول إن ذهنية تقليدية ماكرة لا تزال…

هاكاثون الحج.. اللحظة السعودية العالمية

السبت ٠٤ أغسطس ٢٠١٨

كان بالإمكان إقامة حدث مثل الهاكاثون العالمي الذي احتضنته المملكة لخدمة أي قطاع من القطاعات؛ الاقتصاد، الترفيه، النقل، أو غيرها من الأنشطة والقطاعات، لكن ذلك سيجعل منه مجرد نشاط يمكن أن يقام مثله في كوريا أو لوس أنجلوس، لكن اختصاصه بالحج جعله حدثا سعوديا بامتياز وجعله حدثا عالميا كذلك. يمثل الحج بالنسبة للسعودية حدثا سنويا محوريا تبذل من أجله كل الجهود التي تعمل على مدار العام خدمة للحرمين الشريفين اللذين اختص الله المملكة بشرف خدمتهما، طالما مثل ذلك مسؤولية تديرها المملكة بكل اقتدار وطالما مثل ذلك أيضا مدخلا للأعداء والمتربصين الذين أرادوا تحويل هذا الشرف إلى عائق حضاري عن التقدم والانفتاح والمدنية تحت دعاوى أن بلادا تضم الحرمين الشريفين يجب أن تظل ضمن قالب واحد جامد لا يتطور. لم نلتفت أبدا لهذا الرأي وأدركنا أن الحرمين الشريفين على العكس من ذلك تماماً، إنهما يمثلان وعبر التاريخ أبرز محفز للتعايش والتنوع والاعتدال، لم نصغ إليهم والتفتنا للقيم الحضارية الكبرى التي يمثلها الحرمان الشريفان وواصلنا العمل بكل اقتدار. لكن التحول الكبير والمحوري الذي تشهده المملكة اليوم لا بد أن يخصص جانبا واسعا من اهتمامه ورؤيته لاستمرار وتطوير الخدمة والعناية الدائمة المقدمة لمكة والمدينة وللحج والعمرة. منذ إطلاق رؤية المملكة ٢٠٣٠ ونحن نتحدث لغة جديدة ونحمل تطلعا جديدا تتبدى آثاره في كل شيء،…

انتهت القضية بتاريخ 10/ 10

السبت ٢٣ يونيو ٢٠١٨

غدا الحل الطبيعي والمنطقي والوطني لتلك العقدة الطويلة التي طالما ظلت تمثل معركة اجتماعية كبرى في السعودية وعلى مدى سنين طويلة. غدا أيضاً سوف يخسر الإعلام المشاكس المناوئ للسعودية واحدة من أكثر الأوراق التي ظل يرفعها كلما جاء الحديث عن المملكة ونهضتها واعتدالها. منذ أشهر تدفق الآلاف من النساء إلى مدارس تعليم القيادة بمجرد افتتاحها بعد القرار السامي التاريخي الخاص بتنظيم المرور، والذي يساوي بين الرجال والنساء في أحقية قيادة السيارات. كان ذلك التدفق مؤشرا مهما على حالة تغير واسع في الوعي الاجتماعي السعودي، يتوازى ذلك مع إقبال اجتماعي واسع على مختلف المستجدات التي باتت واقعا في الحياة السعودية. جيل سعودي مختلف في كل شيء ويرى نفسه جزءا من العالم ويريد أن يعيش تماما كما يعيش الناس في المجتمعات التي تتسع فيها الخيارات ويديرها ويحميها القانون. حياة طبيعية وجدول يومي حافل بالعمل والإنجاز والمتع والخيارات؛ تلك هي المرحلة التي نعيشها اليوم والتي ستشهد تطورا واتساعا حقيقيا في الخيارات يقضي على أي محاذير غير منطقية ويغلق كل الملفات الغريبة التي لا يمكن تبريرها. المظاهر الجديدة في الحياة السعودية تحولها يوميا إلى واقع جاذب وحيوي، وقيادة المرأة السيارة ستمثل أبرز وأهم تلك المظاهر، الحضور اليومي للنساء في كل مجتمع أبرز تجسيد لكونه طبيعيا ومتحضرا وأبرز تجسيد أيضا لقوة القانون والمؤسسات. اجتماعيا، لطالما…

السعودية والإمارات.. من الاستقرار السياسي إلى الاعتدال والمدنية

السبت ٠٩ يونيو ٢٠١٨

انعقاد المجلس التنسيقي السعودي الإماراتي يمكن وصفه بأحد منجزات هذا التحالف العظيم والقوي بين البلدين، هذا التحالف الذي يمكن اعتباره الأصدق والأوثق في التاريخ العربي المعاصر، وهو يحمل في تركيبته كل عناصر التطور والبقاء والاستمرار. كل التحالفات التي شهدتها المنطقة العربية باءت بالفشل بل تحولت إلى أزمات امتدت آثارها السلبية طويلا، مشروع الجمهورية العربية الذي تم الإعلان عنه العام ١٩٥٨ بين مصر وسوريا لم يلبث أن انفرط بعد ذلك التاريخ بثلاثة أعوام فقط، ومنذ ذلك التاريخ وإلى العام ١٩٧٨ توالت الإعلانات عن مشاريع وحدوية تهيمن النظرة العروبية والحماس غير الواقعي ولكنها لم تحقق شيئا على الأرض ومنيت بفشل مريع. كانت الأيديولوجيات تهيمن على مختلف تلك الأنظمة ذات التطلعات الوحدوية الحالمة، بل إن كثيرا من تلك المشروعات كانت جزءا من معركة صراع الأيديولوجيات وتسيطر عليها فكرة بناء نموذج موازٍ للخلافة إنما بمعطيات وشعارات جديدة تتسم بالشمولية وغياب الرؤية الواقعية، ولم تستطع أن توجد أي نموذج يوازي بين الدولة القُطرية الحديثة وبين تطلعات الوحدة. في العام ١٩٨١ ومع ظهور مجلس التعاون الخليجي شهدت المنطقة تجربة جديدة ونوعية في مسار التحالفات الواقعية، كان المجلس رؤية جديدة في العمل المشترك يحافظ على الدولة الوطنية الحديثة بصفتها كيانا قائما ومستقلا وفي ذات الوقت يؤسس لها دورا جديدا فاعلا في محيطها يحافظ على مصالحها ويمكنها من…

الدولة والفقه.. أسئلة التنمية والاعتدال

السبت ٢٦ مايو ٢٠١٨

الدولة المدنية الحديثة هي آخر نموذج طورته ووصلت إليه البشرية في سياق بناء المجتمعات والكيانات بل وأكثرها نضجا وقدرة على البقاء والتطور، من مجتمعات العائلة والقبلية والعرق والإثنية جاء مجتمع الدولة الحديثة ليمثل رابطا جديدا بين المنتمين إليه؛ رابط يتجاوز تلك الروابط الصغرى ويقوم على مبادئ التنوع والمصلحة والدفاع وعلاقات المنافع المتبادلة مع الكيانات المجاورة، وكل اضطراب تشهده أية دولة يعود إلى قصور في أحد جوانب المدنية لديها؛ إِمَّا بسبب تراجع التنوع وهيمنة الرأي الواحد أو الاحتكام إلى حسابات ومصالح لا علاقة لها بالواقع. وكلما اتسعت الخيارات واتسعت هيمنة القانون المدني كلما كان ذلك الكيان في مساره الصحيح، وكلما تراجعت كلما دخل في أزمات متتالية، أبرزها تتمثل في وجود وعي غير مدني أو قيمة غير واقعية يراد الدفاع عنها أو الانطلاق من أحكام قديمة أو غيبية لبناء واقع جديد.. (الولي الفقيه) هذا أسوأ منصب عرفه التاريخ الحديث، والتجلي الأبرز له يتمثل في النظام الكهنوتي الإيراني الذي بات عبئا على الشعب الإيراني وعلى المنطقة والعالم بأسره. في الواقع إن كل ما يقوم به النظام هناك سواء في الداخل الإيراني أو في المنطقة هو نتيجة حتمية وطبيعية لتركيبة النظام التي تقوم على أن الولي ليس شخصية دنيوية واقعية ومعاييرها ومهاراتها في الحكم والسياسة ليست سياسية ولا وطنية بل هي فقهية دينية غيبية.…

بناء فقه المواطنة

السبت ١٩ مايو ٢٠١٨

من أصداء مؤتمر أبوظبي الذي عقد الأسبوع قبل الماضي، ذلك المحور الذي يمثل تحديا وهدفا للمؤتمر: المجتمعات المسلمة.. الفرص والتحديات، وهو محور فقه المواطنة، جاءت مفردات المحور متعددة ضمنا في الكثير من محاور اللقاء، وتم تخصيص محور كامل تحت عنوان: الانتقال من فقه الضرورة إلى فقه المواطنة. هنا لا بد من مواجهة الآتي: ثمة حالة من التيه تسيطر على قضايا الوطنية والمواطنة والدولة الحديثة في مختلف المصنفات والكتب الفقهية التراثية والكتب الفقهية الحديثة التي تتكئ عليها، فالدولة الوطنية الحديثة تمثل آخر منتج توصلت إليه الحضارة الإنسانية كإطار لتنظيم حياة المجتمعات وإدارة العلاقة بينها وبين أفرادها الداخليين، ذلك المنتج لم تدركه كتب الفقه التراثي زمنيا وبالتالي فليس ثمة حاجة للبحث عن تأصيل للوطنية من خلال الفقه القديم. هناك ما هو أهم وأكثر عمقا ويمكن أن يمثل مستندا دينيا وتاريخيا ننطلق منه في تأصيل مفهوم المواطنة لا شكلها، وهو ما ذهب إليه المؤتمر بكل نجاح؛ إنها وثيقة المدينة. مثلت تلك الوثيقة منطلقا مهما لأبرز وأهم قيم الحياة المدنية وهي قيمة التعايش بين المتنوعين والمختلفين دينيا، لقد جعلت الوثيقة من المكان والمصالح المشتركة مبررا للتعايش، ومثلت إعلاء من شأن الاختلاف. بالتأكيد أن ذلك لم يكن نموذجا للدولة المدنية الحديثة الكامل، ولكنه مثل تأسيسا لزمن المدنية، والتي يعد التعايش من أبرز وأهم مقوماتها. نصت…

المجتمعات المسلمة تبني مستقبلها من أبوظبي

السبت ١٢ مايو ٢٠١٨

ربما وبعد كل تلك التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة وبعد حالات الانكشاف الكبرى في كثير من الملفات وبعد انهيار مشروع الإسلام السياسي في المنطقة وتراجعه في العالم، ليس أنسب من أبوظبي لتكون مقرا ومنطلقا للحدث العالمي الضخم الذي شهدته الأسبوع الماضي: المؤتمر العالمي للمجتمعات المسلمة.. الفرص والتحديات. هذا أحد الملفات التي شهدت صمتا طويلا جعله رهينة طيلة العقود الماضية لدى المؤسسات والتنظيمات الحزبية والحركية إلى الدرجة التي تأزمت فيها علاقات المسلمين في البلدان غير المسلمة بأوطانهم وأصبحوا قضية معقدة بدلا من أن يكونوا جزءا من النسيج الاجتماعي في أوطانهم. ومنذ عقود اتجهت جماعات الإسلام السياسي والكيانات الداعمة لها لتجعل من المسلمين في تلك البلدان سلاحا من أسلحتها وورقة من أوراقها التي تتفاوض بها مع الحكومات هناك وتجني من خلفه كثيرا من المكاسب التي تدعم عملها السياسي والحزبي.. كانت المنابر والفتاوى والمؤسسات الإسلامية أشبه ما تكون بغرف التوجيه والتحكم التي سعت من خلالها جماعات الإسلام السياسي للتأثير في تلك التجمعات الإسلامية، وقد عملت في ذلك على حزمة من الإجراءات والأهداف كان من أبرزها بناء حواجز تقف ضد اندماج المسلمين في أوطانهم وبخاصة الجيل الثاني منهم، وإشاعة قيمة الغربة والابتلاء بصفتها الوصف الأبرز لحياتهم في تلك المجتمعات الكافرة. لقد كان (فقه الضرورة) أبرز تلك الأدوات، ويطلق عليه أيضا: فقه الأقليات، وتكمن خطورة…